العنوان دراسة في حكمة تحريم الربا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 20-فبراير-1996
دراسات
الربا من منظور آخر
بقلم: د. إسماعيل أوزصوى (*) ومحمد فاتح أو قومش (**)
• الربا يخل بالسير الطبيعي للحياة الاقتصادية ويجعل التوازنات عاليها سافلها ويفسد التوزيع الوظيفي للدخل.
• الآراء المدافعة عن الربا متضاربة مع بعضها البعض ومتهافتة مثل الادعاءات التي تدافع عن شرعية ونفع الخمر والميسر والزنى.
• إذا قلنا إن الشريعة الإسلامية ترفض الربا فلا يعني ذلك أنها لا تعترف بالنماء.. وإنما نقصد أنها ترفض تعيين نسبة الربح مسبقًا.
كان الربا - وما زال - موضوع نقاش منذ ظهوره، إذ رفضته البشرية بفطرتها السليمة منذ البداية، كما حرمته جميع الأديان والنظم القانونية والأخلاقية والاقتصادية.
إلا أن ازدهار الرأسمالية في الغرب - والتي تعتمد على الربا، والحاجة إلى مبالغ ضخمة من رؤوس الأموال - أدى إلى البحث عن مبررات شرعية للربا »الفائدة»، مما أدى إلى توظيف بعض رجال الدين، وكذلك بعض الاقتصاديين للدفاع عن الربا، إذ سارعوا في وضع نظريات عديدة للدفاع عنه، رغم علمهم بأضراره وآثاره السلبية في المجتمع، ومع ذلك فإن المدافعين الأشداء عن الربا لم تطمئن قلوبهم قط في مسألة إباحته، وسبب ذلك - في نظرنا - أن نظريات الربا تنظر إليه من جهة الطلب فحسب، وأما من جهة العرض فتهمله غالبًا، ولذلك فإن كل الأطروحات والنظريات السائدة انحصرت في دائرة ضيقة ولم تفهم ماهية الربا تمامًا.
وصعبت هذه النواقص فهم سبب تحريم الربا حتى في شريعة كشريعة الإسلام الكاملة الخالدة.. وجميع أولئك المؤلفين الذين بحثوا الموضوع من المنظورين الاجتماعي والأخلاقي فحسب لم يصلوا إلى نتيجة، لأنهم من الوجهة الاقتصادية نظروا إليها من جهة المدين «دافع الربا» فقط، وأهملوا جهة الدائن «صاحب رأس المال».
فلهذا السبب سوف ننظر إلى مسألة الربا بشكل كلي من جهة دافع الربا وآخذه في نفس الوقت، وننبه على إصابة موقف الإسلام في هذا الموضوع، الربا الذي سنتكلم عنه هو فوائد القروض المعروف في مصطلح الشريعة بـ«ربا الديون».
لماذا يُدفع الربا؟ وهل هناك سبب يجعل الربا مشروعًا؟ ورغم أن هناك نظريات عديدة للربا طُرحت لترد على هذه الأسئلة، إلا أنها لم تستطع الإجابة رغم تطورها بفعل المناقشات المستمرة منذ زمن بعيد، إذ انحصرت مناقشات الربا اليوم في موضوع حدوده ونسبه، أكثر من البحث عن جواب لهذا السؤال، لا لأن السؤال أجيب عنه، بل لعدم وصول نظريات الربا إلى حكم حاسم وواضح فيه، مما يزيد الشبهات والشكوك في شرعية الربا ولزومه.
وفي نظرنا نحن فإن الآراء المدافعة عن الربا محكوم عليها بأن تكون متضاربة مع بعضها ومتهافتة مثل الادعاءات التي تدافع عن شرعية ونفع الخمر والميسر والزنى، والتي تعترف بأضراره على الفرد والمجتمع، على قدر كون هذه الادعاءات ضعيفة ومحكوم عليها بالرفض.
هذه النظريات بأكملها - غير نظرية الاستثمار لكارل ماركس التي تعتبر العمل قيمة وحيدة - ترى أن الربا عنصر لا يفارق الحياة الاقتصادية وواقعة لا يمكن التخلص منها، وذلك لا ينبعث عن كون الربا محقًا وشرعيًا (1) سبب ذلك - في رأينا - النماء الموجود بالقوة في رأس المال كعنصر إنتاجي.. أي كون رأس المال إنتاجي الطبيعة بتعبير آخر، تزويد رأس المال الإنتاجي عند مساهمته في الإنتاج، أما في الحقيقة فإن مساهمة رأس المال في الإنتاج، يمكن أن يزيد النمو، نقول يمكن لأنه ليس مطلقًا، هذه السمة لرأس المال أدت في الرأسمالية إلى فكرة ضرورة إعطاء الفائدة لرأس المال مقابل استعماله في الإنتاج، ونظريات الربا قبلت فكرة ضرورة الفائدة كمقدمة ثابتة، وحاولت أن توضح مصدر هذه الفكرة وبحثت عن نسبة معقولة ومثالية للربا.
أما الإسلام فيقبل أيضًا فكرة أن رأس المال نامٍ بالقوة (2)، ومن شروط أموال الزكاة أن تكون نامية، وبالتالي تجب الزكاة على الذهب والفضة وإن لم يستعملا في التجارة (3)، لأنهما يعتبران نامیين مقدرًا، ومن جهة أخرى اعتبرت شريعة الإسلام كون رأس المال إنتاجي الطبيعة، وأحل لذلك أن يأخذ صاحب رأس المال نسبة معينة من الربح في عقد المضاربة الشرعية بمشاركته في الإنتاج بماله فقط.
إذن ما الفرق بين الرأسمالية والإسلام اللذين يعتبران أن رأس المال نامٍ؟
الفرق بين الشريعة الإسلامية والرأسمالية
الرأسمالية تعتبر أن النماء التقديري «قوة الإنتاج» في رأس المال المقرض كأنه أصبح نماءً حقيقيًا عند القرض فتحقق الربا فورًا، ولكن الشريعة الإسلامية ترفض تحقق الربا في بداية معاملة القرض بسبب عدم إمكان معرفة تحقق أو عدم تحقق النماء «الموجود في رأس المال مقدرًا» مسبقًا، حتى وإن كان يعرف تحقق النماء مسبقًا، ولا يعرف بأي مقدار سيتحقق.. نضرب مثلًا: الرأسمالية تحكم أن الأنثى إذا جامعت ذكرها لا بد أن تلد، ولكن الشريعة الإسلامية تأخذ في نظرها عدة احتمالات مثل عدم الولادة، أو أن تلد ولدين وليس واحدًا، مع احتمال موت الأم دون الولادة، فالشريعة الإسلامية إذن لا تحكم مسبقًا على الغيب إنما تحكم على النتائج الفعلية.
عندما قلنا إن « الشريعة الإسلامية لا تقبل الرباء» لا نقصد أنها لا تعترف بالنماء المقدر في رأس المال، إنما نقصد بذلك أنها ترفض تعيين نسبة الربح مسبقًا، بافتراض أنه تحقق قبل تحقق هذا النماء بالفعل.
فمن الضروري أن نبحث عن حكمة الشرع في تحريم الربا، وفي مدى إصابة الحكم النهائي على النماء المقدر قبل أن يخرج إلى عالم الواقع، وفي تقسيم هذا النماء بين صاحب رأس المال والمدين المستثمر، وقبل أن نطرح رأينا في سبب تحريم الربا في الشريعة نذكر بعض الآراء المسطورة في الكتب في ذلك.
أسباب تحريم الربا
نذكر أسباب تحريم الربا كما جاءت في الكتب، كالآتي:
١ - الربا اكتساب مال دون مقابل.
2- الربا يخمد الأحاسيس الطيبة في الناس، ويدمر التعاون الاجتماعي.
3- كما أن الربا يعطل الناس عن المشاركة الأساسية في الحياة الاقتصادية مثل التجارة والحرف والزراعة.
4- يكون الدائن غنيًا والمدين فقيرًا غالبًا، فالربا يضر الفقير.
5- لا ينظر إلى آكلي الربا نظرة حسنة لأن الربا موضوع نقاش دائمًا.
6- الربا يعدم الحرية الفردية للمدين، على الأقل يحدد ويضيق.
7- يضر الربا أموال وأنفس الذين يكسبون أموالهم بهذه الطريقة.
8- يجعل الربا الإنسان بخيلًا وأنانيًا وبراجماتيًا وحريصًا ومنتهزًا للفرص.
9- يؤدي الربا إلى صراع الطبقات بين الأغنياء والفقراء.
10 - الربا يضعف استقلالية الدول ويمنعها من أن تنفذ سياسة خارجية فعالة.
11 - يأتي الربا على رأس قائمة الأسباب التي هدمت الدول والامبراطوريات، وأهلكت الملل، ويمكننا أن نطول هذه الأسباب وأضرار الربا الفردية والاجتماعية والدولية الكثيرة.
سبب تحريم الربا في الشريعة الإسلامية
في رأينا أن سبب تحريم الربا في الشريعة الإسلامية ليس واحدًا من المذكور آنفًا، بل إن ذلك من النتائج السلبية للربا.
وإذا دققنا في الكتب جيدًا، نرى أنه عندما تذكر أسباب تحريم الربا، كثيرًا ما تحصى أضراره في الحياة الأخلاقية والاجتماعية - الاقتصادية، وتكون نقطة الحركة دائمًا كون المدين محتاجًا وفقيرًا، وتلفت الأنظار إلى الظلم الذي أصاب به المحتاج الفقير، ومع ذلك تهمل سمة الربا التي تؤدي إلى جميع تلك النتائج السلبية وهي العلة الحقيقية في تحريم الشريعة الإسلامية للربا، وأدى ذلك إلى وقوع حتى بعض المثقفين المسلمين في حالة اضطراب فكري في مسألة الربا، فيستطيع بعض المثقفين المسلمين أن يدعي أنه قد يكون هناك أنواع غير محرمة من الربا أو عدم وضوح مسألة الربا في الإسلام حتى الآن لأنهم ينظرون إلى تحريم الربا على ضوء أسباب التحريم المذكورة في الأعلى، ولا يعتبرون السبب الرئيسي الذي سوف نشرحه - إن شاء الله - بعد قليل.
ويدعي أيضا أن الربا الذي تدفعه اليوم – غالبًا - مؤسسات مالية كبيرة مثل البنوك والشركات، تلك المؤسسات ليست كمثل الفقراء والمحتاجين، وأن الربا الذي تدفعه هذه المؤسسات الكبيرة قد يعتبر في مصلحة الشعوب الفقيرة، وأخيرًا يدعي أن علة تحريم الربا قد انهدمت في الأوضاع الحالية.
ولو كانت علة تحريم الربا - كما يدعي - أن يظلم الفقير فقط، كان من الممكن تصديق اعتراض المعترض تصديقا نسبيًا، بأن الأوضاع تغيرت وأصبحت معاكسة لما كانت عليه من قبل، لكن المسألة ليست عبارة عن هذا، فهناك سمة للربا نعتقد أنها أهملت حتى الآن، وهي عندنا العلة الرئيسية في تحريمه.
«حرم الربا بسبب تضرر أحد الطرفين - إما الآخذ وإما الدافع - في جميع الأحوال لا محالة، وعدم إمكان منع ذلك الضرر إطلاقًا».
لو أردنا أن نعيد بتعبير آخر:
«حرم الربا بسبب تعيين نسبته في بداية معاملة القرض، رغم عدم معرفة هل المشروع الذي يستعمل فيه القرض يثمر بربح أم لا، وإن أثمر على أي قدر سيتحقق هذا الربح، وبالتالي عدم إمكان تقسيم الربح أو الخسارة عادلًا ومتوازنًا بين الطرفين، وبالنتيجة تضرر أحد الطرفين - إما المدين وإما الدائن - مطلقًا وعدم إمكان منع هذا الضرر».
في الحقيقة ليس هناك أي بيان في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة عن أسباب تحريم الربا المعدودة في الأعلى، ولكن هناك آية في السبب الذي نتكلم عنه، هذه الآية تبين بشكل صريح أن الربا يسبب ظلمًا لأحد الطرفين في جميع الأحوال.
﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة آية 279) (4).
يكون المفهوم المخالف للآية هكذا «وإن ما تبتم وتركتم الربا إما تظلمون وإما تظلمون»، أي يتحقق الظلم في معاملة القروض الربوية بصورة لا مفر منها، هذا الظلم يوجد في بنية الربا كعنصر متجذر فيه لا يفترق عنه.
إذن، يظهر الظلم في معاملة قروض ربوية طوعًا أو كرهًا، ولا يمكن تأسيس العدالة والتوازن في الوضع التوظيفي للدخل بين عنصري العمل ورأس المال.
في القروض الاستهلاكية، ظهور هذا الظلم على حساب المدين واضح جدًا، كما هو معلوم
ومدروس منذ القرون الأولى إلى اليوم (5).
أما في القروض الاستثمارية، الظلم يتحقق على حساب أحد الطرفين، ولا يمكن منع تضرر كلا الطرفين معًا، كما أوضحنا سابقًا، وسبب ذلك الظلم تعيين نسبة الربا في بداية العقد، وفي نتيجة معاملة قرض كهذا، إما بضرر المدين وإما الدائن مطلقًا.
لو نظرنا في المسألة من وجهة المستثمر المدين «المقترض»، التجارة، والإنتاج، ومشروعات الاستثمار مليئة بالمخاطر، تخمين الأوضاع الاقتصادية من قبل، أمر صعب جدًا بل أمر مستحيل، وعلى جانب احتمال الربح يوجد احتمال الخسارة، بل وعدم الربح أيضًا، فدفع الفائدة »الربا» مع رأس المال في نهاية المشروعات التي تعتمد على استقراض ربوي في حالة عدم الربح وفي حالة الخسارة، ظلم بيِّن على المدين، لأن المستثمر المدين يتحمل الأضرار الثلاثة في نفس الوقت:
1 - فشل عمله الذي صرفه من أجل المشروع.
2 - خسارة رأس المال الذي استقرضه.
3- دفع نسبة الفائدة الثابتة.
مع أن الدائن يأخذ رأس ماله وفائدته والمدين يتحمل هذه التكاليف الباهظة المذكورة مما يعرضه لظلم عظيم.
خسارة صاحب رأس المال
ولو نظرنا في المسألة من وجهة الدائن، بسبب تعيين نسبة الربا مسبقًا، وصاحب رأس المال الأصلي يكتفي بهذا المقدار المعين من البداية حتى لو اكتسب المستثمر أرباحًا عالية بماله، في هذه الحالة يظلم المقرض، وفي معاملة كهذه قد يكون الربا العالي الفاحش الذي يرفضه الجميع أقرب إلى العدالة، وفي تركيا مثلًا كان التضخم المالي يسير على المائويات في المائة في الثمانينيات، ومع ذلك فإن فوائد الودائع كانت على الثلاثينيات في المائة، وكان ذلك ظلمًا بارزًا على المودعين، أي أصحاب رؤوس الأموال.
إذًا الربا لا يكون سبب ظلم على المدين «دافع الربا» فقط، بل وقد يكون سبب ظلم على الدائن «آخذ الربا» أحيانًا، وفي نظرنا هذا هو سبب التشكيك في مسألة الربا، والذي جعل حتى بعض المثقفين المسلمين في حالة اضطراب فكري في هذا الموضوع، هم فكروا دائمًا في المقترض وأهملوا احتمال خسارة المقرض تمامًا، هكذا لم يعوا ماهية مفهوم الربا ولا العلة في تحريمه في الإسلام.
مع أن القرآن بيَّن أن احتمال الخسارة وارد في حق كلا الطرفين، أي يمكن خسارة المقرض كما يمكن خسارة المقترض، القرآن يبين ذلك بالمفهوم المخالف للآية: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة آية 279).
والحق يوجب، والعدالة تأمر بتقسيم الربح، أو «الخسارة المحتملة»، تقسيمًا عادلًا ومتوازنًا بين صاحب رأس المال والمتشبث في معاملات القروض كهذه، ولكن تعيين نسبة الربا مسبقًا يؤدي إلى هذه الانحرافات عن الحق والعدالة.
قلنا إنه لا يمكن منع هذا الظلم بأي شكل لأن الربح الذي يحصل بعد استعمال القرض الربوي لا يتحقق أبدًا مساويًا للمقدار المحسوب في البداية، إما أن يكون أكثر من المرتقب، وإما أن يكون أقل منه، وفي كلتا الحالتين سيتضرر أحد الطرفين قليلًا أو كثيرًا، وإذا حدث نوع من التوازن والتراضي إلا أنه لا يمكن تحقيقه كاملًا، لأن حالة الخسارة أو الربح القليل تضر المتشبث، بينما حالة الربح العالي تضر المقرض (6).
إذًا الربا يعتبر كسيف ذي حدين، يضر أحيانًا هذا الطرف «دافع الربا» أكثر، كما يضر أحيانًا ذلك الطرف «آخذ الربا» أكثر، ولا يمكن منع ذلك الضرر- أي الظلم - بسبب تعيين نسبته مسبقًا، وبالتالي يستحق الربا المنخفض النقد بقدر ما يستحقه الربا العالي الفاحش، لأن الربا الفاحش يضر بالمدين، بينما الربا المنخفض قد يضر بالدائن.
قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يفيد بأن لعنة الله على آكل الربا وموكله (7) في نفس الوقت، دقيق جدًا، ويؤيد أطروحتنا، لأن آكل الربا وموكله عقدا سويًا عقد الربا الذي يسبب تظلم وتضرر أحدهما.
بعد استعمال القرض الربوي، هل يرضى صاحب رأس المال ويكتفي بالربح القليل المحدد سابقًا، في حالة حصول الأرباح العالية؟ فلنضرب مثلًا، صاحب رأس المال الذي أقرض 10 آلاف جنيه مقابل 10 في المائة من الربا لمدة سنة في وقت يسير التضخم المالي حوالي 5 في المائة، فهل يرضى بالفائدة التي أخذها، بعد تجاوز التضخم 10 في المائة؟ أو لنتجاوز عن التضخم، هل يرضى نفس الشخص بعد إقراضه بنفس الشروط والأجل في حالة تغير أوضاع السوق، وتواجد فرص العمل الجاذبة؟ في هذه الحالة يستطيع المستقرض أن يحصل على أرباح عالية، ولكن صاحب رأس المال يحرم من هذه الإمكانيات، وبالتالي من الأرباح العالية، هل يمكن القول بأن صاحب رأس المال يرضى بالفائدة المنخفضة في الحالة الأخيرة؟ وهل يمكن اعتبار هذه المعاملة معاملة عادلة؟
الربا في النصرانية
وفي النصرانية إحدى الحجج الخمسة العادلة التي تجيز أخذ الربا هي حالة أن يفوت على المقترض فرصة الربح بسبب إقراضه «Lucrum Cessans»، حسب هذه الحجة يجوز للمقرض أخذ الربا مقابل الربح الذي فاته في حالة إمساكه في يده واستثمره هو نفسه في العمل التجاري (8).
إحدى الأسس التي قررها المقام الباباوي في الفاتيكان في الموضوع أنه «لا يجوز تجاوز حد الربا الذي أقره القانون المدني، فذلك ظلم يجب رده، أما إذا كانت الخسارة أو فرصة الربح التي فاتت المقرض تتجاوز عن حد الفائدة، أو إذا كانت منفعة المستقرض صريحة في الإقراض، فيجوز أخذ المبلغ الزائد على الحد القانوني» (9)، هذه الحجج العادلة والأساس الذي قرره المقام الباباوي طرحت لإضفاء شرعية للربا.
فبهذه الادعادات لا يمكن جعل الربا محقًا وجائزًا، لأن سمة الربا تعيين مقداره مسبقًا، وإجازة طلب زائد على الحد المعين مسبقًا بمبرر أن فرصة الربح التي فاتت المقرض تجاوزت الحد المعين، لا تحل المشكلة بل يزيدها تعقيدًا، لأن تعيين نسبة الفائدة مسبقًا لا يعطي فرصة لأخذ الربا إلا بالمقدار المعين سابقًا، وأيضًا لا يمكن منع الخلاف في موضوع على أي أصل
يقسم المقدار الزائد بين الطرفين.
ويرجع سبب ذكرنا لهذه الآراء النصرانية في الربا هو إظهار احتمال عدم رضى صاحب رأس المال في حالة تعيين نسبة الربا في أوضاع اقتصادية عادية، وتحول هذه الأوضاع إيجابيًا، واكتساب المستقرض أرباحًا عالية من القرض، وبالتالي حرمان صاحب رأس المال الأصلي من هذه الأرباح العالية، نعني أن النصرانية قبلت حالة عدم الرضى هذه، ولكنها اقترحت طريقة حل خاطئة، فالتشخيص مصيب ولكن التداوي خاطئ.
إذن، الحكم العادل الذي يرضي المقرض والمستقرض معًا هو تقسيم جميع النتائج بالقسط بين الطرفين.
بالاختصار الشديد، السبب الأهم في تحريم الربا والوحيد الذي يذكره القرآن الكريم هو تضرر أحد الطرفين، إما المقرض وإما المستقرض ضررًا لا يمكن منعه، وذلك بسبب تعيين نسبة الفائدة مسبقًا، مع أنه لا يمكن معرفة حالة الربح أو الخسارة معرفة دقيقة، أو مقدار ذلك الربح أو الخسارة نتيجة استعمال القرض.
فالرسول صلى الله عليه وسلم تلا الآية الكريمة ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة آية 279) (10)، في خطبته التي ألقاها في حجة الوداع بعدما أعلن أن الربا موضوع، وجميع أنواعه تحت قدميه، هكذا أيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سبب تحريم الربا كونه سبب ظلمًا لأحد من المقرض أو المقترض.
ليس هناك نوع غير محرم من الربا
أخيرًا، بعد أن بينا سبب تحريم الربا، نستطيع القول بسهولة إن جميع معاملات القروض التي تعين نسبة الفائدة فيها مسبقًا، حرام بالكتاب والسنة بدون شك، لا فرق في التحريم بين:
1 - كون الربا أضعافًا مضاعفة «الفائدة المركبة» أو الفائدة البسيطة.
2- كون الزيادة على رأس المال في العقد الأول أو كونها مقابل تمديد جديد لدين حل أجله ولم يتمكن من أدائه.
3- كون القرض للإنتاج أو للاستهلاك.
4- كون نسبة الربا فاحشة أو منخفضة.
5- تسمية الزيادة على رأس المال باسم الربا أو الفائدة، أو النماء، أو الربح تسمية باسم آخر.
٦ - كون دافع الربا أو أخذه فقيرًا أم غنيًا، أو شخصًا أم مؤسسة.
7- كون الربا حقيقيًا أو اسمًا، أو إيجابيًا أو سلبيًا، لا فرق بين جميع هؤلاء في كونه من الربا المحرم، لأن سبب تحريم الربا، وهو حالة تضرر أحد الطرفين، موجود في كل هذه الحالات، فمثلًا في الربا الإيجابي أو »الحقيقي»، هناك احتمال تضرر المدين، بينما في الربا السلبي تضرر الدائن لا مفر منه.
ولا فرق أيضًا باعتبار كون الظلم أو الخسارة قليلًا في بعض الحالات، وكثيرًا في بعضها، لأنه يمكن أن تكون خسارة المقرض أكثر في حالة كون خسارة المقترض أقل والعكس صحيح، وقد يحتمل الوصول إلى نتيجة ترضي الطرفين في نفس الوقت، ولكن ذلك احتمال ضئيل من الاحتمالات اللا محدودة، والقواعد لا تبنى على الاستثناءات.
فالظلم ظلم على أية حال، فتضرر الدائن سيئ أيضًا مثل تضرر المدين، ومن منظور ديني الحرام حرام ولو تفاوتت درجات شدته وتغيرت أشكاله، فشرب قليل من الخمر حرام مثل شربه طول العمر (11).
وباختصار فإن كون نسبة الظلم في بعض أشكال الربا بالنسبة لأشكاله الأخرى، لا يخرجها من دائرة الحرمة.
والإسلام يهدف من تحريم الربا، إلى إزالة عدم التوازنات التي أنتجها الربا في تقسيم الدخل في المجتمع، لأن في معاملة قروض ربوية يحدد سعر رأس المال مسبقًا، ويبقى سعر العمل «التشبث» مجهولًا، وهكذا يختل التوازن بين عنصري العمل ورأس المال بسبب كون نتائج هذه المعاملة «الربح أو الخسارة» مجهولة.
وفي يومنا هذا نرى أن المؤسسات المالية الكبيرة هي التي تكسب دائمًا في المعاملات الربوية، والأقلية التي تمسك زمام المؤسسات العملاقة هي التي تستفيد من الخلل القومي أكثر من أغلبية الشعب، لا ينكر أن هذه المؤسسات العملاقة تقدم للشعب خدمات كثيرة بإمكانياتها للاستخدام وبمنتجاتها المتنوعة، ولكن علينا أن لا ننسى أن التقسيم العادل للدخل القومي ضروري لرفاهية المجتمع والصلح الاجتماعي.
1 - حرم الإسلام الربا بسبب تعيين نسبته في بداية العقد، رغم عدم معرفة هل المشروع الذي يستعمل فيه القرض يثمر بربح أم لا، وإن أثمر على أي قدر سيتحقق هذا الربح، وبالتالي عدم إمكان تقسيم الربح أو الخسارة عادلاً ومتوازنًا بين الطرفين، وبالنتيجة تضرر أحد الطرفين - إما الدائن أو المدين - مطلقًا وعدم إمكان منع هذا الضرر.
2 - إذن نستطيع القول إن الإسلام حرم جميع أنواع الربا مهما كان شكله واسمه، لأن سبب تحريم الربا وهو «احتمال تضرر أحد الطرفين» موجود في جميع أنواعه.
3- بسمته هذه، الربا كسيف ذي حدين، يضر أحيانًا هذا الطرف «دافع الربا» أكثر، ويضر أحيانًا ذلك الطرف «آخذ الربا» أكثر، ولا يمكن منع ذلك الضرر «أي الظلم» بسبب تعيين نسبته مسبقًا، وبالتالي يستحق الربا المنخفض أيضًا النقد، بقدر ما يستحقه الربا العالي الفاحش، ذلك بأنه إذا كان الربا الفاحش يضر المقترض، فالربا المنخفض قد يضر المقرض.
4 - لا يمكن تقييم الربا خارج مفهوم الفائدة أو الفائدة خارج مفهوم الربا، لأن الربا الذي يرفضه الجميع بادعاء كونه فاحشًا، أقرب من العدالة في الأوضاع العالية الإنتاجية والمربحة، بينما الفائدة البسيطة التي يراها البعض معقولة ومشروعة تضر صاحب رأس المال في تلك الأوضاع، لذلك تفريق الفائدة البسيطة من الربا، لا منطقي، رفض الربا مع عدم رفض الفائدة تناقض، والفائدة أيضًا محكوم عليها بالرفض على الأقل بقدر الربا، وباختصار ادعاء أن مفهوم الربا لم يتضح بعد، ليس له أي أساس على الأقل في ربا القرض الذي نحن بصدد دراسته و نقاشه.
5 - لا يحتمل تغير حكم الحرمة في حق الربا أو الفائدة، لكون الظلم سمته وجزءًا لا يفترق منه.
٦ - رغم عدم إمكان علم ما يقع في المستقبل من طرف الناس فإن تعيين نسبة الربا مسبقًا، يعتبر تكهنًا ورجمًا بالغيب، هكذا يخل الربا بالسير الطبيعي للحياة الاقتصادية ويجعل التوازنات عاليها سافلها، ويفسد التوزيع الوظيفي للدخل بين عاملي العمل ورأس المال.
الهوامش
1- يرى بعض المؤلفين هذه الحالة سببًا كافيًا لاعتبار الفائدة محقة وشرعية وقانونية، راجع كتاب د. سليمان أولوداغ «رؤية جديدة لمسألة الربا في الإسلام».
2- الأستاذ محمد حمدي بازير «الدين الحق ولسان القرآن».
3- الأستاذ عمر نصوحي بيلمان «علم الحال الكبير للإسلام»
4 - البقرة 279.
5- بالمناسبة، يطرح بعض الادعاءات للدفاع عن محقية الربا مثل أن «الربا نتيجة لكون رأس المال إنتاجي الطبيعة»، وأيضًا ادعاء «آخذ الربا من قرض الاستهلاك والفائدة من قرض الإنتاج»، وذلك للتفريق بين الربا والفائدة، اتضح عدم موافقة هذه الادعاءات للحقيقة وضوح الشمس، وفي يومنا الحاضر- كما هو معلوم - تتسارع البنوك في تركيا مع بعضها في إعطاء قروض ربوية تحت أسماء قرض الدعم، وقرض الحاجة، والقرض الفردي، وقرض السيارة، وقرض الاستهلاك وقرض... وقرض... إلخ، كل هذه القروض قروض استهلاكية ولا يوجد إمكان التكلم عن إنتاجية رأس المال في هذه القروض، رغمًا عن كل هذا، فالبنوك تطلب الفوائد مقابل هذه القروض، وذلك يثبت أن الادعاءات المذكورة في السابق لا تعتمد على شيء.
6- Consolidateld Recommendations on The Islamic
System, Council of Islamic Ideology. Government of Pakistan, Islamabad, December 1983, P.8.
7- مسلم، مساقات 105، 106.
8- أولوداغ، نفس المرجع ص 274.
9- نفس المرجع، ص 277.
10 - أبو داود، بيوع: 5، ومسلم، حج: 147، وابن ماجه، مناسك: 8476، ومالك: موطأ: بيوع 83.
11 - ابن ماجه: أشربة 10، وأحمد بن حنبل: مسند ج2 ص 179، 1670، وجـ 3 ص 343.
(*) رئيس قسم الاقتصاد بجامعة قهرمان مرعش سوتجي إمام تركيا.
(**) باحث تركي، معيد بجامعة قهرمان مرعش سوتجي إمام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل