; خطة «غزة أولًا».. هل هي فخ إسرائيلي لمصر؟ | مجلة المجتمع

العنوان خطة «غزة أولًا».. هل هي فخ إسرائيلي لمصر؟

الكاتب محمد جمال عرفه

تاريخ النشر الجمعة 18-يونيو-2004

مشاهدات 57

نشر في العدد 1605

نشر في الصفحة 30

الجمعة 18-يونيو-2004

  • وهل تنقل الصراع من فلسطيني/ فلسطيني إلى فلسطيني/ مصري؟

  • إعلاميون رسميون: مصر تركز على «الشأن الداخلي» بعدما دفعت ثمنًا باهظًا لاهتمامها بالخارج!

يبدو أن خطة تشرف عليها مصر والولايات المتحدة توشك أن يبدأ تنفيذها قريبًا، خطة تعتبر في التحليل الأخير مكسبًا لرئيس الوزراء الصهيوني شارون لأنها ستوفر له التهدئة من الجانب الفلسطيني ووقفًا للعمليات، ومكسبًا للرئيس الأمريكي لأنه سيزعم أنه أحل السلام بين الطرفين وأعاد غزة محررة للفلسطينيين قبل موسم انتخابات الرئاسة الذي يدخله صفر اليدين، ومكسبًا لمصر لأنه سيخفف حدة الاحتقان على حدودها الشمالية مع فلسطين بعدما اشتعلت بفعل العمليات الصهيونية الأخيرة في رفح وتوسع عمليات الاغتيال التي طالت كبار قادة المقاومة، وهو ما سينعكس على الوضع الداخلي ويحد من المظاهرات ويخفف بالتالي الضغط على الحكومة داخليًا.

ويبدو أن الخطة -التي نشرت صحف مصرية وصهيونية وفلسطينية الكثير من معالمها، وجرت لقاءت في تل أبيب ورام الله والقاهرة بشأنها -تدور بشكل أساسي حول الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة بما فيه محور صلاح الدين الذي يسميه الصهاينة «فيلادلفيا» الملاصق للحدود مع مصر ونزع مستوطنات موجودة هناك، وربما رفع الحصار عن الرئيس الفلسطيني عرفات «بموافقة وضمانة أمريكية ومقابل تحويل منصبه إلى منصب رمزي غير فعال» ليتحرك بحرية «قالت مصادر بالجامعة العربية إن هذا الطلب تمت الموافقة عليه، لكن شارون نفى»، مقابل تخلي عرفات -ضمنًا- عما تبقى له من سلطات، بالتنازل عن سيطرته على الأجهزة الأمنية لصالح وزير الداخلية ورئيس الوزراء أحمد قريع، مما يعني تجريده من نفوذه وتحوله لرئيس شرفي بعد تجريده من سيطرته على وزارة المالية بطلب أمريكي/ أوروبي. وقد صرح مسؤول مصري كبير «صحيفة الشرق الأوسط 5/ 6/ 2004» بالقول: «لقد قلنا له- أي عرفات- أن يترك السيطرة على الجانب الأمني، وأن يصبح مثل الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا مناضلًا تاريخيًا وطنيًا شريفًا له وزنه ومكانته، وحاولنا إقناعه بذلك.. إن ذلك بالنسبة له ليس بالأمر الهين».

ومن معالم الخطة أيضًا أن يوقف الصهاينة عمليات الهدم والاغتيال للكوادر الفلسطينية مقابل أن تتولى السلطة الفلسطينية ومصر إقناع فصائل المقاومة بوقف دائم ومستمر للعمليات وليس مجرد هدنة، وفي الوقت نفسه يجري إعادة هيكلة وتقوية أجهزة الأمن الفلسطينية ودمجها في ثلاثة أجهزة قوية تدين بالولاء لرئيس الوزراء أو مسؤول أمني واحد لتحكم سيطرتها على غزة ثم مدن الضفة الغربية وتمنع قيام الفصائل بأي عمليات مقاومة بما قد يعنيه ذلك من عودة نمط الاعتقالات التي سادت عقب توقيع اتفاقية أوسلو.

ومن معالم هذه الخطة أيضًا أن تتوسع مصر أمنيًا في الإشراف على خط الحدود مع فلسطين المحتلة، وتتولى حماية هذه الحدود بما يعنيه ذلك من منع عمليات تهريب السلاح عبر الحدود، وتدمير الأنفاق التي قد يعاد بناؤها خصوصًا بعدما قال ضابط رفيع المستوى في شعبة الأبحاث التابعة لجيش الاحتلال في جلسة عقدتها لجنة الخارجية والأمن في الكنيست -وفق صحيفة يديعوت أحرونوت 1/ 6/ 2004– إنه عثر في قطاع غزة على صواريخ من طراز «آر بي جي» من إنتاج مصري من نوع «كوبرا» مطورة، وأن الفلسطينيين يستخدمون هذه الصواريخ في قطاع غزة.

وضمن هذه الخطة أيضًا السعي لإجهاض أي خطط للمقاومة الفلسطينية لضرب أهداف صهيونية انطلاقا من غزة عبر تدريب قوى الأمن والاستخبارات الفلسطينية، ومدهم بقرابة ٢٠٠ من الكوادر المصرية، ومنع من تصفهم الخطة المصرية بـ«المتشددين» من الخروج على هذا الاتفاق.

مصر تحل العقدة:

ويقول خبراء إن الدور المصري المباشر في قطاع غزة سيكون بمثابة حل للعقدة التي يصنعها الصهاينة وأنه سيطمئن الولايات المتحدة وأوروبا والصهاينة، فيتم التعجيل بالانسحاب، وأن الولايات المتحدة من جهتها تجد في إعطاء مصر دورًا أمنيًا مميزًا في قطاع غزة، أمرًا إيجابيًا، و«مساهمة عربية حيوية في عملية السلام».

ويقولون إن السعي الصهيوني لتوريط مصر في حماية الشريط الحدودي كله ومنع عمليات تهريب السلاح، قد فشل بعدما رفضت مصر تحمل المسؤولية الكاملة عن هذه المنطقة، وأن أحد أهداف الصهاينة من العمليات الحربية الشرسة الأخيرة في رفح هو الضغط على مصر لكي تقبل، ولهذا قال قادة صهاينة في تبريرهم لما فعلوه في رفح: «إسرائيل مضطرة لفرض الأمن هناك وقطع دابر تهريب الأسلحة والمخدرات بعد أن رفضت مصر القيام بهذه المهمة».

ويتعلل الطرف الفلسطيني و«مصر» بأن هناك ظروفًا قاهرة دفعت باتجاه تقديم تنازلات كبيرة للصهاينة والموافقة على خطة الانسحاب من غزة، مع تجميلها بالقول إنها جزء من الانسحاب الشامل، بعدما نجح الصهاينة في ضرب قوى المقاومة الفلسطينية -بالعملاء وغيرهم- واغتيال كبار قادة المقاومة بضوء أخضر أمريكي مباشر.

كما أن ظروف تحلل السلطة الفلسطينية وضعفها هي وجهازها الأمني، وحصار رئيسها في بضع حجرات ضيقة تحاصرها الدبابات الصهيونية في رام الله وفي ظل العلو الصهيوني والأمريكي دفعها للقبول بأي حل «ولو مرحليًا لحين تغير الظروف» والقبول بعودة غزة أولًا.

ويضاف لذلك، الضغط على حكومات عربية، خصوصًا مصر بسلاح التغيير وخطة الشرق الأوسط الكبير والإصلاحات واتهامها بعدم التعاون مع أمريكا في خطط تهدئة الأوضاع في المنطقة.. وهي أمور شكلت ضغوطًا على مصر دفعتها للتدخل بخطة للتسوية المؤقتة في غزة، وساعد عليها -كما يرى محللون مصريون- المخاوف المصرية من تحول منطقة الحدود إلى منطقة قتال قد تنعكس على تعاطف الشارع المصري والضغط على الحكومة «هناك من يرى أن حملة الاعتقالات الأخيرة ضد جماعة الإخوان جاءت على خلفية ما حدث في رفح والمخاوف من تحريك الإخوان للشارع المصري».

ولا شك أيضًا أن قبول شارون لهذه الخطة بشرط واحد هو منع العمليات والتفجيرات الاستشهادية مكسب كبير له في ظل حالة المعارضة التي يواجهها من خصومه في حزب الليكود، وفرصه لإعادة الظهور بمظهر الزعيم القوي الذي لجم الفلسطينيين وهزم انتفاضتهم وحمل مصر مسؤولية حماية الحدود، وترك المصريين والفلسطينيين يتدبرون أمرهم وحدهم بعيدًا عن الدماء الصهيونية.

بين الأهداف المصرية والصهيونية:

الخطط المصرية تقوم على أساس أن هذه مجرد خطوة لإعادة عجلة التفاوض للدوران، في حين أن شارون يعتبرها نهاية المطاف وأن غزة هي الدولة الفلسطينية الأم.. الخطط الصهيونية تراهن على توريط مصر في نزاع مع الفلسطينيين، لمنعهم من القيام بأي عمليات أو تهريب للسلاح عبر الحدود، وتعلن صراحة أنها تملك حق التدخل في غزة وضربها في حالة أي تهديد، في حين أن الخطط المصرية تراهن على هدنة يلتقط فيها الفلسطينيون أنفاسهم وأن غزة هي أول المطاف وليس آخره، وأن التهدئة مقدمة لتسوية شاملة وحل مؤقت.

ويطرح محللون تساؤلات حول الأسباب التي دفعت مصر لرفض مطالب شارون الربط بين الانسحاب من غزة وإشراف مصر على الشريط الحدودي «محور صلاح الدين» بحيث تتولى هي مسؤولية الحدود كاملة، ثم عودة القاهرة للقبول بالطلب الصهيوني، ويقولون إن هناك عشرات الأسباب وراء هذا الرجوع المصري أبرزها الضغوط الأمريكية والأوروبية من جهة، والمخاوف المصرية من إثارة الصهاينة قلاقل متعمدة على الحدود مع مصر وتسخين منطقة الحدود بما يحرك الشارع المصري بعنف في مظاهرات ومسيرات ربما تتطور إلى صدامات مع الأمن كما سبق أن حدث، خصوصًا أن التغييرات والإصلاحات الشاملة التي يطالب بها المصريون نفتها مصادر مسؤولة رسمية «مجلة المصور ٤ يونيه 2004»، وقالت إن التغيير والإصلاح الشامل الذي يتوقعه غالبية المصريين ربما لا يأتي.

كما بدأت تظهر مؤشرات أخرى ربما يكون لها علاقة بالقبول المصري لمسؤولية الأمن على الشريط الحدودي منها ما أعلنه إعلاميون كبار مقربون من الرئاسة المصرية «رافقوا الرئيس المصري في رحلته الأخيرة لموسكو» من تغير في السياسة المصرية باتجاه التركيز على القضايا الداخلية، مما يعني الرغبة في غلق ملف غزة سريعًا.

وقد أكد كل من رئيس مجلس إدارة صحف الأهرام «إبراهيم نافع» والأخبار «إبراهيم سعده»- ما يسمى «زيادة الاهتمام بالشأن الداخلي» بما قد يعنيه ذلك من الالتفات أكثر للداخل والإصلاحات السياسية والاقتصادية ومن ثم السعي لنوع من الانكفاء الداخلي وإنهاء أكثر الملفات الخارجية الحالية، «إزعاجًا» لمصر أو تهدئته.. وهو الملف الفلسطيني.

النتائج.. مكسب لطرف وخسارة لآخر:

أما النتائج التي قد تترتب على هذه الخطة فهي خطيرة على الفلسطينيين والمصريين، ومكسب كبير للصهاينة، حتى إنه يمكن القول إنها ربما تكون فخًا صهيونيًا للمصريين، وتتضمن أخطارًا جمة من اندلاع نزاع مصري مع الفصائل الفلسطينية وتحولًا في العلاقة بينهما، رغم أن الخطة الأصلية مصرية خالصة.

فمصر رفضت في البداية العرض الصهيوني لحماية الحدود لأنها تخوفت من صدام بين جنودها هناك والجنود الصهاينة الذين يقفون على حدود رفح، وتحدث الرئيس المصري عن هذا بوضوح، ولكن أحدًا لم يتحدث عن مخاوف من صدام بين الجنود المصريين أو الخبراء الذين سيقومون بتدريب وتوجيه قوى الأمن الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية أو مهربي السلاح لفصائل المقاومة.

وبالتالي فهناك مخاوف من رفض فصائل مقاومة فلسطينية للخطة المصرية واستمرارها في القيام بعمليات، مما يعني دخولها في صدام مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تشرف عليها كوادر مصرية، وهناك مخاوف من تحول القوة الأمنية المصرية الخاصة على الحدود إلى قوة حماية للحدود لصالح الكيان الصهيوني، تكال لها الاتهامات الصهيونية من حين لآخر لو تم تهريب رصاصة واحدة عبر الحدود، رغم أن الصهاينة لم يتمكنوا من منع عمليات التهريب رغم الحصار الشامل.

وهناك مخاوف أخرى من تحول الصراع من فلسطيني/ صهيوني إلى فلسطيني/ فلسطيني «بين السلطة والمقاومة»، وإلى فلسطيني/ مصري مما قد يهدد العلاقات الأخوية الطيبة بين مصر والشعب الفلسطيني. حيث سينظر الفلسطينيون حينئذ لاعتقال أو قتل أي فلسطيني على يد أجهزة الأمن الفلسطينية أو قوات الحدود المصرية على أنه مسألة عدائية خصوصًا أن مصر أعلنت -ضمن الخطة- أنها ستعيد بناء مراكز الشرطة والسجون في غزة وتمد قوات الأمن الفلسطينية بمعدات لا سلكية وعربات وأسلحة خفيفة.

المكسب الوحيد:

والمكسب الوحيد الذي قد تجنيه المقاومة الفلسطينية من هذه الخطة أن تستفيد من عنصر الوقت في إعادة بناء كوادرها وما خربه الصهاينة، وجبر الاختراقات التي وقعت من جانب العملاء، خصوصًا بعدما غاب عن الساحة قياديون كبار اغتالهم الصهاينة وحدث اختراق كبير من جانب العملاء ونجحت أساليب تقنية صهيونية معقدة في رصد كوادر الحركة وقتلهم.

ثم إن قبول وقف انطلاق العمليات من غزة لن يكلف المقاومة كثيرًا: على اعتبار أن أغلب العمليات تنطلق من مدن الضفة الغربية، واستمرارها من الضفة سيكون منطقيًا بالنظر لاستمرار احتلالها.

بعبارة أخرى ربما تكون الخطة بمثابة «استراحة المحارب» للفصائل الفلسطينية، وفرصة لالتقاط الأنفاس وتقوية شبكتها العسكرية مرة أخرى، وفرصة للفصائل مجتمعة لإعادة توحيد نفسها تحت هدف واحد محدد بدلًا من التشرذم.

هل تنهار علاقات مصر بفصائل المقاومة؟

المشكلة التي تواجه الخطة المصرية أساسًا هي موافقة الفصائل الفلسطينية على وقف القتال ووقف العمليات، فليس من السهل على الفصائل أن تقبل وقفًا شبه دائم لإطلاق النار ولا تنتقم لمقتل قادتها مثل الشهيدين ياسين والرنتيسي وغيرهما، وقد سبق لها رفض هدنة مصرية في يناير الماضي كانت شروطها أفضل.

كما أن وقوع أي عملية في أي وقت سيدفع الصهاينة للتشدد أكثر، فضلًا عن أن حكومة شارون بدأت تتصدع على خلفية الصراع بين وزرائها على إخلاء المستعمرات، وقد رفضت فصائل فلسطينية رئيسة بالفعل المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، مؤكدة أن «إسرائيل» تستغل مثل هذه المبادرة لتجميل صورتها أمام العالم.

وقد وجهت المجتمع أسئلة لمحمد نزال القيادي في حماس عن المخاوف من صدام بين الفلسطينيين والمصريين مستقبلًا: بعد أن تتولى مصر مسؤولية الشريط الحدودي وعما إذا كانت القاهرة قد فتحت نقاشًا معهم، فأكد نزال أن مصر لم تتصل بنا بشأن دورها الأمني في غزة وإن كانت الاتصالات بين مصر وحماس لم تتوقف عمومًا».

وقال: «نحن نعتقد في حماس أن الكيان الصهيوني يحاول حقيقة التخلص من العبء الأمني، وتصدير أزماته إلى خارج المنطقة.

ولهذا نتمنى للقيادة المصرية أن تكون واعية بالأهداف الصهيونية بمحاولاتها استدراج أطراف أخرى للقيام بهذه المهمة الأمنية». وقال «إن حركة حماس كانت حريصة طيلة الفترة الماضية على عدم الاصطدام بأي فئة فلسطينية، ومن باب أولى يكون حرصها على عدم الاصطدام مع أي جهة عربية، ويفترض أن يكون ذلك أيضًا حرصًا مصريًا وعربيًا».

وحذر نزال من أن موضوع الانسحاب من غزة، لا ينبغي أن يكون في إطار خديعة يُراد أن تتم من قبل الصهاينة، فهم يريدون مقايضة غزة بالضفة الغربية، وهذا أمر مرفوض بالنسبة لنا، وتؤكد أنه إذا تم الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة فسنتعامل معه على أنه خطوة أولى نحو الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الخطة المصرية قد تواجه بالتالي عقبات كبيرة ولن يكون الطريق ممهدًا لها بسهولة، وحتى لو نجحت في تذليل العقبات لوجود رغبة صهيونية للتخلص من عبء غزة، فسيكون عليها مواجهة مشكلات فيما يتعلق بمستقبل العلاقات مع الفلسطينيين أنفسهم..

الرابط المختصر :