; خلاصات الموقف الأمريكي حول الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان | مجلة المجتمع

العنوان خلاصات الموقف الأمريكي حول الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1993

مشاهدات 58

نشر في العدد 1061

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 10-أغسطس-1993

خلاصات الموقف الأمريكي حول الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان

قد يكون من غير الصعب إيجاد تفسير واضح للتجاهل الأمريكي تجاه الهجمات الإسرائيلية الوحشية التي شنتها على مدن وقرى الجنوب اللبناني، خاصة أن السياسة الأمريكية الجديدة منحت تأييدًا ودعمًا واسعًا لإسرائيل، وقد تم التعبير عن مفردات هذه السياسة من خلال خطب وتصريحات العديد من الشخصيات الأمريكية الرسمية في وزارات الخارجية والأمن القومي والدفاع.

وإذا ما حاولنا استعراض هذه المواقف والتصريحات لنفهم المغزى الذي ترمي إليه، فإننا سنصل إلى الحقيقة القائلة بأن السياسة الخارجية التي وضعها الطاقم الصهيوني في إدارة الرئيس بيل كلينتون منذ عدة شهور، والتي تعطي لأمن إسرائيل اعتبارات خاصة في الإستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، هي التي يجري بناء عليها اتخاذ المواقف وردود الأفعال بما يخدم تلك المصلحة الأمنية لإسرائيل.

الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

في 18 مايو الماضي، تحدث مارتن إنديك مدير شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي - في خطاب له ألقاه في معهد واشنطن «WINEP» لخص فيه مصالح أمريكا في منطقة الشرق الأوسط بنقاط ثلاث هي:

1- التدفق الحر لنفط الشرق الأوسط بأسعار معقولة.

2- تبادل صداقة أولئك في العالم العربي الذين ينشدون علاقات طيبة مع الولايات المتحدة.

3- أمن وبقاء وخير دولة إسرائيل.

وعندما حاول إنديك تحديد التحديات الخارجية لتلك المصالح، أشار إلى خطر الأصولية الإسلامية، وإلى العنف الذي يلجأ إليه بعض المتطرفين الدينيين الذين تدعمهم -على حد زعمه - إيران والسودان، وإن العبء الذي يقع على كاهل الولايات المتحدة هو في إعانة شعوب وحكومات المنطقة للتصدي لهذا التهديد المتنامي، وذلك عبر سياسة متابعة تحقيق السلام بين دول المنطقة واحتواء التطرف القائم فيها. وأكد إنديك بأن إستراتيجية حكومة كلينتون تقوم على اتباع سياسة الاحتواء المزدوج «Dual Containment» لكل من إيران والعراق في الشرق وتعزيز السلام العربي الإسرائيلي في الغرب. وأشار إنديك إلى أن إيران تشكل خطرًا حقيقيًا على إسرائيل من خلال مساندتها لحزب الله وسعيها لإحباط الجهود الرامية إلى إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية.

بالطبع لم تكن هذه السياسة وليدة خيال مارتن إنديك، المسؤول -سابقًا- في قسم الأبحاث التابع للوبي الصهيوني «AIPAC»، والمدير التنفيذي السابق لمعهد واشنطن المعروف بدعمه لإسرائيل. ولكنها سياسة تم تأكيدها على لسان وزير الخارجية وارن كريستوفر، حيث أشار إلى أن نهج الإدارة الأمريكية حيال المفاوضات سيتناول العمل مع إسرائيل وليس ضدها، وأضاف: «نحن ملتزمون بتقوية شراكتنا الإستراتيجية مع إسرائيل سعيًا وراء السلام والأمن، وأن هذه الصداقة تتطلب أن نفي بالتزاماتنا بالحفاظ على تفوق إسرائيل النوعي». وانطلاقًا من هذه السياسة كان توعد كلينتون لأولئك الذين يعارضون عملية السلام والذين يعملون على تخريبها من خلال العنف والترهيب بأنهم «لن يجدوا تسامحًا هنا حيال أساليبهم».

أما وزير الدفاع، ليس آسبن، فقد صرح هو الآخر في كلمة له أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية - الإسرائيلية «أيباك» والمعروفة باللوبي الصهيوني في 14 يونيو الماضي، بأن التطرف الديني بات يشكل خطرًا خاصًا على الاستقرار الإقليمي وعملية السلام، وأن حكومة «كلينتون» ملتزمة التزامًا عميقًا بمساعدة إسرائيل في مجابهة هذه المخاطر بغية زيادة فرص السلام. أما إدوارد جيرجيان مساعد وزير الخارجية، فقد صرح في شهادته أمام لجنة الخارجية بالكونغرس بتاريخ 27 يوليو الماضي -ردًا على تصاعد أعمال العنف في جنوب لبنان- بالقول: «إن الولايات المتحدة مازالت مصممة على دفع عملية السلام قدمًا، ولن تعيقنا تلك الجماعات المتطرفة التي تعارض السلام بعنف».

وأضاف أن وزير الخارجية كريستوفر قد صرح أن «حزب الله معارض لعملية السلام، وأنه يجب علينا ألا نسمح لمعارضي عملية السلام أن يقوضوها».. وفي شهادته أشار جيرجيان -أيضًا- إلى أن سلوك إيران الذي تعارضه الولايات المتحدة بشدة هو «تأييدها ودعوتها إلى اللجوء إلى العنف لوقف عملية السلام العربية– الإسرائيلية». وأضاف أن ما يثير القلق بصورة خاصة هو جهود إيران الرامية إلى تعبئة الجماعات المتطرفة الإسلامية والعلمانية على حد سواء ضد عملية السلام، حيث تواصل إيران الدعوة علنًا وعلى أعلى المستويات إلى تدمير إسرائيل، وعقب بالقول بأن «القتال في جنوب لبنان -اليوم- هو استفزاز من قبل حزب الله، وهو منظمة إرهابية تحظى بتأييد إيراني واسع النطاق».

هذا هو المناخ المهيمن على أجواء التصريحات الرسمية لإدارة كلينتون، والذي يتم من خلاله تعبئة الرأي العام الأمريكي عبر استجابات الصحف الأمريكية وتناقلها لتلك التصريحات والتي لا تخرج عن إطارها المعادي للإسلام بشكل عام. إن تصريحات دي دي مايرز -السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض- قد حملت المسؤولية لكل من حزب الله وإيران، وقالت: «أعتقد أنهما عملا بوضوح على إثارة هذا، وأن حزب الله يحظى بدعم الحكومة الإيرانية، وهما عدوان لعملية السلام».

وأشارت مايرز في خطابها للصحفيين (لوس أنجلوس تايمز - 28 يوليو 93) إلى أن «الحكومة الأمريكية ملتزمة بألا تدع أعداء عملية السلام يعطلونها أو يعيقونها أو يفككونها بأي شكل، ولذا فإننا سنواصل الدفع إلى الأمام».

إن مجمل التصريحات الأمريكية حول الوحشية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني تلخصت بأقوال متشابهة في مضامينها؛ إذ لا تكاد تجد تباينًا بين ما صرح به كلينتون بالقول إنه «لا يعتقد أن علينا أن نترك لحزب الله وجميع هذه الجماعات التي لا ترغب بحصول شيء طيب في الشرق الأوسط أن تخرج عملية السلام عن مسارها، بسبب ما تقوم به».

وتصريح وزير خارجيته في سنغافورة الأسبوع الماضي عندما حمل على حزب الله واتهمه بالسعي لتخريب عملية السلام، وقال: «إننا نفضل ألا نحملهم على الاعتقاد بأنهم يفوزون بالارتياح في محاولتهم إخراج محادثات السلام عن خطها وإفشالها...».

هذه هي خلاصات الموقف الأمريكي الرسمي والتي يبدو أن الطاقم الصهيوني في إدارة كلينتون قد استطاع أن ينجح حتى الآن في إعادة الدور الوظيفي لإسرائيل والتجائها إلى طلب حماية الدولة الأمريكية العظمى من الخطر الإسلامي، الذي بات يهدد دولة إسرائيل والوجود الحضاري للغرب، على حد زعم إسحاق رابين (لوس أنجلوس تايمز 20 يناير 93).

إن عودة هذا التحالف الإستراتيجي الأمريكي – الإسرائيلي إلى سابق عهده وتكريس النظرة الإستراتيجية المشتركة بين البلدين، أي إن الولايات المتحدة ليست وسيطًا، وإنما هي طرف أساسي في الصراع، وهذا معناه أن التعامل مع ظاهرة الحركات الإسلامية كمصدر تهدید سیاسي وإستراتيجي سوف تنطوي عليه احتمالات ضربات تحت الحزام للحالة الإسلامية بغية كسر شوكتها وإبقاء المنطقة في ظل التبعية الاستعمارية للفساد والعلو الإسرائيلي.

الهمجية الإسرائيلية في وسائل الإعلام الأمريكية

تجاهلت وسائل الإعلام الأمريكية بصورة عامة تغطية الحدث الدامي والمأساوي بالشكل والإثارة التي تتكافأ مع حجم وفظاعة التخريب والدمار ووحشية القصف العشوائي لعشرات المدن والقرى في الجنوب اللبناني، والذي أودى بحياة أكثر من 100 شخص ومئات الجرحى إضافة إلى تهجير قرابة نصف مليون لبناني في أبشع عملية إخراج قسري «Exodus» عن قراهم وديارهم.

إن حدثًا بهذه البشاعة والفظاعة ما كان ليمضي قبل أن تتحرك تجاهه مشاعر الرأي العام بالإدانة والتنديد، ولكن الذي حدث أن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة تجاهلت تقريبًا تغطية الحدث، وتوصيف فظائع القصف والتهجير وحالة الذعر الرهيب التي أصابت السكان الآمنين في قرى ومدن الجنوب اللبناني، وركزت على إدانة حزب الله وإيران التي تدعمه، وتركت انطباعًا بأحقية إسرائيل في الرد على هجمات الكاتيوشا وتدمير معاقل حزب الله.

وأعطت التصريحات الإسرائيلية مساحات واسعة في تغطياتها، بل نقل العديد من مراسلي الصحف والتلفزيون مقابلات صحفية مع مواطنين إسرائيليين من القرى الشمالية التي تعرضت لقذائف الكاتيوشا ضمن سياسة التبرير للتدمير والتغلغل الإسرائيلي في جنوب لبنان. لقد تجاهلت الصحافة عن عمد الإشارة إلى أن المواجهات مع حزب الله ومقتل الجنود الإسرائيليين السبعة التي سبقت عملية الغزو قد تمت في المنطقة الأمنية المحتلة من قبل إسرائيل، وعلى أيدي رجال المقاومة اللبنانية، وذلك بهدف نزع الغطاء الأخلاقي عن وجه المقاومة وتصويرها كأنها طابور خامس عميل لجهات خارجية، ولذلك يستحق ما أصابه من دمار، ولا يستوجب العطف والرحمة. إن وسائل الإعلام -في أغلبها وخاصة صحيفتي الواشنطن بوست والنيويورك تايمز- قد قامتا بتصوير الأحداث وكأنها حرب بين إسرائيل وإيران متمثلة في حزب الله وإن كانت رحاها تدور على الساحة اللبنانية، وأنها تأتي في إطار السياسة الأمريكية الهادفة إلى ضرب واحتواء النفوذ الإيراني العامل بنشاط على تغريب عملية التسوية السياسية بين إسرائيل وجيرانها العرب، هذه السياسة التي تنظر إلى معارضي التسوية كأنهم خارجون على القانون الأمريكي وأبجديات النظام الدولي الجديد الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

الموقف العربي والإسلامي على الساحة الأمريكية

سادت الأوساط العربية والإسلامية حالة من التساؤل والإحباط لتخاذل الإدارة الأمريكية وتباطؤها في إعلان شجبها للعدوان الإسرائيلي واكتفائها بتحميل اللوم على حزب الله وإيران. وقد قام وفد من المؤسسات العربية – الأمريكية بمقابلة مارتن إنديك وأبدوا له استياءهم للموقف الأمريكي، إلا أن الوفد خرج بانطباع تجاه موقف إدارة كلينتون ومحاولتها إجازة وتبرير العمليات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وقد أصدرت العديد من الهيئات والمنظمات الإسلامية والعربية بيانات تندد بالعدوان وتطالب الإدارة الأمريكية بردع الغطرسة العسكرية الإسرائيلية. وفي بيان وجهته اللجنة العربية لمناهضة التمييز (ADC) إلى الرئيس كلينتون، طالب فيه ألبرت مخيبر رئيس اللجنة أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لكي توقف عملياتها العسكرية، والتي تسببت في قتل المئات وتهجير الآلاف من الجنوب اللبناني. ودعا إلى وقف المساعدات الأمريكية عن إسرائيل التي تنتهك حقوق الإنسان.

أما الاتحاد الإسلامي لفلسطين ورابطة الشباب المسلم العربي فقد أصدرا بيانًا نددا فيه بالعدوان الذي يمثل أسلوبًا آخر لتركيع الشعبين الفلسطيني واللبناني للانصياع للإرادة الصهيونية.. وقد شهدت العاصمة واشنطن تظاهرات احتجاج أمام السفارة الإسرائيلية حيث ندد المتظاهرون بسياسات القمع والأساليب البربرية للقوات الإسرائيلية، وتسود الأوساط العربية والإسلامية حالة امتعاض للموقف الأمريكي المتواطئ بشكل عام مع إسرائيل.

وفي سؤالنا للدكتور ياسر بشناق، رئيس لجنة التضامن العالمي لحقوق الإنسان، حول رأيه في الموقف الأمريكي تجاه الأحداث، أجاب بقوله: إنه من المستهجن أن تطالب الحكومة الأمريكية سوريا بالارتقاء في موقفها من الهجوم الإسرائيلي على لبنان من مستوى ضبط النفس الذي مارسته، إلى مستوى التعامل مع الأحداث بأكثر إيجابية، من خلال العمل على وقف هجمات حزب الله ودعم الحكومة اللبنانية في نزع أسلحته، علمًا بأن سوريا فقدت ستة من جنودها جراء الغارات الإسرائيلية..

وفي المقابل فإن أمريكا -ومن خلال موقفها المعلن- قد بررت الهجوم الإسرائيلي الوحشي، واعتبرته ردًا وليس اعتداء على لبنان وسيادته! لمقتل سبعة جنود إسرائيليين في منطقة الشريط الحدودي المحتل في إحدى عمليات المقاومة اللبنانية ضدهم في الشهر الماضي.

عدوان عابر أم مخطط مدروس

قال ديبلوماسيون عرب وأجانب في خبر نشرته وكالة -قدس برس- إن الحملة العسكرية التي تشنها إسرائيل على لبنان ربما تكون جزءًا من الجهد الغربي المكثف لمواجهة الحركات الإسلامية الفاعلة في المنطقة، التي ترفض بشكل سافر الدولة العبرية، وتعارض أي اتفاقات سلام يمكن أن يعقدها العرب معها. ويتم النظر إلى الحملة الإسرائيلية على لبنان بأنها ربما تكون بداية تسخين واسع النطاق لضرب الحركات الإسلامية القوية في الوطن العربي التي احتفظت حتى الآن بحالة من الهدنة مع الأنظمة القائمة، وإن هناك توجهات في الغرب لخلق حالة كراهية وعداء للإسلام «Anti Islamism» وتصويرهم كأنهم دعاة عنف وإرهاب وتطرف. حتى هذه اللحظة ومن خلال ردود الفعل الدولية وحتى العربية، يمكننا القول بأن إسرائيل قد نجحت في أن تستوظف الضمير والموقف الغربي لصالحها، وأن تخرج من حملتها العسكرية البربرية دونما إدانة أو اتهام، وأن تنال رضا الولايات المتحدة وتحظى بتسامح الرأي العام العالمي مقابل فعلها الإجرامي في الجنوب اللبناني.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :