; خلط الأوراق وغياب الحقيقة! مثقف السلطة معارضًا (4 من 6) | مجلة المجتمع

العنوان خلط الأوراق وغياب الحقيقة! مثقف السلطة معارضًا (4 من 6)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006

مشاهدات 57

نشر في العدد 1695

نشر في الصفحة 52

السبت 01-أبريل-2006

وبمناسبة التعليم، فإن حديث «جابر عصفور» عن الجامعة، وحق الاختلاف في الرأي والاجتهاد، ونعيه على الجامعة المعاصرة غياب ممارسة حق الاختلاف، ورد ذلك إلى غياب الممارسة الديمقراطية خارج جدرانها، يبدو حديثًا غير مكتمل، لأنه يعلم أن الجامعة فقدت استقلالها، مذ صار أمرها بيد غيرها، وتحول أساتذتها إلى مجرد موظفين يؤمرون فيطيعون.

 كانت الجامعة في ظل الاحتلال فاعلة ومؤثرة، وكان الأستاذ حرًا ومستقلًا، ويتقاضى ما يجعله في غنى عن بيع كتاب أو مذكرة، أو سفر إلى بلد عربي أو أجنبي، أو الجري وراء السلطة لتمنحه نظير تصفيقه وتبريره ومدائحه غير العصماء منصبًا إداريًا يحقق له شيئاً من المنفعة المادية.. ثم من الذي يعين العميد والرئيس والنائب؟ وهل كان رجال القروض أو أعضاء مجلس الشعب أو رؤساء الوحدات المحلية يمكنهم أن يخترقوا الحرم الجامعي، وتقام لهم الحفلات والأفراح إلا في عصرنا؟

 لماذا يتوقف «جابر عصفور» عند حق الاختلاف وحده في شجون الجامعة؟ لماذا لا يكون معارضًا حقيقيًا ويتجاوز حق الاختلاف (في الواقع حق الطعن في العقيدة) إلى الأسباب الحقيقية التي حولت الجامعة إلى مجرد مدرسة ابتدائية تخرج الألوف سنويًا من العاطلين؟ وبمناسبة حق الاختلاف، تمنيت لو أن «جابر عصفور» ضم إلى جملة من يدافع عنهم من أساتذة الجامعة والكتاب والشعراء، عددًا من أساتذة جامعة الأزهر، قهرهم شيخ الأزهر، وشردهم، مما أدى ببعضهم إلى الموت قهرًا في غرفة الإنعاش (فضيلة الدكتور محمود حماية رحمه الله) بسبب مخالفته لآرائه وفتاواه الموالية للحكومة، واستقباله للقتلة النازيين اليهود الغزاة في رحاب الأزهر الطاهرة؟ هل سمع عن الأساتذة الفضلاء: الخولي، البري، حلبوش، إمام حماية؟

لا شك أن معارضة «جابر عصفور» معارضة انتقائية قاصرة، لا تصنع طريقاً إلى المستقبل، ولا تراهن عليه، لأنها نذرت نفسها. مع كل الإشارات والتلميحات التي تدين الاستبداد لخدمة هذا الاستبداد وتسويغ عنفه ضد الشعب ومنه الحركة الإسلامية التي لا يمكن أن تكون إرهابية، فالقرآن يمنعها، وأخلاق محمد ﷺ ترفضها، وهي بمنطق «جابر عصفور» يجب أن تحظى بحق الاختلاف، وحق الخطأ، ولكن فيما يبدو فالرجل يقصر هذين الحقين على فريقه والتيار الذي يشايعه، وتلك آفة أخرى من أفات مثقفي السلطة العديدة، الذين يرفضون الآخر، ويتهمون الآخر برفضهم؟

 إن «جابر عصفور» يتهم ثقافتنا برفض الآخر، وهو يقصد بالطبع الثقافة الإسلامية التي صبت عليها العديد من الأوصاف الجائرة، مع أنه أول من يعلم أنها بريئة منها.

 يقول: « تنطوي ثقافتنا على نزعة عدائية تجاه الآخر، وتتجلى هذه النزعة في مظاهر عديدة لافتة، مقترنة بأنماط سلوكية ومعرفية دالة، ورفض المختلف والاسترابة في المغاير والعداء للاختلاف بوجه عام ظواهر متكررة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاعتقادية، وذلك على النحو الذي يجعل منها لوازم متأصلة في الثقافة السائدة التي تقترن فيها علاقات التبعية بعلاقات الاتباع في كل مستوى من المستويات التي نعانيها. ولذلك لا يقع «الآخر» الاجتماعي إلا في الدوائر الهامشية حيث المعازل المفروضة للمنبوذين اجتماعياً من الذين يتحولون إلى ضحايا لأفعال الإقصاء التي تقوم بها المجموعة الاجتماعية المهيمنة، والأمر نفسه متكرر مع الآخر السياسي أو الفكري الذي يظل في موقع الريبة وتناوشه نوازع العداء، والذي سرعان ما يخضع نتيجة اختلافه. لعمليات مزدوجة، أقصد العمليات التي تنطوي. في جانبها الأول. على آليات الترويض والتدجين والتطويع ومن ثم تحويل الاختلاف إلى اتفاق، ورد المختلف إلى حظيرة المتشابه، وذلك بواسطة الترغيب أو الترهيب. وغير بعيد عن ذلك العمليات التي تنطوي على ما يكمل الجانب الأول من ممارسات العنف التي تبدأ بالتهميش المقصود، المرادف لمعنى الإزاحة والإبعاد أو الإقصاء، ومن ثم النفي إلى مناطق الصمت الحقيقي أو المجازي، وتنتهي بآليات الاستئصال المادي الذي هو الوجه الملازم لآليات الاستئصال المعنوي في الممارسات المتكررة لقمع المختلف.

 وكلا النوعين من الاستئصال متكرر بدرجات متباينة في كل ثقافة يتلازم فيها الاتباع الفكري والتبعية السياسية، ويتبادل فيها الاستبداد السياسي والجمود الفكري والتعصب الاعتقادي، الوضع والمكانة، وذلك إلى الدرجة التي تستبدل الفساد بالشفافية، والتراتب بالمساواة والظلم بالعدل ورفض المغايرة بتقبل التباين، والصوت الواحد المهيمن بالأصوات المتكافئة، والإظلام بالاستنارة، والتخلف بالتقدم، والاجتهاد بالتقليد، والنقل بالعقل، والإذعان بالتمرد، ومبدأ الواقع بمبدأ الرغبة.

 وأخيرًا، القياس المغلق على مبدأ وحيد لماض تأويلي متخيل بالقياس المفتوح على إمكانات الحاضر المتطلع إلى المستقبل. ولا تنفصل تبريرات هذه اللوازم الاستبدالية عن آليات إشاعة مبادئ الإجماع والتقليد، وذلك بواسطة أجهزة أيديولوجية يهدف عملها التخييلي إلى تثبيت ما هو قائم، والتخويف من كل ما هو مقرون بالتغير الذي لا يخلو من البدعة المفضية إلى الضلالة، وهي معان موصولة بتجليات الآخر الملازمة للتباين الذي سرعان ما يغدو إثمًا لا يغتفر. خصوصًا في المدى الذي تخضع فيه الثقافة لتياراتها الأصولية التي تنغلق بها على نفسها، وتنفيها عن إمكانات تنوعها».. تكاد هذه الفقرات على ما فيها من غموض ودوران حول المعنى المباشر. والوصول إليه عن طريق رأس الرجاء الصالح، أن تلخص فحوى كتاب «الرهان على المستقبل» وهو اتهام الثقافة الإسلامية بالعدوانية تجاه غيرها واقترانها الاستراتيجي بالاستبداد، ورفضها الاختلاف، وقبولها للفساد والظلم والإظلام والتخلف والتقليد والنقل والإذعان وتثبيت ما هو قائم والانغلاق، فضلًا عن رفض الآخر في المحصلة الأولى والأخيرة.

 كان «محمد حسنين هيكل» يتكلم على شاشة قناة الجزيرة، وتساءل في تعجب:

 الآخر؟ ماذا يعني الآخرة؟ إن المصطلح بدا له شيئاً غريباً غير مفهوم ، فلم يخف تعجبه منه، ومن إطلاقه بصورة هلامية غير مفهومة، وإني أتساءل مع هيكل: من هو الآخرة؟ إنه مصطلح غامض، متعدد الدلالات، مراوغ، مثل بقية المصطلحات التي يستخدمها «جابر عصفور» دون أن يحدد لها معنى واضحاً ودقيقًا من قبيل: التطرف الديني، الثقافة الماضوية، الأبنية البطريركية الثابتة، التيارات الطليعية، الثقافة الاتباعية التقليدية، الاتجاهات الثقافية الواعدة، المساءلة العقلانية الحرة، الإظلام، الاستنارة، خفافيش التعصب، أعشاش الظلام، مثقفو الاستنارة، الدولة المدنية، الإرهاب الديني... إلخ، وهي في مجملها مصطلحات دعائية أقرب إلى «البروبا جندا» الإعلامية التي يجب أن يتنزه عنها كاتب يتعاطى النقد الأدبي، ويعلم أن أولية النقد الأدبي تحديد المصطلح واستخدامه بطريقة علمية لا تحدث لبسًا، وتتجنب سيولة المعنى أو زئبقيته... خذ مثلاً مصطلح «الدولة المدنية» ماذا يقصد به؟ هل يقصد به الدولة النقيض للدولة «البوليسية» أم النقيض للدولة «الدينية».. أم المغاير للدولة «الشمولية» بالتأكيد هو يقصد الدولة «الدينية»، وتحديدًا الدولة «الإسلامية» والإسلام ليس به دولة «دينية» تشبه الدولة الدينية في عصور أوروبا الوسطى المظلمة، وأيضًا ليس به دولة بوليسية أو شمولية، لأنه ببساطة أول من أنشأ دولة مدنية تقوم على الحرية والشورى والتفاعل مع غير المسلمين «الآخر» ، تفاعلًا إيجابياً بناء مع احترام كرامة الإنسان، أياً كان جنسه أو عنصره أو معتقده أو موطنه أو لونه.

 ومن المؤكد أن التهم التي نسبها صاحب «الرهان على المستقبل» إلى ثقافتنا السائدة تهم باطلة، لأن الإسلام بريء منها، وهو أول من يعلم ذلك. ولو أنه تجرأ واتهم السلطة بهذه التهم لحقق إنجازًا عظيمًا يحسب له. ويجعله معارضاً بحق، ولكنه لا يستطيع أن ينسى أنه مثقف سلطة يسعى إلى تسويغ ممارساتها بطريقة وأخرى حتى لو ارتدى ثياب المعارضين!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

114

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

92

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

127

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره