العنوان دروس في هجرة الأمان وهجرة الفتح
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 65
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 37
السبت 27-يناير-2007
وأصل الهجرة التباعد والترك والإعراض. يقال: هجر الشيء، تباعد عنه وتركه، وهاجر ترك وطنه وتحول منه إلى غيره، وهذا غالبًا لا يكون عن رضا، وإنما يكون قسرًا وكرهًا، وإن كانت غايته نبيلة وقصده عظيمًا، ولهذا وجدنا بلالاً رضي الله عنه مرة حين هاجر إلى المدينة يحن إلى مكة قائلا:
لا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة *** وهل يبدون لي شامة وطفيل
وشامة وطفيل جبلان بمكة، وقيل: هذه الأبيات لأصيل الغفاري، ولما سمعها الرسول صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه بالدمع، وقال: «لا تشوقنا يا أصيل»، وفي رواية «يا أصيل، دع القلوب تقر»، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم حبب لينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها» (يعني طعامها).
وهذا دليل على أن الإنسان يشتاق دائمًا إلى موطنه مرتع صباه ومقر أجداده وآبائه وأهله ولا يخرج من موطنه هذا إلى غيره إلا مكرها من اضطهاد أو ضيق رزق﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (النساء: 100)، ويستثنى من ذلك من يخرج لطلب علم أو سياحة أو غيرها من الأغراض المشروعة، وهي -في الغالب- نادرة، قياسًا إلى من يخرج بسبب اضطهاد أو ضيق رزق.
وقد اضطر المسلمون إلى الهجرة وترك مكة - كما نعلم - نجاة بدينهم ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (آل عمران: 195).
والمؤمن يأبى الذلة، ولا يركن إلى الاستضعاف أبدا، بل يهب إلى الاستعداد للجهاد حتى يقدر عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).
وكانت الهجرة للأمن والاستعداد والتقاط الأنفاس، حتى يستعد الحق وتكثر جنوده وتقوي شوكته ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).
فما كانت الهجرة استمراء للدعة، وإنما كانت للتحضير للجهاد بضم الصفوف وإعداد العدة بالرجال الذين هم عدة النصر.
وهاجر المسلمون تاركين مكة مرتين الأولى إلى الحبشة، وكانت هجرة الأمان والمحافظة على اللبنات وضمها، حتى يأذن الله بالنصر.
وما كانت الهجرة إلى الحبشة هجرة إلى المجهول، وإنما كانت هجرة إلى الحرية وإلى أرض يأمن فيها الإنسان على دينه، في جوار ملك عادل.
يقول ابن هشام: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه»، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام... ووجدوا الأمن والأمان والعدل والإحسان من ملك الحبشة وأهلها، وكان الأولى بقريش أن تقر عينًا بإبعاد هؤلاء عن مكة، هؤلاء الذين يعيبون آلهتها ويسفهون أحلامها، لكن قريشًا طار صوابها وفقدت رشدها، لأنها تريد كبت الإيمان في أي مكان يوجد فيه.
روی ابن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، وأمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئًا ، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للناس هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم، ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما : نعم. ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعائبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقًا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا والله، لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان، أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
هذا ولا يزال البغي على أهل الإيمان يتبع نفس الأساليب؛ لأنه ضلال نفوس، وانحراف عقول، وطبيعة شيطانية في أي مكان وزمان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل