العنوان تثير قلق الحلفاء والخصوم السابقين: خطة البنتاجون لإقامة إمبراطورية جديدة على امتداد الكرة الأرضية.
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 79
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 28
السبت 31-يناير-2004
■ مسؤولون أمريكيون: مباحثات مع اليابان وكوريا الجنوبية لإعادة تبديل عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في العالم.
■ روسيا تسعى لتوسيع وجودها العسكري في «الخارج القريب» منها وتحاول تحويل.
■ معاهدة حلف الأمن الجماعي من «نمر من ورق» إلى قوة فعلية.
■ وزير الدفاع الروسي: أي خطط لتقريب البنى التحتية للناتو من حدودنا تهددنا.
■ خطة رامسفيلد: ما يجري التخطيط له ليس رؤية إمبراطورية من الطراز القديم بل برنامج يخفض النفقات ويسمح للقوات الأمريكية بالضرب بسرعة ضد «الإرهاب» دون اعتماد على حفنة من الحلفاء.
■ رامسفيلد: الواقع العسكري الأمريكي في العالم كان مصممًا على أساس محاربة عدو لم يعد موجودًا في ميدان المعركة وهو الاتحاد السوفييتي.
تأمل الحكومة الأمريكية أن تؤدي موافقة الحكومة التركية على فتح قاعدة إنجيرليك العسكرية الجوية في جنوب شرقي تركيا- لدعم الاحتلال الأمريكي للعراق - إلى وجود عسكري أمريكي طويل المدى في تركيا - العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو». وقد جاء الاتفاق حول إنجيرليك في سياق سعي وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» إلى إدخال تغييرات واسعة على الوجود العسكري الأمريكي في العالم، بما يخدم الحرب الأمريكية على ما تسميه واشنطن «الإرهاب» وهو يتطلب من البنتاجون أن تكون قادرة على نشر قوات وطائرات حربية إلى أبعد بقاع الأرض خلال فترة إنذار قصيرة.
وبموجب خطة البنتاجون فإنه بدلًا من الإبقاء على عدد قليل من الحاميات الكبيرة، سيتم تبديلها عبر عشرات القواعد الصغيرة في مختلف أنحاء العالم في تدريبات تمكث خلالها لبضعة أسابيع أو أشهر فقط في المرة الواحدة. ويمكن أن تكون تلك القواعد بمثابة نقاط انطلاق لهجمات عسكرية لحماية المصالح الأمريكية أو شن هجمات سريعة على أماكن فيها مسلحون معارضون للولايات المتحدة.
وستظل بعض المنشآت العسكرية الأمريكية في ألمانيا نشطة مثل قاعدة رامشتاين الجوية في جنوبي ألمانيا، ومقر القيادة الأمريكية الأوروبية في شتوجارت، والمستشفى العسكري الأمريكي الرئيس في واند سبيك، قرب هامبورج، وبعض القواعد القائمة في ألمانيا وبخاصة تلك التي توجد فيها وحدات مدرعة ثقيلة ستختفي بكل تأكيد تقريبًا. ويوجد في ألمانيا حاليًّا نحو ٧٠ ألف جندي أمريكي.
وقال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للشؤون السياسية دوجلاس فيث إن مسؤولين أمريكيين كبارًا أبلغوا نظراءهم الألمان في اجتماعات عقدت في شهر ديسمبر من العام الماضي أن البنتاجون تعتزم سحب ما بين ٣٠ - ٤٠ ألفًا من جنودها في ألمانيا في عامي ٢٠٠٥ و۲۰۰٦ إضافة إلى القوات المساندة لها التي تشكل الفرقة الأولى المدرعة وفرقة المشاة الأولى الموجودتين في قواعد بألمانيا..
ويتوقع مسؤولون كبار في البنتاجون البدء بإرسال فرق مسح عسكرية قريبًا لاستكشاف قواعد في مناطق مرغوب فيها مثل أوروبا الشرقية؛ لتقرير كمية الأموال التي ستضخها الولايات المتحدة في تلك القواعد لتجعلها بالمستويات الأمريكية المطلوبة. وقد أجرى مسؤولون أمريكيون مباحثات منذ شهر نوفمبر الماضي مع حلفاء قدماء مثل اليابان وكوريا الجنوبية بشأن الخطط الأمريكية لنقل وإعادة تبديل عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في العالم، وفق ما يصفه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد «إعادة تعديل لملاءمة القرن الحادي والعشرين».
وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد أوضح اهتمام حكومته بقضية إعادة تحالفات واشنطن الرئيسة في بيان له في شهر نوفمبر الماضي قال فيه: «إن التهديدات التي كانت ذات يوم مألوفة في مواجهة أمتنا وأصدقائنا وحلفائنا قد أفسحت المجال لأخطار يصعب التنبؤ بها مرتبطة بالدول الخارجة على القانون والإرهاب الدولي وأسلحة الدمار الشامل. ويتعين علينا أن نعيد تنظيم وضع قواتنا على الكرة الأرضية لكي نواجه بشكل أفضل هذه التحديات الجديدة».
وبالنسبة لألمانيا وكوريا الجنوبية فإن التخفيضات المقترحة في القوات والقواعد تؤدي إلى خسارة اقتصادية، وهناك أيضًا مخاوف في سيول تجاه أية خطوات من شأنها أن تقلل الالتزام العسكري الأمريكي في شبه القارة الكورية. وتقول مصادر
البنتاجون: إن التغييرات التي يجري بحثها تشكل نقل جنود من المنطقة الكورية منزوعة السلاح، ويبلغ عدد القوات الأمريكية هناك ٣٧ ألف جندي، كما أن قوات أمريكية مرابطة حاليًّا في اليابان، قد تنقل إلى أستراليا، وتخفيض هذه القوات قد يكون تخفيضًا في العداء من الناس في تلك المنطقة الذين يخافون الوجود الكبير للقوات الأمريكية في أوكيناوا
غير أن أكبر الصعاب التي يواجهها فيث وفريقه في البنتاجون بشأن تغيير القواعد الأمريكية جاء من روسيا التي أعرب كبار مسؤوليها عن قلقهم من أن تنتهك الولايات المتحدة معاهدات حقبة الحرب الباردة التي تتعلق بعدد القوات الأمريكية في أوروبا، وهم قلقون بشكل خاص من احتمال زيادة الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا الشرقية ومنطقة البلطيق. وقال مسؤولون أمريكيون إنهم يعتقدون أنهم يستطيعون إنجاز عمليات إعادة الانتشار بدون انتهاك تلك المعاهدات.
وكان وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية مارك جروسمان دعا المسؤولين الروس خلال زيارة قام بها إلى موسكو في شهر ديسمبر الماضي إلى عدم النظر إلى إعادة بناء التحالفات الأمريكية على أنها عمل عدواني.
وتحاول روسيا بنشاط تأمين وتوسيع وجودها العسكري فيما وصفته بــ «الخارج القريب» منها، وهي تحاول بصورة متزايدة تحويل معاهدة حلف الأمن الجماعي التي تضم ست جمهوريات سوفييتية سابقة من «نمر من ورق» إلى قوة فعلية. كما أن موسكو تسعى إلى تعزيز روابطها الدفاعية والأمنية ضمن «كومنولث الدول المستقلة» الفضفاض، فقد قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر الماضي بمغازلة وزراء دفاع عشر جمهوريات سوفييتية سابقة بوعود بمواصلة التدريب العسكري لقواتها وتزويدها بأسلحة بأسعار مخفضة، وأبلغهم أن «التعاون العسكري الفني بين الدول الأعضاء في الكومنولث يعتبر عاملًا مهمًا في تعاوننا في مجمل الفراغ القائم عقب الحقبة السوفييتية الذي يضمن حياة آمنة وسلمية لمواطنينا»..
وقد اعتبر وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف التوسع المزمع للوجود العسكري الأمريكي على حدود روسيا مصدر قلق لبلاده، وقال: «إن أمن البعض يجب أن يأتي على حساب الآخرين، وإن أي خطط لتقريب البنى التحتية للناتو من حدودنا تؤدي بالتأكيد إلى قلق مفهوم وواضح»، غير أن جروسمان قال: إن واشنطن لم تتوصل بعد إلى قرار نهائي بشأن الدول التي ستستضيف قواعد أمريكية جديدة، مشيرًا إلى أن أذربيجان وبولندا لم يبحثا كبلدين مضيفين محتملين.
وقال إيفان سافرانشكون، من مركز معلومات الدفاع في واشنطن: «إنه في الوقت الذين يمكن أن نفهم إعلان واشنطن أنها تحتاج إلى تقليل اعتمادها على أوروبا القديمة بفتح قواعد في دول حلف وارسو السابق إلا أن أي جدال بشأن حاجة واشنطن إلى قواعد دائمة في الجمهوريات السوفييتية السابقة لمكافحة الإرهاب، أبعد عن أن يكون مقنعًا». وأضاف أن هناك سببًا واحدًا لرغبة الولايات المتحدة في إقامة قواعد في منطقة جنوب القوقاز هو تأمين خط أنابيب نفط باكو- جيهان الذي سينقل نفط منطقة بحر قزوين الذي يشرف على إنتاجه كونسورتيوم من شركات النفط الأمريكية.
وكانت الولايات المتحدة بموافقة موسكو قامت بنشر قوات في عدد من دول آسيا الوسطى في عام ٢٠٠١ لدعم عملياتها العسكرية في أفغانستان، وقد افترض أن ذلك الانتشار سيكون مؤقتًا، وتحتفظ روسيا بقواعد في أرمينيا وطاجيكستان وجورجيا ومولدوفيا وقيرغيزستان، وكان يفترض أن تنسحب القوات الروسية من جورجيا ومولدوفيا وفقًا لمعاهدة القوات التقليدية في أوروبا، ولكن انسحابها قد تجمد.
وكان وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد حث خلال زيارة قام بها إلى جورجيا الشهر الماضي روسيا على سحب قواتها من قواعدها في جورجيا. ويذكر أن الجيش الروسي يدير نظام رادار للإنذار المبكر في جابالا بأذربيجان، كما أن لها قواعد إطلاق صواريخ عسكرية في بيكونور کوسمودروم في كازاخستان.
وكانت واشنطن اعترفت في أواخر شهر نوفمبر الماضي أنها بدأت مفاوضات رسمية مع بولندا لتولي الإشراف على قواعد عسكرية هناك، وهو الأمر الذي دفع بوزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف خلال زيارة له لوارسو إلى الرد بسرعة، محذرًا من أن إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا يجب أن يأخذ بالاعتبار المصالح القومية لبلاده. كما أجرت واشنطن محادثات بشأن حصولها على قواعد جديدة مع هنجاريا «المجر» ورومانيا وبلغاريا. وتقول مصادر مطلعة: إن البنتاجون تحرص في منطقة البلقان على بناء قاعدة جوية في معسكر سرافوفو في بلغاريا، وإقامة تسهيلات أمريكية في قاعدة ميهيل كوجينيسيتو الجوية في رومانيا، وهناك أيضاً فرصة جيدة أن تجري زيادة قدرات التسهيلات الأمريكية في ميناء كونستانتا على البحر الأسود.
وبالنسبة لاهتمام المخططين في البنتاجون، فإن المشكلات اللوجستية التي واجهوها في نشر وحدات عسكرية في العراق مثل الفرقة المدرعة الأولى تؤكد الحاجة إلى إعادة مركزة القوات الأمريكية الموجودة في قواعد في الخارج. وكانت البنتاجون محبطة أثناء الإعداد للعدوان على العراق بالنسبة للوقت الذي استغرقته في نقل المعدات للفرق الأمريكية المدرعة من ألمانيا إلى الخليج العربي.
ولكن حتى قبل الحرب على العراق، فإن رامسفيلد وكبار مساعديه كانوا يضعون خططًا لإعادة ترتيب القوات والقواعد، وبالنسبة لهم فإن الواقع العسكري الأمريكي في العالم يعتبر واقعًا قديمًا، وكان مصممًا على أساس محاربة عدو لم يعد موجودًا في ميدان المعركة، وهو الاتحاد السوفييتي «السابق» إنهم يريدون قواعد أمامية أكثر، ولكنها قواعد صغيرة، ويريدون قوات أكثر خفة وأكثر قدرة على التحرك وتستطيع الرد بسرعة ويمكن نشرها بسرعة ضد أعداء محتملين، ويعتقد رامسفيلد ومساعدوه أن التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المتقدمة والقوة الجوية ستقللان الحاجة إلى ذلك النوع من المراكز الأمامية الأجنبية الكبيرة والمكثفة التي كانت تتطلبها فترة الحرب الباردة.
فمنذ ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ قصرت البنتاجون نفسها على التخطيط، وبعيدًا عن أنظار الجمهور، فإن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تقوم بتأمين قواعد وحقوق هبوط لطائراتها العسكرية، وبتوقيع اتفاقيات عسكرية مع سلسلة من البلدان التي يصفها المخططون العسكريون الأمريكيون بـ «قوس عدم الاستقرار»، وتحديدًا ما تسميها واشنطن الدول الفاشلة التي تواجه مشكلات في أجزاء من أمريكا اللاتينية وأفريقيا والمنطقة العربية وجوارها وآسيا الوسطى. وقد تم تطوير وزيادة قدرات أو إقامة قواعد في قطر والكويت وسلطنة عمان وبلغاريا ورومانيا وباكستان وأوزباكستان وقيرغيزيا وجورجيا وجيبوتي والفلبين.
وقبل التوصل إلى اتفاقية نهائية مع البولنديين فإنه تم إنفاق ملايين الدولارات على إصلاح المدارج وتحسين البنى التحتية وبناء الطرق في قاعدة كريسيني الجوية قرب بوزنان في غربي بولندا.
ويقول بعض النقاد: إن البنتاجون تعمل على إيجاد إمبراطورية جديدة على امتداد الكرة الأرضية، وهم يشعرون بالقلق أيضًا من أن وجودًا عسكريًّا بهذا القدر، وعلى هذا الامتداد في أماكن كثيرة قد يشجع المغامرات والتدخلات الأمريكية، في الوقت الذي لا تكون فيه مصالح الأمن القومي الأمريكي معرضة للخطر.
ويقول مؤيدو خطة رامسفيلد: إن ما يجري التخطيط له ليس رؤية إمبراطورية من الطراز القديم، بل برنامج يخفض النفقات ويسمح للقوات الأمريكية أن تضرب بسرعة في میدان حرب واشنطن ضد ما تسميه الإرهاب، وزيادة على ذلك فإنهم يجادلون أنه عندما تكون هناك خيارات كثيرة يجري من خلالها شن هجمات، فإن الولايات المتحدة لن تكون معتمدة كثيرًا على حفنة من الحلفاء، ويقول سليستي جونسون من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن: إن هذه الرؤية قد نشأت إلى حد ما نتيجة لعدم ثقة الولايات المتحدة ببعض حلفائها القدامى بمن فيهم ألمانيا التي عارضت الحرب الأمريكية على العراق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل