العنوان الصداع عند الصائمين
الكاتب الدكتور جاسم البحوه
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 78
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 09-مارس-1993
الصداع أحد أهم العوارض الصحية وأكثرها شيوعًا بين الصائمين، لاسيما في أيام التحول الأولى التي يسعى فيها الجسد للتأقلم والتكيف مع متطلبات الصوم. وللصداع أسبابه العديدة التي تتفاوت بين البساطة والخطورة تبعًا للأمراض العديدة التي يمثل الصداع أحد علاماتها. وهذه الأمراض إما أن تكون عضوية المنشأ حيث يختل جهاز ما في الجسم أو أحد حواسه الرئيسية، وإما أن تكون نفسية المنشأ حيث تختل فيها الصحة النفسية للإنسان تبعًا لظروف بيئية ومعيشية. وهذه بعض الأسباب المعروفة:
أولًا: أمراض عضوية تسبب الصداع
وهي عادة ما تكون موجودة أصلًا في
جسد الإنسان قبل حلول شهر الصيام، غير أن اختلاف موعد تناول الدواء أو الإخلال
بموعد النوم أو الغذاء أو الجهد الزائد تؤدي إلى تفاقم أعراض هذه الأمراض ومنها
الصداع. ومن هذه الأمراض:
أ-
داء البول السكري: وفيه قد يهمل المريض
الصائم تناول الأدوية المخصصة له في الأوقات المناسبة التي يحددها الطبيب المباشر،
مما يعطي فرصة لهبوط السكر أو زيادته لدى الصائم، فينجم عن ذلك الشعور بالضعف أو
الاسترخاء أو الإغماء. وعادة ما يكون الصداع من أول الأعراض التي يشعر بها الصائم
المريض.
ب-
المصابون بارتفاع ضغط الدم من الذين لا يلتزمون
بتنظيم الدواء حسبما يشير بذلك الطبيب المعالج، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم
والشعور بالصداع.
ثانيًا: أسباب نفسية
1. الإقبال على صيام هذا الشهر الكريم بمفهوم
العادة وليس بمفهوم العبادة الواجبة يُضعف النفس عن
الاستمرار في تحمل شهواتها المختلفة وفي مواصلة تهذيبها وحثها على قبول الصيام
بنفس مؤمنة محتسبة للأجر عند الله، مما يتولد عنه ضغوط نفسية عديدة يشعر فيها
الصائم بالصداع نتيجة للتذمر والتضجر طيلة اليوم.
2. إهمال التوازن اليومي في أركان الصحة
الثلاثة: ألا وهي النوم والغذاء والجهد المبذول يؤدي
إلى تكرار الشعور بالصداع. ولا شك أن الالتزام بتلبية حاجات النفس والجسم من النوم
والغذاء وعدم الإسراف في الجهد يقلل من فرصة الإصابة بالصداع ويساعد على التخلص
منه عند حدوثه.
3. إن انقطاع الصائمين عن المشروبات المنبهة
كالقهوة والشاي وترك التدخين في الأيام الأولى من
الصيام يثير الإحساس بالصداع عند بعض الصائمين، والذي لا يلبث أن يزول بالصبر
وتهوين الأمر احتسابًا للأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم
عند الشعور بالصداع يعصب رأسه بعصابة وهي الشريط حول الرأس مع قليل من الضغط، كما
أخرج أبو نعيم في كتاب الطب النبوي.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في فطوره وسحوره
إن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم لأحرى
بالصائمين تتبعه، لا امتثالًا لسنته فحسب، بل ورغبة في تحصيل الأثر الصحي الذي
بيَّنه في كثير من الأحاديث.
من المعروف أن نسبة السكر في الدم
يبدأ بالانحدار أثناء فترة الصوم حتى يصل إلى مستوى متدنٍ، ثم يعطي إشارة بواسطة
عمليات حيوية تحول بعض الدهنيات المختزنة في الجسم إلى سكر الدم. فإذا ما حان موعد
الإفطار، فإن الجسم يكون أحوج ما يكون إلى السكر البسيط. فإذا لم يُلبِّ الصائم
حاجة جسده الرئيسية، وذلك إذا عمد إلى ملء معدته بما يثقلها ولم يساعد على هضم
محتوياتها، لم يحصل الفائدة الصحية المرجوة. ومن هنا يتبين لنا حسن فعل الرسول في
تفضيل أمرين هامين في الإفطار:
أولهما: تعجيل الإفطار،
قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» متفق عليه.
ثانيهما:
وقال أيضًا: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فمن لم يجد فليفطر على ماء
فإنه طهور» رواه الخمسة إلا النسائي.
فتعجيل الفطور من ناحية، وتفضيل
التمر لتحقيق الفائدة الحيوية الهامة في الأمعاء وهي سرعة امتصاص أنواع السكاكر
الموجودة في التمر بتراكيبها البسيطة حيث تنتشر في سائر الجسم فتعطي الطاقة
اللازمة بسرعة، إذ إن عمليات امتصاصها لا تحتاج إلى مراحل معقدة كما هو الحال في
سائر المواد الدهنية والنشوية الموجودة على موائد الإفطار. وهكذا يستعيد الصائم
قوته في مدة وجيزة. إن اتباعنا لهذا الهدي الكريم يجنبنا إرهاق أجسادنا بالأطعمة
الدسمة التي تُفاجَأ بها الأمعاء بعد راحة طويلة أثناء ساعات الصوم. وهكذا تظهر
لنا الحكمة من الأمر النبوي بتأخير السحور وتعجيل الفطور.
الظمأ عند الصائمين
الماء أساس الحياة، وكثيرًا ما يعاني
الصائم أثناء صومه من الظمأ حتى في الساعات الأولى من الصيام، مثل الإحساس بالجفاف
في الحلق والرغبة في الامتناع عن الحركة والكلام.
إن شعور الصائم بالظمأ يرجع إلى تنبيه
مركز الظمأ في المخ نتيجة الزيادة النسبية في أملاح الجسم، سواء زيادتها عن طريق
تناولها وقت السحر أو لقلة السوائل. كما أن شعور الصائم بالظمأ يكون بفعل مدرات
البول المستخدمة في علاج حالات ارتفاع ضغط الدم، أو كنتيجة للإفراط في تناول
الحلويات والسكريات عند السحر حيث تعطي أحيانًا إدرارًا للبول شبيهًا بداء البول
السكري. وهذا يعني ضرورة تحيز الصائم على الأطعمة المعتدلة عند تسحره. كما تنشأ
حالات فقدان الجسم لسوائله عند إصابة الجهاز الهضمي بالإسهال كنتيجة للإصابة
بالطفيليات المتعددة أو استخدام الملينات المختلفة كوسيلة للتخلص من الإمساك
المؤقت الذي يعاني منه بعض الصائمين أحيانًا.
ويؤدي التعرق من ناحية أخرى إلى شعور
الصائم بالظمأ الذي يزداد في المناطق الحارة والرطبة أو أثناء العمل الشاق،
بالإضافة إلى إصابة بعض الصائمين بالرشح والزكام. وهذا كله يساهم في فقدان الجسم
لكميات من سوائله. ويُفضل للصائمين عند الإفطار شرب القليل من السوائل وأهمها
الحلو البارد، وأن تُشرب على دفعات، فذلك أنفع للجسم وأصح للصائم.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتنفس في الشراب ثلاثًا، ومعنى يتنفس في الشراب أي أنه يتأنى فيه، بحيث يشربه
على دفعات يتنفس بينها.
كما يفضل للصائم شرب اللبن خالصًا أو
مع الماء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا خيرًا منه، وإذا شرب
لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب
إلا اللبن» (حديث صحيح رواه أحمد- صحيح الجامع).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل