الثلاثاء 29-أكتوبر-1974
يكتبها هذا الأسبوع: أبو أسامة
كان شيخًا وقورًا كريم النفس مرهف الحس رافع الرأس يعلو هامته تاج العلم «وتيجان العرب العمائم» وتسخو نفسه بكثير من الفضل والفضل في المال «الزيادة» والفضل في الأخلاق «السماحة».
والتكافل في الأموال كالتكافل في الأخلاق فـ «إن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بسعة الصدر».
لقد استهل العقد الخامس في هذا القرن بأحداث جسام وخطوب فذة. لقد بدأها بأحداث القناة حين أعلن رئيس الحكومة آنذاك إلغاء معاهدة ٣٦ بهذه العبارة التاريخية: «من أجل مصر وقعت معاهدة ٣٦ ومن أجل مصر ألغيت معاهدة ٣٦».
كانت هذه العبارة أشبه ما تكون ببدأ الشرراة وإشعال الفتيل لتفجير الأحداث، لقد احتلت على إثر ذلك المحافظة «محافظة القناة» وأعدم الكثير من بلوكات النظام ونكل بكثير من سكان القرى المجاورة وعزلت القناة عن القاهرة ولم يستطع أحد من القاهرة «حكامًا أو محكومين» الذهاب إلى هناك إلا من باع نفسه ابتغاء مرضاة الله «وقليل ما هم».
في هذا الجو المكفهر وتلك الأحداث الضاربة كان هذا الشيخ يعيش في القناة ويعايش أحداث القناة مع مجموعة ممن ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: 54).
في هذه الأثناء الحرجة وتلك الآونة الدقيقة وجد هذا الشيخ «فجأة» أمام قائد الاحتلال «الإنجليزي» «أرسكين» وفي نفس المحافظة مكان الاحتلال «وجهًا لوجه» وكأنه يعلن تحديًا ويقرر استخفافا بكل ما حدث بالأمس من بطش وإرهاب.
«أنا فلان قائد الجماعة جئت لأبلغك بضرورة الجلاء عن المدينة حتى يمكن للنظام أن يعود وللأمن أن يسود وفي ميعاد أقصاه المساء».
قيلت هذه الكلمات بلا مقدمات ثم انصرف بلا تحيات ولا «بروتوكولات» الأمر الذي أوقع الرعب في قلب ذاك العدو من هول المفاجأة وجسارة الجرأة وذاك الاقتحام الذي لم يألفه من قبل سواء كان من قبل الحكام أو المحكومين.
هذا الموقف القوي الجريء قد حدث لأن هناك بعض الصدق وشيئًا من الإخلاص وعزمًا على الاقتداء وهنا كان النصر لأن شرطه تحقق، وهنا جاء الحفظ لأن شرطه تحقق، وهنا وقع التصرف في الشـدة لأن شرطة تحقق هذا هو الحق والحق أحق أن يتبع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (يونس: 32).
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل