العنوان البتروكيماويات صناعة تبحث عن سوق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985
مشاهدات 108
نشر في العدد 709
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 19-مارس-1985
تشهد أوساط التجارة الدولية حاليًّا نزاعًا حادًّا مما ينذر بنشوب أزمة تبادل متفاقمة بين دول السوق الأوروبية المشتركة من جانب والدول العربية المنتجة للمواد البتروكيماوية من الجانب الآخر خاصة بعد اللقاء المشترك بين أطراف النزاع في مطلع الشهر الجاري في المنامة، حيث تعسرت المفاوضات وكادت أن تصل لنقطة اللاعودة بعد الموقف المتصلب للجانب الأوروبي تجاه نقطة الخلاف الرئيسية المتمثلة في اتخاذ دول السوق الأوروبية للتدابير الحمائية القاسية تجاه الصادرات العربية من البتروكيماويات حيث بلغت التعريفة الجمركية 13.5% على المصنعات السعودية من البتروكيماويات ولقد كانت الدول العربية- دول مجلس التعاون الخليجي- تأمل في تبني دول السوق الأوروبية إلى موقف معقول تجاه الصناعة العربية. مما يساعد على تطور التعاون والتبادل التجاري. ولعل هذا الأمل هو الذي جعلها تتخذ أسلوب المفاوضات المتعددة لحل النزاع الذي نشب بين المملكة السعودية ودول السوق إبان اجتماع مجلس السوق الأوروبية في يونيو الماضي تم بموجبه وقف التعامل بنظام الأفضليات للصادرات السعودية من البتروكيماويات بناء على أن المملكة قد استنفدت حصتها مع إحدى الدول الأعضاء في السوق- هولندا- كما أنه يصعب تمامًا أن تصنف المملكة السعودية ضمن دول العالم الثالث النامية، لذا يجب أن تعامل صادراتها خارج نظام الأفضلية «نظام يعطي الدولة النامية المصدرة حق التبادل مع السوق الأوروبية دونما قيود جمركية».
ومنذ ذلك التاريخ ودول مجلس التعاون الخليجي تواصل مفاوضاتها مع الطرف الأوروبي مغلبة جانب التعامل بالعدالة والاحتكام للأعراف والقواعد الدولية، فتم اللقاء المشترك بين ممثلي الغرف التجارية العربية- الأوروبية في باريس في أواخر ديسمبر الماضي. ولقد جاءت نتائج الاجتماع في قرارها الأساسي تدين موقف السوق الأوروبية المشتركة وتطالبه بالخروج عن دائرة التناقض بموقفه ضد مبدأ حرية التجارة التي طالما فتئت دول السوق تعلن تمسكها به والذي يجد تطبيقًا دقيقًا من الدول العربية بما في ذلك المملكة السعودية. إلا أن دول السوق الأوروبية لم تستجب لمطالب الغرف التجارية العربية- الأوروبية ففضلت أن تدوس على ما تدعو إليه من مبادئ وأعراف وأكثر من ذلك أن تلقى بمصالحها وحاجتها للبتروكيماويات جانبًا على أن تتقدم وتزدهر الصناعة العربية.
عدالة التعامل الأوروبي
في لقاء المنامة بعد أن تبين سوء القصد الأوروبي ورفضه لكل أنواع التفاوض من أجل حلول مناسبة للطرفين في قضية الإجراءات الحمائية على المصنعات العربية دفعت دول مجلس التعاون الخليجي شعار المعاملة بالمثل ودعت لتطبيقه مقابل وارداتها من الدول الأوروبية وبالطبع؛ إن دول السوق الأوروبية تعلم أن موقفها المتعنت سوف يجر لموقف مماثل من قبل دول مجلس التعاون إلا أنها كانت تضع حساباتها وفقًا لاحتياجات دول مجلس التعاون لصادراتها ومن ثم صعوبة التخلي عنها وحتى في إطار وضع تعريفة جمركية مرتفعة نسبيًّا على صادراتها لن يحدث أثرًا كبيرًا عليها وذلك لفقدان البدائل المماثلة لها بذلك أسقطت أوروبا كل قناع تحجب خلفه وجه الاحتكارية الرأسمالية القبيح. فالدول العربية بعامة ودول مجلس التعاون الخليجي بخاصة تشكل سوقًا واسعًا حيويًّا للصادرات الأوروبية، وحجم التجارة بين الطرفين يعد من الضخامة بحيث لا تجد له مثيلًا.
ففي عام ۱۹۸۳ مثلًا قامت دول السوق بتصدير سلع وخدمات للمملكة العربية السعودية بقيمة تبلغ ٢٠ مليار دولار، وفي نفس الوقت استوردت أوروبا منها سلعًا بقيمة ١٠,٥ مليار دولار، ومما تجدر الإشارة إليه أن ٥٤% من السلع الواردة من دول السوق الأوروبية معفى تمامًا من الجمارك وأن البقية لا تزيد التعرفة الجمركية فيها عن ٤% في أغلبها. ووفقًا لمبادئ العدالة والأعراف الدولية العامة والتي تحتم تناسب التعامل إن لم يكن تماثلًا فإن الموقف الأوروبي لا يجد ما يرفع به سقوطه عن الالتزام بهذه الأعراف. هذا لو استبعدنا أصلًا دعوته العريضة للتعامل بطريقة نظام الأفضليات لدعم الاتجاه الصناعي للدول النامية الصديقة وتشجيع صادراتها ولقد افتضح الموقف الأوروبي في هذا المجال بصورة مكشوفة وأثبت من جديد أن الأصل في التعامل الرأسمالي هو استغلال موارد الشعوب النامية واستنزافها. ويأتي مثال التعامل مع المصنفات السعودية خارج نظام الأفضلية خير برهان مما يدعم النهج الاستقلالي لدول السوق الأوروبية أنها رعت كل خطوات الصناعة البتروكيماوية في الدول العربية بدءًا من دراسات الجدوى وحتى التصنيع والإشراف الهندسي، والتقني، وحققت فوائد ومصالح كبيرة في جميع الخطوات وعندما أثمرت وبدأت تبحث عن سوق توزع فيه رفضت أوروبا أن تشارك ولو بصورة معقولة وبفتح أسواقها أمام المصنعات البتروكيماوية التي هي في أشد الحاجة إليها، علمًا بأن أوروبا كانت تعلم أن السوق الأوروبي هو الأوفر حظًا للمصنعات العربية، ولذا كانت خطوة الإجراءات الحمائية المتعنتة.
السوق والإنتاج
استطاعت الدول العربية الدخول لنادي الصناعات البتروكيماوية عبر قناة تدفق الغاز الطبيعي الذي يمثل المادة الأساسية الأولى لتلك الصناعة، ولقد كان لارتفاع أسعار البترول والغاز الطبيعي سنة ۱۹۷۸ أكبر الأثر في توجه الدول العربية المنتجة للنفط للتصنيع البترولي. حيث انخفض معدل الإنتاج العالمي عامة والأوروبي بصفة خاصة بنسبة 33%.
ولقد خطت كل من ليبيا والكويت والمملكة العربية السعودية خطوات واسعة في إنتاج المواد البتروكيماوية مما حقق معه فائضًا ضخمًا يحتاج لسوق متقدمة، إذ إن الإنتاج البتروكيماوي تنخفض قيمة التكلفة الصناعية كلما اتسع نطاقه الإنتاجي. وبالطبع تحتاج الكمية الفائضة إلى أسواق تستوعبها، وبما أن السوق العربي والدول النامية لا تمارس التصنيع بدرجة عالية فإن المجال متاح فقط في أوروبا الغربية وأمريكا واليابان وحتى فترة النزاع الأخيرة مع السوق الأوروبية المشتركة فإن سوق الولايات المتحدة الأمريكية بعد ضيقًا حيث الإنتاج الكبير لمصانع البتروكيماويات هناك، أما السوق اليابانية فإنه يعد شبه معلق للمحدودية والإجراءات الحمائية التي تتبعها اليابان تجاه المصنعات الخارجية عمومًا والقيود الجمركية التي تبنتها السوق الأوروبية المشتركة تستهدف في المقام الأول عرقلة الجهود الطموح التي تنتهجها المملكة العربية السعودية حاليًّا لإقامة صناعة بتروكيماوية متقدمة وواسعة. بحيث تسهم في تطوير القطاع الاستخراجي فيها، وهذا في حد ذاته بمثابة إنذار مبكر للإنتاج العربي عمومًا، والذي بدأ يتوسع في كل من الكويت وليبيا وتونس والجزائر وغيرها من الدول النفطية بالإضافة للمملكة المغربية.
ولقد وفقت الكويت في توقيع اتفاقية تجارية في فبراير الماضي مع الصين الشعبية، فكسرت بذلك حاجز التسويق الأوروبي وقد فتح ذلك التوجه للدول النامية ذات الاتجاه الصناعي مثل كوريا وأمريكا اللاتينية.
مستقبل البتروكيماويات
وفقًا للمستقبل المنظور فإن صناعة البتروكيماويات تعتمد بدرجة أساسية على مقدرة السوق الاستيعابية للإنتاج المتنامي للمشاريع الكبيرة التي أنشئت بالحجم الاقتصادي في أكثر من دولة عربية، ومهما يكن اتساع السوق العربية للصناعة العربية إلا أن مقدرة هذه السوق ما زالت محدودة جدًّا إذ بلغت في عام ۱۹۸۳ حوالي ٩٠ مليون طن وكان الإنتاج المقابل قد بلغ ١٤٠ مليون طن. هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن الإنتاج السعودي سوف يتضاعف عام ١٩٨٦ مما يجعل طاقة الاستيعاب للسوق العربية أقل من ٥٠% من الإنتاج، هذا في جانب المستقبل المنظور أما على جانب المستقبل البعيد نسبيًّا فلا بد أن تعاد الاستراتيجية التصنيعية بحيث تتحول الصناعة لإنتاج سلع نهائية بدلًا من الإنتاج الحالي والذي يرتكز أساسًا على إنتاج سلع وسيطة وهي التي تحتاج بدورها إلى تصنيع تقني متقدم.
ولهذا السبب كانت الدول المتقدمة هي الجهة الوحيدة القادرة على إكمال الإنتاج من سلع وسيطة إلى سلع نهائية. وإذا وضعنا في الاعتبار مدى التقدم الذي يمكن أن تحرزه الصناعة العربية عندما نتجه في تصنيع السلع النهائية للبتروكيماويات خاصة وأن هذه الصناعة تعد صناعة مستقبلية لما تحمل هذه الجملة من معنى، وليس غريبًا أن تواجه هذه الصناعة حاليًّا بموجة احتجاج واستنكار على اعتبار أن السوق أضيق من أن تستوعب كل ذلك الإنتاج. إلا أن المؤشرات تدلل على تحول هذه الصناعة بصفة شبه نهائية عن اليابان.
ومن الدول الأوروبية بنسبة قد تصل إلى ٥٠% ولذا فإن الدول العربية يمكن أن تقوم بسد ما ينتج من خلل نتيجة لتخلي الدول الأوروبية واليابان، وبتطوير الصناعة البتروكيماوية يمكننا أن ندخل للنطاق الصناعي؛ فهل نحن على استعداد لتلك المرحلة؟