; خواطر (العدد 224) | مجلة المجتمع

العنوان خواطر (العدد 224)

الكاتب أبو أسامة

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

مشاهدات 102

نشر في العدد 224

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

يكتبها هذا الأسبوع: أبو أسامة كان ضابطًا بحريًا أنعم عيشـًــا، وأنضر وجهًا، وأقوى فتية يفيض حياء، وينساب تقى، يخشى النظرة، ويتحاشى الهفوة كأنه مع نفســه نيابة عن «رقيب وعتيد» كانت الحياة داخل السجون لا تسير على وتيرة واحدة، ولم يكن لها خط واضح، ولعل الأمر كما يقولون: دوام الحال من المحال. • كانت الحياة وراء الأسوار تتأثر بعاملين أساسيين، وكان لكل عامل من هذين العاملين نتائجـــه، وبصماته على حياة النزلاء على اختلاف الجرائم والأسباب. ا - فالاسترخاء السياسي، أو الاطمئنان الحكومي يجعــل إدارة السجن «في حالة اعتدال نسبي طبعًا، أو في حالة ارتياح تأمن خلالها عدم الملاحقة، أو المتابعة» الأمـر الذي يجعل السجناء في حالة مــن العافية من حيث المأكل، والمشرب، أو من حيث الزيارات، والخطابات، أو من حيث الكساء والارتداء. ٢ - أما الشـــعور بالمناورة «داخليًا، أو خارجيًا»، فهو أمــر يكرب الدولة فضلًا عن الســــجن، ويجعل النظام الإداري عامة في حالة ذعر تهيم كل إدارة على وجهها إلى غير وجهة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (المدثر: 50-51)، ترجو كل إدارة أن تكون «هي» دون غيرها المقربة. وهذا يوم يكون على السياسيين غير يسير لا على غيرهم من المذنبين المجرمين ذوي القتل، والسفك، والسطو، وهتك العرض لأن المسلمين في نظر الإداريين ﴿لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (الشعراء: 54) هنالك تغلق «الزنازين» حجرات السجن الضيقة، ويحجر الخروج، ويتم حظر التجول في فناء السجن، وتمنـع الرياضة، ويحرم على الأخوة العمل في مرافق السجن كالمطبخ، والمخزن، والكانتين «بقالة السجن»، والاتصال بالإدارة من أجل إنجاز بعض الأعمال، ثم تمنع الزيارات «وهو اللقاء بين المسجون وأهلـــه»، ثم تدشــــت الخطابات الواردة «بمعنى تحـرق، أو تمزق»، ثم تمنع أدوات الكتابة من وصولها إلى السجين حتـــى لا يتمكن من كتابة خطاب لأهله، أو شكوى لجهة الاختصاص «من قبيل الأعذار إلى الله لا من قبيل الاطمئنان بالنصــفة». كنا نسمي هذه الفترات بالآتي: الأولى: فترات العافية لما ينال الإنسان فيها، أو خلالهـــا لا بعض الحقوق فحسب، بـل كثـيرًا من الممنوعات كالشاي، والنقود، وعـدم الرقابة التامة على الدخول، والخروج، والتريض، والرياضة وما شابه ذلك من دواعي الارتياح. الثانية: الفترات العجاف التي لا ينال الإنسان فيها، أو خلالها حقًا، ولا فضلًا «لا ينال صرفًا ولا عدلًا» ذلك لأن الإدارة تكون أثناءها أشبه ما تكون بالجمل الهائج، أو الفرس الجامـــح سلوكًا، وأسلوبًا، وفكرًا، وحركة؛ فهي تعمل حسبما اتفق لا وجهة لها، ولا اتجاه. • في هذه الفترات العجــــاف رأيته «أكرمه الله» يرتدي ســترة من النسيج الخشن على اللحم دون ملابس داخلية، وهذه عادة الإدارة عندما تأتي هذه الفتــرات وتهب الرياح الهوج ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ﴾ (التوبة: 10)، رأيته هكذا وهو يحمل جوالًا من الخضروات «وقد تنصــــد جبينه عرقًا»، وسمعت منه بعض الأنات «وكأنه ينوء بحمله»، وكان من خلفه أخوة له يعاونونه على أمره لأنهم يتناوبون معه هذه الأعمال التي كانوا في حل منها لولا هذه الفترات التي يقلب فيها رأس المجن، وتداس كرامات الرجال، فيكلف الأخـــوة بالقيام بمثل هذه الأعمال الشاقة التي كانت تؤدي في فترات العافية بواسطة السجناء والنزلاء. وفجأة وجدتني أبكي، ورأيتني انتحب، وسمعت لساني يقول: «مصعب.. مصعب.. وهكذا أردد فما أفقت من حالتي تلك حتى لكزني بعض الأخوة وهو يقول لي: «ما هذا؟ ما هذا؟ أين أنت؟ أین أنت؟ أجننت أنت؟؟؟» وبعد برهة من الوقت قلت لصاحبي: لقد رأى رسول الله صلى الله عليــــــه وسلم مصعبًا رضي الله عنه فـــي المسجد ورائحة الضأن تفوح من جسده من جراء ارتدائه جلد شاة فبكى رسول الله صلى الله عليـــه وسلم وقال كلامًا معناه: «اللهـم إني راضٍ عن مصعب فأرض عنه». نعم هكذا يكون الرجال ثباتًا، وعزمًا، وصبرًا، وبقاء على عهدهم، ووفـــاء لوعدهم حتى يستحقوا أن يقال فيهم ما قيل في مصعب، و أمثاله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في 101

115

الثلاثاء 23-مايو-1972

خواطر حول خطاب سمو ولي العهد

نشر في العدد 217

82

الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

خواطر

نشر في العدد 223

80

الثلاثاء 29-أكتوبر-1974

خواطر (العدد 223)