العنوان خواطر حول قضية تنظيم «ثورة مصر»
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1988
مشاهدات 71
نشر في العدد 859
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 22-مارس-1988
القاهرة - من
مراسل المجتمع:
أعلن المستشار
محمد عبد العزيز الجندي، النائب العام، قرار اتهام في قضية تنظيم «ثورة مصر» خلال
مؤتمر صحفي عقده في الأسبوع الماضي. اتهم النائب العام أعضاء التنظيم بالقيام بـ4
عمليات مسلحة ضد الوجود الصهيوني والأمريكي في مصر. شمل التنظيم 20 عضوًا، من
بينهم خالد عبد الناصر وجمال شوقي عبد الناصر وشريف حسين الشافعي.
طالب النائب
العام بإعدام المتهمين من الأول حتى الحادي عشر، وبالأشغال الشاقة المؤبدة
والمؤقتة لباقي المتهمين التسعة.
ويأتي على رأس
المتهمين في القضية ضابط أمن كان يعمل بسفارة مصر في لندن مسؤولًا عن النشاط
الصهيوني في بريطانيا، ثم استقال عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وأصدر صحيفة «23
يوليو» لمدة عام، ثم توقفت بعدها وعاد هو إلى القاهرة، ليستقر فيها، واتصل
بالدكتور مهندس خالد جمال عبد الناصر، المتهم الثاني، واتفق معه -كما أعلن النائب
العام- على تشكيل منظمة مسلحة تناهض الوجود الصهيوني والأمريكي في مصر، وتولى خالد
عبد الناصر التمويل، حيث أمد أعضاء التنظيم بأموال طائلة، عجز المتهم الأول عن
إثبات مصدرها الطبيعي.
حوادث أربعة:
والتهم الموجهة
لأعضاء التنظيم أنهم قتلوا 2 وشرعوا في قتل 5 من الإسرائيليين والأمريكان وذلك في
عمليات مسلحة بدأت بمنطقة المعادي بتاريخ 1984/6/4 حيث شرعوا في قتل الدبلوماسي
الإسرائيلي زيفي كيدار عمدًا مع سبق الإصرار والترصد. وبتاريخ 1985/8/20 بدائرة
قسم المعادي أيضًا، «وهي ضاحية يكثر فيها إقامة اليهود والأمريكان الأجانب» قتلوا
الدبلوماسي الإسرائيلي ألبرت أرتاكشي عمدًا مع سبق الإصرار والترصد. وفي 1986/3/19
بدائرة قسم مدينة نصر قتلوا إيتي طال أور عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، وهي حادثة
معرض القاهرة الدولي الصناعي والزراعي.
وبتاريخ
1987/5/26 بدائرة قسم مصر القديمة شرعوا في قتل الدبلوماسي الأمريكي دينيل وليامز
عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، وشرعوا في قتل كل من جون هوك وجون فورد عمدًا.
كما اتهمتهم
النيابة بحيازة 6 قنابل يدوية دفاعية هجومية بمفجراتها ومدفعين رشاشين و4 كواتم
صوت و16 مسدسًا و6 بنادق آلية لاستعمالها في نشاط مخل بالأمن العام والنظام العام
والقيام بأعمال عدائية ضد دولتين أجنبيتين «إسرائيل وأمريكا!» من شأنها تعريض
الدولة المصرية لقطع العلاقات السياسية معهما. وكذلك ارتكبوا تزويرًا في محررات
رسمية وعرفية. وكان المتهم الثالث في القضية قد تقدم إلى السفارة الأمريكية
بالقاهرة حيث أمد أجهزة الأمن بها بمعلومات تفصيلية عن المنظمة ونشاطها وعملياتها،
وتردد أن السفارة الأمريكية بالقاهرة هي التي حققت في القضية حتى استوفتها بحثًا
وسلمتها لأجهزة الأمن المصرية! كان المتهم الثالث وهو شقيق المتهم الأول قد قرر
الانتقام من أخيه، بعد أن حدث خلاف بينهما، أطلق الأخير على إثره النار على شقيقه،
فأصابه في ساقه، فقرر المتهم الثالث الانتقام بالإبلاغ عن التنظيم ككل. ولولا ذلك
لما توصلت أجهزة الأمن إلى أعضاء المنظمة لشدة ذكاء ودهاء وخبرة المتهم الأول، أو
على الأقل لتأخر كشف التنظيم.
