العنوان دستور الأسرة المسلمة .. لماذا؟
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1761
نشر في الصفحة 54
السبت 21-يوليو-2007
قبل الغزو الفكري الذي جاء إلى الشرق الإسلامي في ركاب الغزوة الغربية الحديثة التي قادها ، بونابرت (١٧٦٩-۱۸۲۱م) على مصر والشرق (۱۲۱۳هـ - ۱۷۹۸م) لم تكن هناك حاجة إلى وضع المواثيق التي تحدد المفاهيم والفلسفات لسلوك المسلمين في مختلف ميادين الحياة الفردية والأسرية. والاجتماعية والسياسية. ذلك أن المرجعية الإسلامية كانت هي الوحيدة الحاكمة التي تحدد كل المفاهيم والفلسفات في سائر هذه الميادين.
ولقد كانت المشكلات التي تعاني منها الحياة الإسلامية مقصورة على التطبيق لهذه المفاهيم الإسلامية الواحدة والتي تحكم حتى الاختلافات الفقهية الفرعية التي يثمرها الاجتهاد في إطار وحدة هذه المرجعية ومفاهيمها وفلسفاتها، ومدى اقتراب الواقع والتطبيق من المثل التي حددها الإسلام... لكن الغزو الفكري الغربي قد أحدث متغيراً أساسياً، وذلك عندما زرع في المجتمعات الشرقية الإسلامية مرجعية حضارية أخرى وهي الوضعية العلمانية اللادينية التي غدت منافساً شرساً لمرجعية الإسلام.. الأمر الذي استدعى واستوجب تمييز المفاهيم الإسلامية عن نظيرتها الوضعية العلمانية اللادينية في مختلف ميادين الحياة... .
فبدأ الحديث عن ضرورة وأهمية تقنين الفقه الإسلامي كبديل متميز عن القانون الوضعي العلماني وبدأت البلورة للرؤية الإيمانية الإسلامية للكون والحياة -لبداية الخلق- والمسيرة.. والمصير .. ومكانة الإنسان في الكون - كبديل متميز عن الرؤية الوضعية والمادية للكون والحياة...
وبدأت البلورة كذلك لمذهب الإسلام في الثروات والأموال والعدل الاجتماعي.
ومذهب الاستخلاف كبديل لليبرالية الرأسمالية والشمولية الشيوعية، في الاقتصاد والاجتماع....
ولأن الغزو الفكري قد تسلل إلى ميادين الحياة الإسلامية تدريجياً، وفي نعومة وأحياناً على استحياء، بل وبواسطة الغش والتدليس في خلط المفاهيم ومضامين المصطلحات.. وذلك كي لا يستفز الحس الإسلامي، فتنتفض الأمة لمقاومته.. ولأن الدوائر التي تخطط لهذا الغزو كانت على علم بمكانة الأسرة في منظومة القيم الإسلامية - مكانة الحرم ... والعرض... و الشرف.
فلقد جاء الغزو الميدان الأسرة متأخراً، وفي مرحلة عموم البلوى لكل ميادين الحياة.. جاء في الوقت الذي أصبحت فيه الأسرة المسلمة محاصرة بهذا الغزو الفكري الغربي من جميع الجهات والاتجاهات... لقد بدأ تسلل القانون الوضعي أولاً إلى ميادين المنازعات التجارية . في الموانئ . عندما يكون أحد طرفي هذه المنازعات أجنبياً في سنة ١٨٥٥م في عهد الخديوي سعيد (۱۲۳۷-۱۲۷۹هـ . ۱۸۲۲-١٨٦٣م).
ثم زاد هذا التسلل بإنشاء محكمة قومسيون مصر سنة ١٨٦١م، التي تقضي - بالقانون الوضعي بين الأجانب والمصريين حتى خارج الموانئ التجارية. ثم حدث تعميم هذا التسلل إلى مطلق ميادين المنازعات تجارية وغير تجارية - التي يكون أحد طرفيها أجنبياً، وذلك عندما أنشئت المحاكم المختلطة. في عهد الخديوي إسماعيل ( ١٢٤٥ - ١٣١٢هـ - ١٨٣٠ - ١٨٩٥م).. ورئيس وزرائه الأرمني نوبار باشا (١٨٢٥ - ١٨٩٩م) وذلك في سنة ١٨٧٥م.
وهي المحاكم التي يقضي فيها القضاة الأجانب.. بالقانون الفرنسي.. واللغة الفرنسية ... فلما وقع الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة ۱۸۸۲م عممت سلطات الاحتلال هذا القانون الأجنبي في المحاكم الأهلية المصرية مع بعض التعديلات ... فلم يبق خارج ولاية القانون الوضعي وحاكميته سوى الأسرة وأحوالها الشخصية.
ومع تصاعد موجات التغريب وزيادة هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية واجتياح العولمة الغربية للخصوصيات الثقافية والقيمية غير الغربية. في العقدين الأخيرين من القرن العشرين . بدأ الاهتمام الغربي بحرمات الأسرة المسلمة، والانتهاك المقدسات منظومة قيمها التي حددها الإسلام وصاغتها المرجعية الإسلامية.. الأمر الذي فرض ويفرض على مؤسسات العلم والفكر والعمل الإسلامي صياغة البديل الإسلامي في هذا الميدان. لقد شرع الغزو الفكري والغربي منذ العقدين الأخيرين للقرن العشرين في صياغة منظومة قيمه في الحداثة وما بعد الحداثة... في مواثيق ومعاهدات، أخذ في عولمتها تحت ستار الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وذلك لإحلال هذه المنظومة القيمة المصادمة لكل القيم الدينية محل منظومة القيم الإسلامية، وفي ميدان الأسرة على وجه التحديد. وإذا كانت قوى الهيمنة الغربية المعاصرة ترفع في ميدان السياسة - شعار الفوضى الخلاقة، التي تتغيا من ورائها تفكيك المجتمعات الإسلامية وبعثرة مكونات وحدتها وفق معايير عرقية ولغوية ومذهبية وطائفية ليتأبد نهب ثروات هذه المجتمعات، بمنع التماسك والتضامن والوحدة الإسلامية من الجهاد لتحرير الأوطان والثروات.. فلقد غدت الهجمة الغربية على حصون الأسرة المسلمة بمثابة المعركة الفاصلة في هذه الغزوة وهذا الاحتواء.. الذي يتغيا إحداث الفوضى في عالم الأسرة لتفكيكها والقضاء على مقوماتها .. ومن ثم تفكيك الأمة المكونة من الأسرة والعائلات وإذا أخذنا نموذجاً واحداً من الوثائق التي يصوغها الغرب، ويضمنها منظومة قيمه في الحداثة وما بعد الحداثة، ثم يسعى الي عولمتها، وفرضها على الحضارات غير الغربية تحت ستار الأمم المتحدة وأعلامها ... لترصد من بين فصولها وموادها عدداً من معالم الهدم والتدمير المنظومة الأسرة المسلمة في القيم والأخلاق، فإننا واجدون في وثيقة مشروع برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية.. الذي عقد بالقاهرة من ٥ حتى ١٥ سبتمبر سنة ١٩٩٤م - نموذجاً الإعلان الحرب على الأسرة المسلمة ومنظومة القيم والأخلاق التي حددها لها الإسلام . فإذا كان الإسلام انطلاقاً من الفطرة الإنسانية السوية . قد بنى الأسرة على العلاقات الشرعية والمشروعة بين ذكر وأنثى لتتحقق بهذا التمايز والتكامل سعادة الإنسان، وليتحقق بالتوالد والتناسل بقاء النوع الإنساني، ولتكون هذه الأسرة هي اللبنة الأولى في تأسيس بناء الأمة . فإن وثيقة مؤتمر السكان..
وبصريح العبارة تعلن الحرب على المعنى الإنساني للأسرة، وتدعو إلى تغيير «الهياكل الأسرية»، معتبرة ذلك التغيير هو المجال الحيوي لعمل الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية، والمنظمات غير الحكومية المعنية، ووكالات التمويل والمؤسسات البحثية... فكل هذه المؤسسات مدعوة بإلحاح لإعطاء الأولوية للبحوث الحيوية المتعلقة بتغيير هياكل الأسرة (1). ... وذلك حتى لا تكون . فقط - أسرة شرعية مؤسسة على علاقة مشروعة ألوان العلاقات بين رجل ورجل.. أو بين امرأة وامرأة - مدخلة بذلك الانقلاب، كل ألوان العلاقات الشاذة والمحرمة شرعاً في إطار الأسرة التي يعترف بها القانون ويحميها ويرتب لها الحقوق... . وإذا كان الإسلام قد ضبط المتعة الجنسية، لتكون سبيلاً شرعياً للعفة والإحصان والإنجاب، فجعل الجنس مشروعاً .. فإن وثيقة مؤتمر السكان تطلب فقط أن يكون الجنس مأموناً .. أي لا يؤدي إلى الأمراض وتطلقه وتحرره من ضوابط الشرع، ليكون حقاً من حقوق الجسد . كالطعام والشراب - مباحاً الجميع الأفراد. وليس فقط الأزواج ... ومن كل الأعمار، بما في ذلك المراهقين والمراهقات !! فالصحة التناسلية والصحة الجنسية. التي جاءت مصطلحاتها الأكثر شيوعاً وتكراراً في هذه الوثيقة . هي حالة الرفاهية البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة التي تجعل الأفراد وليس فقط الأزواج، قادرين على التمتع بحياة جنسية مرضية ومأمونة (٢) ... والمتعة الجنسية والصحة التناسلية والجنسية هي كالاحتياجات التغذوية حق من حقوق البنات والفتيات.. المراهقات (۳).
-----------------------
الهامش
(۱) (مشروع برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية) . الفصل الثاني عشر . الفقرة ٢٤ - الترجمة العربية الرسمية .
طبعة سنة ١٩٩٤م.
(۲) المصدر السابق الفصل السابع . الفقرات: (51).
(۳) المصدر السابق، الفصل الرابع – الفقرة (2).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل