العنوان دراسات: أمريكا بين العرقية والتردي الاقتصادي
الكاتب محمد عبدالحميد أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 1020
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 13-أكتوبر-1992
سقوط النظامين: الشيوعية
والرأسمالية والأزمة العرقية في أمريكا
هزيمة النماذج الاقتصادية الكبرى
لقد فسر البعض هزيمة الشيوعية على أنها انتصار وعلو للرأسمالية،
وشبهوا العلاقة بين النظامين بكفتي الميزان: ارتفاع أحدهما يعني انخفاض للآخر
وبالعكس. والحقيقة أننا نشهد سقوط النظامين الاقتصاديين الذين سيطرا على الاقتصاد
العالمي في هذا القرن، لكن الواضح أن أحدهما كان أسرع في الانحدار والانهيار من
الآخر.
إن انهيار دول شيوعية مهمة كالاتحاد السوفييتي لم يكن انهيارًا لنظرية
اقتصادية فقط، وإنما كان انهيارًا لنظام سياسي أيضًا، نتج عنه قيام دويلات
وجمهوريات على أساس عرقي أو ديني، وأن أخطر ما في هذا الانهيار هو الصراع الطائفي
الذي نتج عنه.
لقد تبين أن الذي يضبط المجتمعات العرقية والدينية المختلفة من خلال
إطار دولة سياسية موحدة هو:
1- قوة الدولة على فرض النظام.
2 - مرونة النظام السياسي القائم.
3 - توفر حد أدنى من الرخاء الاقتصادي.
إن الانهيار الاقتصادي مع ما رافقه من غياب المرونة في النظام السياسي
للاتحاد السوفيتي أديا إلى ضعف سلطة القانون، مما أدى لتجرؤ أطراف الاتحاد
السوفييتي على المركز موسكو، وإعلان البعض تمرده واستقلاله قبل الإعلان
الرسمي لوفاة الاتحاد السوفييتي.
أزمة العنصرية والكساد في الولايات
المتحدة
والآن في الولايات المتحدة التي تتزعم الرأسمالية، طوائف عرقية كثيرة
تسير ببطء نحو التصادم، ومن الصعوبة بمكان إيجاد طائفة لا تشعر بالاضطهاد من بقية
الطوائف، وأن العنصرية تُمارس ضدها. بل إن بعض الفئات كالهنود الحمر والزنوج يرون
أن العنصرية تمارس ضدهم من الحكومة أيضًا.
إن العنصرية شعور مغروس في أكثر الطوائف التي يتشكل منها المجتمع
الأمريكي، وأن أحد أبرز العوامل التي تكبح جماح هذا الشعور من الانفجار هو الدخل
الاقتصادي، لكن هذا الأمر من السهل أن يتفجر في أي وقت، حينما تتضح الأزمة
الاقتصادية التي ستمر بها الولايات المتحدة لمدة طويلة قادمة. وما قد ينتج عنها من
ارتفاع لنسبة البطالة قد تكون من أكثر الأمور تسريعًا وتوسيعًا لهوة وحجم الصراع
بين الطوائف الأمريكية المختلفة. للتعرف على آخر الإحصائيات حول البطالة في
أمريكا، يمكن مراجعة مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
البطالة: عامل تفجير الصراع العرقي
إن البطالة تعد إحدى أشد الوسائل لتسميم العلاقات الإنسانية
والاجتماعية. فالأشخاص الذين لا يجدون عملًا يلقون باللوم على غيرهم على أنهم سبب
أزمتهم وبطالتهم. فالسود يلقون اللوم على البيض واليهود، والبيض يلقون اللوم على
المهاجرين الجدد.. إلخ.
والتخوف الذي يبديه بعض المفكرين الأمريكيين هو دخول أمريكا من مرحلة
الركود الاقتصادي الذي تمر به الآن إلى مرحلة الكساد الاقتصادي، والذي قد يدفع
بدوره إلى تغيير ما عرف عن أمريكا من كونها "بوتقة انصهار" إلى بوتقة
غليان. ومن هنا فإن الذوبان الظاهري للطوائف المختلفة في المجتمع الأمريكي ما هو
إلا نتيجة للرخاء الاقتصادي وتوفر فرص العمل. فإذا ما تردى عامل الانصهار، فإن
علاقة الطوائف المختلفة ستكون على غير ما هي عليه الآن. إن مثل أمريكا والعمل كمثل
المغناطيس الكهربائي الذي يشد إليه برادة الحديد، فإذا ما توقف التيار الكهربائي
تساقطت القطع المعدنية وانفرط عقدها.
اضطرابات لوس أنجلس كنموذج
للمستقبل
فكلما تهاوى مستوى الدخل، تهاوت معه دوافع الالتزام بالقانون. وهذا ما
يفسر بعض أسباب الاضطرابات التي قام بها السود في شهر أبريل من هذا العام في مدينة
لوس أنجلس، حيث إن أكثر تجمعات السود تعاني من العنصرية التي تمارس ضدهم، وكذلك
كثيرًا منهم يعيش تحت خط الفقر ويعانون من نسبة بطالة عالية.
إن ما حدث في لوس أنجلس من اضطرابات يحمل في طياته إشارة خطيرة للساسة
الأمريكيين. فثلاثة أيام من الاضطرابات في جزء صغير من مدينة كلفت من الناحية
المادية قرابة 1000
مليون
دولار،
علاوة على ما قامت به من تعميق وتوسيع للهوة بين السود والأمريكيين المهاجرين من
أمريكا الجنوبية من جهة، وبين البيض من جهة أخرى.
كذلك ما حدث في لوس أنجلس هو صورة مصغرة لما قد يحدث في الولايات
المتحدة إذا ما انطلق وانعتق مارد البطالة والعنصرية من قيوده. لقد استطاعت
الحكومة الأمريكية السيطرة على تمرد لوس أنجلس؛ لأنها ما زالت تملك قوة فرض
القانون على الخارجين عليه، لكن لا أحد يضمن هذه القدرة إذا ما توغل الاقتصاد
الأمريكي في الكساد. يمكن البحث عن "اضطرابات لوس أنجلس 1992" للمزيد.
تنبؤات بالانهيار الكبير
لقد تنبأ الكاتبان الأمريكي «جيمس ديفيدسون والبريطاني لورد
وليام ريز-موغ» في كتابهما المشترك الانهيار الكبير والذي صدر قبل
عام، تنبآ بمستقبل مظلم للولايات المتحدة إذا ما دخل اقتصادها في مرحلة الكساد.
وإن استمرار دولة الولايات المتحدة كدولة سيكون موضع تساؤل، وتنبآ
بانتشار واسع للعنف، وخاصة في المدن الكبرى، وفقدان سلطة الحكومة في المدن الكبرى،
ثم انتقال هذه الحالة إلى الضواحي. وفي مثل هذه الأجواء، توقعا مطالبة بعض
الولايات بحكم ذاتي أوسع وأقل ارتباطًا مع واشنطن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل