العنوان دراسة موضوعية لأحداث الساعة في القضية الفلسطينية اللبنانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983
مشاهدات 92
نشر في العدد 609
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 22-فبراير-1983
● غزو لبنان إحدى المراحل المخططة في دوائر الصهيونية لتحقيق حلمها الأكبر.
● موائد الحلول لمشكلة الاحتلال الصهيوني لم تتم إلا بعد المشورة الأمريكية.
لقد وعدنا القارئ في نهاية المقال السابق «المجتمع عدد 602» بملحق له نستكمل به ما لم يتسع له المقال الأول. وها نحن أولاء نعود لتحقيق الوعد، وإن قضت الأقدار بتأخيره عن التوقيت الموعود، كي يتاح له أن يفيد من الأحداث التي تلاحقت ولا تزال تتلاحق بكثافة وسرعة.
لم يكن المقصود من غزو الدولة اليهودية للبنان هو تحطيم حدة المقاومة الفلسطينية وإخراجها منه فقط، بل لقد كانت هذه الغزوة إحدى المراحل المخططة في دوائر الصهيونية لتحقيق حلمها الأكبر في الطريق نحو إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ومن أجل ذلك لم يكن لدولة القتلة مندوحة عن إثارة المعارك المفتعلة بين الطوائف اللبنانية، فدفعت قوات –فادي إفرام- مثل الصليبية الحاقدة - للتحرش بالدروز في عالية والشوف. وكان على الدروز أن يدفعوا عن أنفسهم وعن وجودهم المهدد بالرد المناسب، وهكذا تساقطت الجثث من الفريقين بصورة لا تدع مجالًا للأمل بالسلام، بل من شأنها أن تزيد لهب الضغائن بنسبة تصاعدية، يطرد نماؤها كلما زاد عدد الضحايا.. ومما يضاعف بواعثها قوة ما يحمله الموارنة من ذكريات معارك ١٨٦٠ بين آبائهم وطائفة الدروز، تلك الذكريات التي تتعهد الكنيسة نيرانها بالوقود كلما أذنت بالخمود، عن طريق الرسوم المثيرة التي تحتفظ بها كنيسة بكركي المقدسة على جدرانها، وهي تمثل رجالًا من الدروز يحطمون رؤوس الموارنة بالحجارة، فيلهب منظرها نوازع الثأر في صدور الأحفاد لدماء أولئك الأجداد «الأطهار».
وطبيعي أن من شأن هذه المحرضات أن تحافظ في الفريقين على شدة التوتر التاريخي بحيث يبقى كل منهما على أتم الأهبة للانفجار عند أول احتكاك..
ولا حاجة للتنبيه إلى مصلحة إسرائيل في استبقاء هذا التوتر على أشده، ليتاح لها تزويد كل من الجانبين بوسائل الدمار، ومن ثم التسلل إلى صفوفهما بزعم العمل على وقف التصادم ونشر الأمن، في حين تغلق كل المنافذ دون وصول قوى الأمن اللبنانية إلى مناطق القتال..
وعلى النسق نفسه تجري معارك طرابلس -شمال لبنان- مع تعديل طفيف في واجهة المعارك.. حيث تقع المجابهة بين أشياع الردع في جانب، وكلهم من العناصر الغريبة عن لبنان، وبين أبناء طرابلس وحلفائهم من بقايا المقاومة الفلسطينية، الذين صمموا على ألا يمكنوا خصومهم من أن يكرروا في بلدهم نفس الدور الذي مثلوه في تل الزعتر وحماة ثم في بيروت، التي تخلوا عنها لزحوف اليهود والكتائب.. وبعد سقوط المئات من ضحايا الفريقين، وهجرة خمسة وعشرين ألفًا من سكان طرابلس، توقفت النيران -مؤقتًا- وفسح السبيل لقوات الأمن اللبنانية لتقوم بالحجز بين المقاتلين جهد الإمكان.
في هذا الجو الملبد بضباب المحن وبالدسائس اليهودية، تنطلق أصوات الرسميين اللبنانيين مستغيثة أمريكا للتوسط لدى إسرائيل من أجل تخفيف قبضتها عن بلدهم، ووقف سعاياتها الشيطانية لاستدامة جذوة الفتنة ملتهبة في جنوبه وشماله.. وذلك هو الموقف الذي خططت له أمريكا من أول يوم فدفعت إليه المسؤولين عن مصير لبنان بدقة الصاروخ الموجه.. كما يفعل صيادو السماني في الساحل السوري، حيث يحفرون لها الأنفاق ثم يأخذون بسوقها نحوها بما يشبه الأجنحة السوداء التي يرهبون بها هاتيك الطيور الجبانة..
وهكذا تألفت المائدة المثلثة للبحث عن الحلول المنشودة لمشكلة الاحتلال الصهيوني، الذي لم يتم إلا بمشورة أمريكا -كما أعلن أكثر من مسئول إسرائيلي- فأعادت بذلك للمرة العشرين مسرحية الشيطان الذي جاء إلى ساحة القرية، فأقام في وسطها تلًا من الحجارة، ثم رفع فوقه مصباح التحذير الأحمر، فجعل الناس يمرون به ويسألون الشيطان: لماذا وضعت هذه الحجارة؟!... فيجيب: لكي أرفع عليها هذا المصباح.. فإذا سألوه: ولم هذا المصباح؟! أجاب بلهجة الممتن المتفضل على الناس: لحمايتهم من الاصطدام بهذه الحجارة..
وتتابعت حلقات «الألف اجتماع واجتماع» وتلاحقت العروض المطروحة كرشات المبيد، ومضت المساومات في طريقها نحو «النفق».. وكان العمل البري للوسيط الأمريكي هو مجرد تقريب وجهات النظر في «حياد» تام، لم يلبث أن أخضع المفاوض اللبناني للمقررات المكتوبة شيئًا بعد شيء.. فبعد أن كان هدف «الندوة» ترتيب أمر الانسحاب تحول بحكمة «الوسيط» العادل إلى ورقة عمل لتأمين حدود الغاصب المحتل، وإرغام لبنان على توقيع المواثيق بفتح أسواقه للصادرات اليهودية صناعية وزراعية وغذائية، حتى البسكويت المحشو بالسموم البطيئة التي اكتشفتها إحدى المؤسسات اللبنانية -كما أثبتت ذلك جريدة المدينة في وقتها- وكان آخر ما بلغته المساومات «الإقناعية» حتى الآن إقرار السلطات اللبنانية لإسرائيل بحق الاحتلال وإعطاؤه طابع الشرعية، عن طريق إقامة أجهزة الإنذار المبكر.. الذي لم يبق من خلاف بشأنه إلا تعيين الجهة التي تتولى إدارته.. وقد أوشك هذا الخلاف «الأخوي» أن ينتهي إلى الحل المرسوم، وهو أن تتبرع أمريكا حاملة لواء حقوق الإنسان والحرية بالقيام عليه نيابة عن الفريقين..
وعلى الرغم من استمرار المفاوضات هنا وهناك، وعلى الرغم من تقلباتها المستمرة بين الرضى والغضب والجمود والتحرك.. فقد أعلنت مقدماتها عن عواقبها اللازمة التي فرضت على العرب «كامبًا» جديدًا لا يختلف عن «كامب ديفيد» إلا باسمه الذي لم يعلن بعد، ولعل الأنسب له أن يسمى «كامب كريات شمونة»..
إلا أن المهم في هذا الكامب أنه يدق أكبر إسفين بين لبنان والعالم العربي، إذ يجعل من لبنان منطلقًا جديدًا لغارات «دولة العصابات» التي تمضي في طريقها الصاعد على كرامة «الدول» العربية، المشغولة عن أخطارها بتدمير نفسها تحت رايات القوميات القبلية والتمزقات الإقليمية..
وتوالت الأحداث إثر المقاومة المشرفة آخذًا بعضها برقاب بعض.
ومع كل الجهود التي بذلتها اللجنة لتحقيق مهمتها فقد ظلت تدور في حلقة مفرغة، لأن أمريكا وبريطانية لا توافقان على استقبال ممثل لمنظمة التحرير بين أعضائها، وكان موقف بريطانيا أسوأ الموقفين، إذ جددت تاتشر ما سبق أن أعلنته أثناء مرورها بدول الإمارات من رفضها الاعتراف بالمنظمة على وجه القطع.. وبذلك انفجرت الأزمة بين بريطانية والحكومات العربية، إذ أصرت الأولى على موقف الرفض، وقرر العرب التمسك برفضهم المقابلة إلا على الوجه الذي يحفظ كرامتهم.
ولقد يجد المفكر بعض العذر لأمريكا في موقفها من ممثل المنظمة، لما يعلمه من وقوعها تحت سلطان اللوبي الصهيوني، الذي بلغ من نفوذه على الرئاسة الأمريكية إلى حد أن يعمد بيغن إلى تهديدها بهذا اللوبي على مسمع من العالم، فيعيد إلي ذكرى ذلك الزعيم الطائفي في بعض جبال الساحل السوري، إذ قلت ذات يوم محاورًا:
ما بالكم تخنعون لأمر الحاكم الفرنسي دون مراجعة؟.. فأجاب مصارحًا: الحق أن أحدنا لا يعدو كونه خصية بغل بيد الحاكم الفرنسي، كلما أراده على أمر ضغط عليه فانحنى له.. وما أشبه بريطانيا اليوم بذلك البغل الذي جعل القدر خصيته بيد المال العربي، فهو على أتم الاستعداد للركوع كلما أستشعر ضغطه الذي- ويا للأسف - لا نحسن استعماله إلا قليلًا وبأيدي أولي العزم من قادة العرب، وما أندرهم في هذه الأيام!..
إن أدنى ما كان يتوقع من بريطانيا أن تفعله، في هذه المرحلة الحاسمة من حياة القضية الفلسطينية، هو أن تستعيد ذكرياتها في فلسطين، وتراجع سجل انتدابها الحافل بالجرائم في حق أهلها العرب، حيث وجهت كل شيء في تلك الأرض المقدسة لمصلحة اليهود، ولتنفيذ وعد بلفور المشؤوم، حتى إذا استيقنت من استيفائها كل الوسائل المؤدية إلى إقامة الدولة الباغية.
خرجت في مواكب العار يحدوها *** هتاف الهوان والازدراء
وعلى القدس من طيوف مآسيها *** بقايا الآلام بعد الوباء
أجل.. كان المتوقع من بريطانيا، وهي تنظر إلى نتائج سياستها الوحشية، أن تنتهز الفرصة للتكفير عن أوزارها، فتقف إلى جانب المظلومين الذين أعدتهم بكل طاقاتها وخبثها لهذا المصير الرهيب.. بيد أن الواقع يؤكد دائمًا أن لا بريطانيا ولا أمريكا، ولا أحد من حلفاء عصبيتها الصليبية الموروثة، بقادر على مواجهة مثل هذا النقد الذاتي، لأن مبادئهم المتحدرة من أعماق الوثنية الرومانية أبعد ما تكون عن الحس الإنساني الذي من شأنه أن يحرك في صدورهم قوارع الندم على أي خطيئة مهما كبر حجمها.. فلم يبق أمام المسلمين والعرب من سبيل لإذلال هذه الدولة الطاغية سوى التلويح بسياط المصالح، التي هي معبود بريطانيا الأكبر، كما أوضح ذلك رئيس وزرائها اليهودي«دزرائيلي» بقوله: ليس لبريطانيا صديق دائم ولا عدو دائم ولكن لها مصالح دائمة... ومعنى ذلك أن على العرب أن يفقهوا هذا الواقع على حقيقته، فيقابلوا كل عنت من هذا العدو التقليدي بلكمة على يافوخ مصالحه في بلادهم.
وبما أن النفسية الصليبية في الغرب كله هي واحدة من حيث ديانتها المادية فعلى العرب والمسلمين أن يقيموا علائقهم مع الجميع على هذا الأساس وحده، فيواجهوا كل إساءة من بعضهم بتقليص علائقهم الاقتصادية به، وذلك هو القانون الأمريكي نفسه الذي أعلنه الكونغرس في مختلف المناسبات، بألا حظ لأحد في عون أمريكا إلا بمقدار التزامه بوجهة النظر الأمريكية.. بل هو القانون الإسلامي العادل الذي يقيم علائق المسلمين بغيرهم على أساس من قول ربهم. ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة:194). ومن قوله جلت حكمته: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (التوبة: 7). ويومئذ لن نجد حاجة إلى استجداء عون ولا التماس نصرة، من شرق ولا غرب، لأننا نكون قد عرفنا الطريق السوي إلى التي هي أحكم وأقوم.
وأخيرًا.. إن الحديث عن أحداث ما بعد الغزوة الصهيونية يظل أبتر ما لم نشر إلى بعض الإيجابيات في موقف الحكومة اللبنانية بإزاء المساومات الإسرائيلية، والمحاولات الأمريكية لدفع لبنان إلى المزيد من التنازلات باسم الأمن والمصالح المشتركة.
ولعل أبرز ما يلفت النظر من تلك الإيجابيات استبعاد العماد فيكتور خوري عن قيادة الجيش، وإسنادها إلى خلفه إبراهيم طنوس... فقد كان لهذه البادرة أثرها الطيب في نفوس الكثيرين من مراقبي الأحداث، ذلك بأن مجرد تبديل القائد السابق كان ظاهرة صحية في مسيرة الحكم الجديد. فقد كان عهد فيكتور خوري لعنة أبدية على لبنان، تمثلت في انطلاق الوحش الكتائبي لاقتراف أفظع الجرائم، ثم تلتها عصائب جنوده الذين أتموا مهمة الكتائب وبقية القتلة من مجرمي شارون وسعد حداد، حيث اختطفوا المئات من شباب المخيمات وفتياتها، ولم يستنكفوا حتى عن هدم المساجد.. واقتلاع أغراس النخيل لأنهما من مظاهر العروبة والإسلام..
وبذلك أصبح فيكتور خوري بنظر الناس بمنزلة فادي أفرام، فهو مسئول عن كل جريمة اقترفها الجيش أو الكتائبيون في عهد قيادته، سواء بالموافقة أو السكوت، ومن هنا كان استبعاده بادرة خير تدل على شعور أمين الجميل وحكومته بالمسئولية الضخمة التي تسجل ما لهم وما عليهم..
وعلى الرغم من علاقة الكتائب الوثائقي بأسرة الجميل كلها وبالرئيس أمين بوجه أخص، على اعتبار أنه من كبار سدنتها ومنظريها -كما يقال- فإن عددًا من الدلائل تشير إلى أن تفكير أمين ووالده بيير –مؤسس الكتائب منذ عشرات السنين- قد داخله كثير من التعديل بعد وصول أمين إلى سدة الحكم. وقد برزت أولى هذه الدلائل أيام كان جيش فيكتور يقوم بتفتيش المناطق الإسلامية في غرب بيروت ومصادرة زهرة سكانها، إذ ارتفعت بعض الأصوات تطالب بإجراء مثل هذا التفتيش على شرق بيروت وتجريد سكانها من السلاح، وردت عليها أصوات أخرى تدعو إلى التريث في هذا الجانب لظروف خاصة، فإذا بصوت بيير الأب يعلن إنه لا بد من المساواة بين الجانبين فينزع سلاح المسيحيين كما نزع سلاح المسلمين..
ولا عجب فإن وضع الثائر وهو في جحيم المعركة غيره عندما يتسلم مقاليد السلطة، فهناك يسيطر عليه لهب الحقد، وهنا يستيقظ في صدره ثقل المسئولية، التي تفرض عليه أن يتذكر دائمًا إنه لوطنه كله ولأهل هذا الوطن كلهم... لقد ذهبت سكرة القتال وجاءت فكرة الواجب، ولن يستطيع أمين الجميل أن ينسى أبدًا أن ديار العرب بالنسبة إلى طائفته وإلى بلده إنما هي بمثابة المعين الذي منه يستقون، والرئة التي بها يتنفسون، فلا أمريكا ولا فرنسا ولا إسرائيل ولا العالم الغربي جميعًا، بقادرة على أن تعوضهم عن بعض ذلك المعَين إذا هو حجب عنهم، ولن تفيهم آلاف الرئات التي يمكن صنعها في معامل هاتيك الدول عن تلك الرئة العربية إذا هم جافوها أو جافتهم..
ومع ذلك فإن هذا الموقف المعتدل الذي يتخذه أمين الجميل لمصلحة كل لبنان لم يلق القبول اللازم عند قادة العصبيات الطائفية، التي صرحت على لسان فادي أفرام البستاني بأن هدفها الذي لا محيد عنه هو «إنشاء وطن مسيحي مرتبط مع الكيان الإسرائيلي بحماية الدول الكبرى».
وهكذا تبرز التناقضات بين القمة والقاعدة في منظمة الكتائب، منذرة بأحداث ليس شيء منها في صالح لبنان على أي حال.. ولعلنا لا نفارق الواقع إذا نحن ربطنا بين هذه التناقضات وبين إلحاح الرئيس الجميل على أمريكا وأوروبا برفع قواتها في لبنان إلى ثلاثين ألفًا.. ذلك لأنه مدرك إنه لم يعد مستطيعًا ضبط جماعته، ولا التغلب على مصاعبه، إلا بقوة من خارج الخليطة اللبنانية..
ولكن.. من يزعم أن هذه الآلاف إذا قدمت لبنان ستعمل لمصلحة لبنان فعلًا لا لمضاعفة محنه ومآسيه... وما الذي يمنعها من أن تعيد دور آبائها الذين كان لهم اليد الطولى في تمزيق لبنان أثناء حرب الـ ١٨٦٠.. الطائفية؟..
وإلى حلقة أخرى إن شاء الله
بقلم/ سياسي قديم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل