العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان ومحطات في ملف رهائن الأقصى «14»- كيف وجدت بني معروف «1 من ٤»؟: «الصيد الثمين» في عالم السجون!
الكاتب الشيخ رائد صلاح
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 42
السبت 21-يناير-2006
رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
«صنائع المعروف» من «بني معروف» داخل السجن.. قادني أحدهم إلى الزنزانة ثم قال: إن أصعب شيء على نفسي أن أغلق عليك الباب
كنت أسأل نفسي: لماذا يعاملونني بهذا اللطف؟!... إن كان ذلك بتوجيه من مشايخ بني معروف فهم مشكورون وليتهم يوجهون العاملين في بقية السجون لمعاملة السجناء والسجينات بمثل هذه المعاملة!
أتوجه إلى بقية قطاعات مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل أن نكثف ونعمق التواصل اليومي مع الأهل من بني معروف!
جمعتني أيام الاعتقال ثم أيام السجن مع أفراد من بني معروف، كان منهم المحقق والضابط والشرطي والسجان، وخلال هذه الأيام الطويلة بليلها ونهارها اجتهدت أن أتعرف إليهم جيدًا وأن أسبر حقيقة كل واحد منهم حتى الأعماق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا!
وهآنذا أسجل ما رأيت منهم وما سمعت بدون مزايدة ولا مجاملة مجتهدًا في نفس الوقت أن أضع بعض الملاحظات من عندي عساها تكون صائبة وعساها تشكل في مجملها دعوة لتواصل أقوى وحوار أعمق ثم تلاحم أصفى مع بني معروف، وكي لا أفهم خطأ فإنني أقصد بهذه الملاحظات أولئك الذين يعيشون في الجليل على اختلاف القرى المعروفة التي يقطنون فيها!!
فرصة مباركة
بداية أسجل ملاحظة مثيرة للانتباه وتستحق الدراسة وهي أن معظم هؤلاء المعروفين حاولوا أن يتلطفوا بمعاملتهم معي ثم مع بقية الإخوة رهائن الأقصى ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وكانوا يقولون لي: كنا نتمنى ألا نراكم في هذا الحال، ولكن نتمنى ألا تطول مدة اعتقالكم!! نعم ... كنت أعيش هذه المعاملة وفي نفس الوقت كانت تصلني أخبار المعتقلين والسجناء ومعاناتهم في سجن شطة، وكذلك أخبار المعتقلات ومعاناتهن في سجن تلموند، وكنت أسأل نفسي: لماذا يعاملونني بهذا اللطف؟! إن كان ذلك بتوجيه من مشايخ بني معروف فالمشايخ مشكورون وليت المشايخ يوجهون العاملين في سجن شطة وتلموند وبقية السجون لمعاملة السجناء والسجينات بمثل هذه المعاملة، وإن كان ذلك اجتهادًا من العاملين في السجون فليت العاملين في سجن شطة وتلموند وبقية السجون يتبنون هذا الاجتهاد ويعاملون سائر السجناء والسجينات بمثل هذه المعاملة!! نعم... كنت وما زلت إلى الآن أسأل نفسي هذه الأسئلة، وأنا على يقين أنه لو وجد الحرص على معاملة بقية السجناء والسجينات بمثل هذه المعاملة زالت عوائق كثيرة وهموم ثقيلة ومآس محزنة كانت ولا تزال تجثم على صدور كثير من السجناء والسجينات!!
وهي فرصة مباركة أرى من الضروري أن توجه من خلالها إلى مشايخ بني معروف أن تكون لهم مثل هذه المبادرة سيما وأني على علاقة قوية مع الكثير منهم لا يزالون يصرون على تواصلهم معنا على اعتبار أننا شعب واحد تجمعنا الهموم الواحدة والطموحات الواحدة، فيا ليتهم يمارسون ضغطهم الأدبي على هؤلاء العاملين في هذه السجون بهدف رفع هذه المعاناة المتواصلة التي لا تزال أخبارها تصلني حتى اليوم، عن بعض السجون، وعن بعض السجناء والسجينات!!
وهي فرصة مباركة أرى من الضروري أن أتوجه من خلالها إلى بقية قطاعات مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل على صعيد القيادات والجماهير أن نكثف ونعمق التواصل اليومي أكثر مما هو عليه الآن مع الأهل من بني معروف.
وهي فرصة مباركة أؤكد من خلالها أنني بصدد مجموعة زيارات لقرى بني معروف في الجليل خلال أيام قريبة قادمة.
سجن أبو كبير
لقد كان لتلطف الغالبية منهم في معاملتهم معنا مظاهر كثيرة طيبة وحوادث سجلتها في دفاتر الذكريات!! فمن مظاهر هذا التلطف أن سجانًا من بني معروف كان يتناوب على مراقبتنا مع عدة سجانين في معتقل بات - يام، وما لفت انتباهي من هذا - الشاب أنه كان حريصًا على مساعدتي طوال الوقت، حيث كان يخصني من بين المعتقلين بإعداد القهوة أو الشاي وتقديمهما لي حتى في ساعات الليل المتأخرة، بل ذات يوم جاءني بعصير برتقال طازج!!
ومن هذه المظاهر أنني بعد أن أعلنت إضرابًا عن الطعام في الأيام الأولى للاعتقال تم نقلي من معتقل بات يام إلى معتقل أبو كبير وهناك وجدت مجموعة كبيرة من العاملين في المعتقل من قرى ساجور وحرفيش ودالية الكرمل وعسفيا ويانوح وشفاعمرو، وقد اجتهد الجميع منهم أن يقدموا لي كل مساعدة مقدور عليها، ولقد كان من ضمنهم سجان قادني ذات مرة إلى تلك الساحة الصغيرة جدًا كي أقضي فيها جولتي اليومية لنصف ساعة، ولما انتهت تلك الجولة أعد لي كأس شاي، ثم قادني مرة أخرى إلى غرفتي في المعتقل، وعندما وصلنا إلى الغرفة قال لي: إن أصعب شيء على نفسي أن أغلق عليك الباب لذلك سامحني أنا متأسف جدًا !!
ومن هذه المظاهر أنني كنت ذات يوم أصلي الفجر، ثم بدأت مباشرة بقراءة المأثورات، وخلال ذلك شعرت أن السجان قد بدأ بفتح الأبواب، فعلمت أنه بدأ بتوزيع وجبة الإفطار، ولكنه لم يفتح باب غرفتي، أما أنا فقد واصلت قراءة المأثورات حتى انتهيت من القراءة وبقيت جالسًا في مكاني، وإذا بهذا السجان يفتح الباب مبتسمًا وبيده وجبة الإفطار وهو يقول بلهجة بني معروف: أولًا: تقبل الله صلاتك، وثانيًا: لقد وجدتك تصلي فلم أر من المناسب أن أفتح الباب مخافة أن أزعجك في صلاتك فانتظرت قليلًا حتى أنهيت صلاتك!
ومن هذه المظاهر أننا لما تم نقلنا كلنا نحن رهائن الأقصى - وتم تجميعنا في غرفة واحدة في معتقل الجلمة - وجدنا أن بعض العاملين في ذاك المعتقل كانوا من قرى حرفيش وبيت جن والمزرعة والجش ودالية الكرمل وعسفيا، وكان معظمهم يتلطف بمعاملتنا طوال الوقت، وعلى سبيل المثال فقد كنا مصنفين طوال الوقت أننا في اعتقال ثم في سجن انفرادي وكان ذلك يعني وفق لوائح السجن أو المعتقل الرسمية أنه لا يجوز لأحد من المعتقلين أو السجناء أن يقترب منا أو يكلمنا إطلاقًا إلا السجناء العاملين الذين كان يعرفون باسم خولية ووسط ذاك الجو كنا صائمين ذات يوم، وكان قد بقي في جعبتنا آخر رأس بصل، وكنا قد قررنا استخدامه في وجبة الإفطار، وفجأة جاءنا السجين الذي كان يوزع علينا الطعام يوميًا فسألنا على مسمع من ضابط من بني معروف هل ترغبون أن أحضر لكم الطعام أم أنكم كالعادة ترجعونه ولا تأكلونه؟! فقلت له: الأولى ألا تحضر لنا هذا الطعام، ولكن إذا كان بالإمكان أن تعطونا عوضًا عنه رؤوس بصل؟! فإذا بالضابط يقول له: لا مانع !! اذهب وأعطهم بصلًا وفق رغبتهم!! وعلى أثر هذا الرد الذي كان خارجًا عن تعليمات معتقل الجلمة نصًا وروحًا قام أحد السجناء العاملين بإحضار سبعة رؤوس بصل كانت بمثابة صيد ثمين في عالم السجون!! ثم بدأ هذا الضابط يبدي موافقته للسجناء العاملين على إدخال أي صنف من أصناف الخضار إلينا تلك التي اعتبرتها تعليمات المعتقل من ضمن قائمة المحرمات علينا أن نراها أو أن نلمسها أو أن نطعمها ما دمنا معتقلين، ولذلك فوجئنا ذات يوم بأحد السجناء العاملين يحضر لنا كيسًا فيه ما يزيد على ثلاثة كيلو جرامات من البطاطا ألقاها في غرفتنا ثم ولى مسرعًا.
يتبع