اعترافات كاملة:
اعترف المتهمون
تفصيلًا بمسؤوليتهم عن الحوادث الأربعة، وأكدوا في التحقيقات أنه لم تقع عليهم أية
ضغوط، ولم يتعرضوا لتعذيب للإدلاء بأقوالهم أو الاعتراف بالوقائع المنسوبة إليهم.
وكشفوا في الاعترافات عن دور المهندس خالد جمال عبد الناصر ابن رئيس الجمهورية
الأسبق -والذي يقيم حاليًا في يوغوسلافيا بعد خروجه من مصر عقب كشف التنظيم- وإنه
لم يقف عند حد التمويل وتقديم المبالغ اللازمة للمتهمين وللعمليات التي يقومون
بها، ولكنه تعدى ذلك إلى إمدادهم بالسلاح، والذي كان يدخله إلى مصر -كما أعلن
النائب العام- عن طريق حقيبته الدبلوماسية وهي أسلحة روسية الصنع! وامتد دور خالد
عبد الناصر إلى المتابعة للحوادث التي وقعت، حيث كان يزور قائد التنظيم ويهنئه عقب
كل عملية من العمليات المنفذة.
كشف المتهمون عن
تخطيط المتهم الأول للسيطرة على أعضاء المنظمة عن طريق المخدرات. وقد أعلن النائب
العام عن تعاطي المتهمين للحشيش والأفيون والكوكايين والهيروين، وقد وصل الأمر
ببعض المتهمين إلى إدمان تعاطيها. وكشف المتهمون كذلك عن أن كل عضو من أعضاء
المنظمة كان يتقاضى راتبًا شهريًا من المتهم الأول، وكان كل منهم يحصل على مكافأة
كبيرة عقب كل عملية من العمليات المسلحة. وتحدث المتهمون كذلك عن السهرات الحمراء
التي كان يقضيها أفراد التنظيم قبل العمليات وبعدها! وقد أحال النائب العام القضية
إلى محكمة أمن الدولة العليا «طوارئ» وطالب بالقبض على المتهمين الهاربين وهم خالد
جمال عبد الناصر وجمال شوقي عبد الناصر حيث كانا قد غادرا القاهرة إلى لندن ثم إلى
يوغوسلافيا عقب كشف التنظيم، وبالرغم من إدراج اسم خالد عبد الناصر على قوائم
الممنوعين من السفر إلى خارج البلاد كما كشفت ذلك الصحف في حينه! وهناك عدد من
الملاحظات والخواطر حول قضية تنظيم ثورة مصر نوجزها فيما يلي:
1. اتهام خالد جمال عبد الناصر، وابن عمه جمال
شوقي عبد الناصر، وشريف حسين الشافعي ابن نائب رئيس الجمهورية الأسبق، بالتهم
الموجهة للتنظيم وهي محاولة زعزعة الاستقرار في البلاد وتعريض أمن الدولة للخطر،
والعمل على قلب نظام الحكم، وتعريض حياة المواطنين للخطر.
أليست كل هذه
التهم وغيرها كانت موجهة دائمًا لكل من يواجه «الزعيم الراحل» ويتعرض بذلك لأقسى
أنواع الظلم والاضطهاد والتعذيب في السجون والمعتقلات ثم الأحكام الصارخة بالإعدام
والأشغال الشاقة المؤبدة على المتهمين بالوقوف ضد «الزعيم الراحل» ومثال ذلك أفراد
جماعة الإخوان المسلمين الذين ذاقوا في عهد جمال عبد الناصر كل أنواع الظلم
والاضطهاد «وتلك الأيام نداولها بين الناس»!
لماذا خرج خالد
عبد الناصر من مصر؟!
2. هناك علامة استفهام كبيرة تطرحها وتؤيدها
الشائعات والتساؤلات: لماذا سُمح بخروج خالد عبد الناصر من مصر، وتصفية ممتلكاته
فيها عقب كشف التنظيم؟
وخصوصًا أن
الصحف ذكرت أيامها أن هناك قرارًا بمنع خالد عبد الناصر من السفر للخارج، ولعلمه
أنه متورط، فقد استقر في يوغوسلافيا حيث يكشف لنا الأمن المصري عدم وجود اتفاقية
لتبادل المجرمين بين مصر ويوغوسلافيا بما يعني أن خالد عبد الناصر يمكن أن يكون في
أمان من الأحكام الصادرة ضده.
وكانت الشائعات
قد رددت -عندما تم كشف التنظيم- أن حرم الرئيس الأسبق عبد الناصر قد التقت بالرئيس
مبارك، وطلبت منه الإذن لابنها بالسفر للخارج وعدم العودة مرة أخرى إلى مصر!
3. القضية بالتأكيد لها شق وطني، خصوصًا إذا ثبت
من المحاكمة عدم تقاضي المتهمين لأية أموال سواء من الداخل أو من الخارج، وإذا ثبت
كذلك بعدهم عن المحرمات مثل المخدرات والسهرات الحمراء.
أما إذا ثبت عكس
ذلك، فإن الشق الوطني في القضية يتعرض للنسف والهدر. وليس مقبولًا أن يوصف التنظيم
بأنه «ناصري» لأن قائده على صلة بخالد عبد الناصر أو بفكر عبد الناصر، لأنه ثبت من
أقوال المتهمين أمام النيابة، عدم وجود أي منهم في أي هيئة من هيئات الناصريين في
مصر أو صحفهم أو حتى يتابعوا مواقفهم السياسية. وبالتالي يبطل الزعم بأنه تنظيم
«ناصري».
فشل أمني واضح:
4. هناك فشل على مستوى أجهزة الأمن المصرية في
الوصول السريع إلى كشف تنظيم ثورة مصر، يضاف إلى الفشل الذي اتصفت به في السنوات
الأخيرة وعلى رأسه الفشل في الوصول لتنظيم «الناجون من النار» الذي لم يقدم
للمحاكمة حتى الآن، ولم نعرف بأمره إلا من خلال بلاغ لأحد أفراد التنظيم السابقين.
تمامًا كما حدث في هذه المرة، بالإضافة إلى فشل أجهزة الأمن في التنبؤ بأحداث قوات
الأمن المركزي التي وقعت في فبراير 1986.
خصوصًا وأن
عمليات تنظيم «ثورة مصر» قد حدثت في عهود 3 وزراء للداخلية، فالحادثة الأولى وقعت
أثناء تولي اللواء حسن أبو باشا، والحادثة الثانية وقعت أثناء تولي اللواء أحمد
رشدي، والثالثة والرابعة أثناء تولي الوزير الحالي اللواء زكي بدر. وهذا الفشل يدل
على أن هناك خللًا واضحًا في المستوى الفني لأجهزة الأمن المصرية. بينما تردد أن
صاحب اكتشاف تنظيم ثورة مصر هو السفارة الأمريكية بالقاهرة.
5. هناك تساؤلات كثيرة حول الدور الصهيوني
والأمريكي وراء هذه القضية وسرعة عرضها وتقديمها إلى المحاكمة، وتتردد شائعات حول
تعرض المسؤولين في الدولة لضغوط خارجية لسرعة الفصل في القضية.
وقالت أنباء
صحفية إن الرئيس مبارك نصح أسرة جمال عبد الناصر بضرورة حضور خالد عبد الناصر
وتسليم نفسه للنيابة لاستكمال التحقيق وليتمكن من الدفاع عن نفسه. وقد نشرت صحيفة
«صوت العرب» في القاهرة وهي صحيفة يصدرها الناصريون أن خالد عبد الناصر قرر العودة
لتسليم نفسه. فهل يحدث؟
6. هناك أيضًا تساؤل نوجهه إلى السيد المستشار
محمد عبد العزيز الجندي: لماذا لم يتم تقديم قضية التنظيم الإسلامي «الناجون من
النار» إلى المحاكمة حتى الآن، بالرغم من انتهاء التحقيقات فيه، وهل ما زال
المتهمون فيه يتعرضون لضغوط مباحث أمن الدولة أم لا؟ ثم ما هو مصير المقبوض عليهم
على ذمة قضية تنظيم ثورة مصر من الإسلاميين، فنحن نعرف أن كل قضية سياسية يكون
دائمًا على رأس المتهمين فيها أعضاء الحركة الإسلامية، سواء بالحق أو بالباطل. ثم
أن المتهمين في قضية تنظيم ثورة مصر، أكدوا أنهم لم يتعرضوا لأية ضغوط، فهل نطمع
أن يعامل الإسلاميون بالمثل؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل