; خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى | مجلة المجتمع

العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005

مشاهدات 82

نشر في العدد 1674

نشر في الصفحة 36

السبت 22-أكتوبر-2005

  • جهاز المخابرات الصهيوني توغل في كل مناحي الحياة لدرجة أنه جند مُحاضر الجامعة والسياسي المرموق.. وبات يخيل للواحد أنه يتحكم تحكمًا مطلقًا بكل أطياف المجتمع العبري

المخابرات حاولت أن تستدرجنا وتساومنا على أشياء كثيرة، وطلبت منا أن نتقابل مع بعض المسؤولين إلا أننا رفضنا رفضًا باتًا وقد أصبح عندي إيمان كبير بأنه لولا هذا الرفض ما كنا لنعتقل، ومهما حاولوا لم يكن في وسعنا أن نحيد عن الطريق الذي نسلكه حتى لو فعلوا معنا أضعاف ما فعلوه..!

الاستدراج والمساومة ..!!

كان ذلك قبل أن نعتقل بأشهر عندما توجه إلينا محاضر في جامعة (بار - إيلان) اسمه «موطي قيدار»، لعقد لقاء مع أطراف رسمية في مكتب رئيس الحكومة !! فسألناه عن غاية هذا اللقاء وعن أسماء هذه الأطراف التي سنجلس معها إلا أنه لم يعطنا جوابًا، بل عاد ودعانا مرة بعد مرة لعقد هذا اللقاء، ولكننا أصررنا على معرفة هدف هذا اللقاء ومعرفة أسماء الأطراف التي سنجلس معها، إلا أنه تجاهل طلبنا عن عمد !!

عندها اعتذرنا عن هذا اللقاء، ووضحنا له أننا نرفض هذا اللقاء القائم على غموض منذ البداية !! فما كان منه إلا أن قال لنا : «إذن ستواجه الحركة الإسلامية المتاعب !!»، ثم مضت أشهر معدودة على هذا العرض من طرف «موطي قيدار»، وتم اعتقالنا كما يعلم الجميع بتاريخ ۱۳ مايو ۲۰۰۳ م !!

والسؤال الفرضي الذي يطرح نفسه بنفسه هو: لو قمنا بتلبية دعوته فهل كنا سنعتقل ؟! وماذا قصد «قيدار»، بقوله ستواجه الحركة الإسلامية المتاعب ؟! هل كان يعني أننا سنتعرض للاعتقال عما قريب ؟! وإذا كان يقصد ذلك . وهذه قناعتي - فكيف عرف؟! وما الذي يربط محاضر جامعة بجهاز الأمن العام «الشاباك»؟!

مواساة العائلات اليهودية

وقبل اعتقالنا بأشهر معدودات عندما زارني في بيتي الأستاذ «نظير مجلي» والأرشمندريت «إميل شوفائي»، وعرضا علي فكرة تشكيل وفد من مجتمعنا الفلسطيني للسفر إلى (أوشفيتس) ومشاركة العائلات اليهودية أحزانها التي ألمت بها على آثار المذابح التي أوقعها «هتلر» عليهم وعلى غيرهم من شعوب أوروبية أخرى، وبينا لي أنهما قد أعدا بيانًا حول هذه الفكرة وسيقومان بالإعلان عنها . وبطبيعة الحال دار بيننا نقاش بعد ذلك ثم وجهت لهم مجموعة أسئلة كانت تدور في ذهني. وانتهى اللقاء على أثر ذلك النقاش الهادئ وخرجا من بيتي بترحاب كبير كما دخلا بترحاب كبير، لأنه كما يقال «الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية». ولذلك ما زلت أحفظ لهما الاحترام الصافي؛ على الرغم من عدم اتفاقنا والتقائنا على تلك الفكرة.

ثم نقلت بالتفصيل أحداث هذه الجلسة إلى المسؤولين في الحركة الإسلامية فتم الاتفاق على ضرورة إصدار بيان ناقد لا تلعثم فيه لهذه الفكرة، وتم ذلك وصدر البيان وأعلن عنه في وسائل الإعلام ولكن مرة أخرى أقول ظل الاحترام الصافي محفوظًا للأستاذ «نظير مجلي» والأرشمندريت إميل «شوفاني»، ثم سمعنا بعد ذلك عبر وسائل الإعلام أنهما قاما بالسفر إلى (أوشفيتس) مع وفد مرافق يتكون من عشرات الأشخاص من مجتمعنا الفلسطيني في الداخل !! إلى هنا انتهى حديثي عن الأستاذين الضيفين.

ماذا لو ..؟

وأوجه حديثي من الآن فقط إلى بعض الأذرع والأشخاص في المؤسسة الرسمية الصهيونية متسائلاً: «ترى لو وافقت مباركًا فكرة السفر إلى (أوشفيتس) هل كنت أتعرض للاعتقال مع إخواني رهائن الأقصى؟ ترى لو باركت الحركة الإسلامية هذه الفكرة وانتخبت من بينها عددًا شارك ذاك الوفد السفر إلى (أوشفيتس) هل كنت أتعرض للاعتقال مع إخواني رهائن الأقصى؟ أو بمعنى آخر لو أننا قمنا بتلبية هذه الدعوة هل كنا سنعتقل ؟!»

ولو أننا لم نشترط قبل اعتقالنا بأشهر على «عوفاديا يوسف» أننا لن نلتقي معه إلا إذا اعتذر رسميًا عن كل «تفوهاته القبيحة» التي صرح بها ضدنا، هل معنى ذلك أننا لم نكن لنعتقل ؟!

لو أننا قبلنا عرض أحد مساعدي «فؤاد بن اليعازره» - وهو من الوسط العربي، حيث عرض علينا أن نلتقي مع بن اليعازر بعد مجزرة مخيم جنين عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع - هل كنا سنعتقل ؟!

ولو أننا قبلنا عقد لقاء مع «موشيه أرينز» وفق الشروط التي وضعها وهي عدم تسريب هذا اللقاء إلى الإعلام، وتم اللقاء هل كنا سنعتقل ؟!

لو أننا وافقنا على طلب رجل المخابرات الذي كان يحضر كل جلسة من جلسات محاكمتنا حيث طلب منا عبر محامينا «فهيم داود»، أن نكتب عن موضوع الكنيست والسيادة الصهيونية والتعايش وشجب المقاومة الفلسطينية، لو أننا وافقنا على ذلك هل كانوا سيغلقون الملف ويطلقون سراحنا بعد أن كان قد مضى على اعتقالنا أشهر معدودات؟

لو أننا خضعنا لتهديد جهاز المخابرات بعدما أرسلوا إلينا تهديدًا. مفاده أننا إن واصلنا مهاجمة عناصر النيابة والمخابرات خلال جلسات محاكمتنا فسينزلون بنا أحكامًا بالسجن عالية، لو أننا خضعنا لهذا التهديد والتزمنا الصمت المطبق، هل معنى ذلك أنهم كانوا سيبادرون يومها إلى إغلاق الملف وإطلاق سراحنا والاكتفاء بما قضيناه في الاعتقال ؟! إنها أسئلة فرضية ليست من فراغ، وإنما تقوم على ضوء مواصلة المؤسسة الصهيونية الرسمية محاولاتها الفاشلة لاستدراجنا - بواسطة بعض رجالها - إلى بعض المواقف التي كان من المفروض أن تحقق بها مصلحتها !! وقد كان ذلك قبل الاعتقال وخلاله، ولذلك أنا على يقين أننا لو قمنا بما طلبوه منا لما تعرضنا للاعتقال !! ولكن كم كنا سنخسر يومها !! كنا سنخسر مبرر وجودنا وماهية دورنا تجاه أنفسنا وتجاه شعبنا وأمتنا، وتجاه الأرض والمسكن والمقدسات والمسجد الأقصى، وتجاه بقية قضايانا المصيرية !!

لذلك الحمد لله تعالى أن رفضناها غير مأسوف عليها ولسان حالنا وخفق قلبنا يقول: كما قال يوسف عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف : ٣٣) !! ونعم السجن إن كان ثمنًا لرفضنا.

ويبقى واضحاً لكل قارئ لبيب - عندما يتدبر كل هذه العروض التي ذكرتها - كم واصل جهاز المخابرات توغله في كل مناحي الحياة، لدرجة أنه جند محاضر الجامعة والسياسي المرموق أو الذي شغل وزارة وغيرهم، لدرجة أنه بات يخيل للواحد منا أن هذا الجهاز الذي اسمه جهاز المخابرات بات يتحكم تحكماً مطلقاً بكل أطياف المجتمع العبري وتخصصاته، وكأنه يسعى إلى تحويل كل أفراد هذا المجتمع إلى عناصر رسمية تعمل في جهاز المخابرات أو إلى عناصر متطوعة لا تستثني إلا القليل جدًا من أفراد هذا المجتمع العبري !!

لذلك أنا أنصح كل قارئ لبيب بأن يأخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار، فهي ثمرة معاناة عشناها معهم نحن رهائن الأقصى، وفيها الفائدة الوقائية لمن أخذ بها منا خلال سيره في هذا الطريق الشائك والطويل الذي نسير فيه سويًا صابرين ومصابرين ومرابطين في أرضنا وبيوتنا ومقدساتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1317

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق