العنوان دستور الأسرة المسلمة .. لماذا ؟
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2007
مشاهدات 78
نشر في العدد 1762
نشر في الصفحة 54
السبت 28-يوليو-2007
دستور الأسرة المسلمة.. لماذا؟ «۲»
وثيقة مؤتمر السكان.. محاولة لغزو آخر حصون الأمة الإسلامية
قبل الغزو الفكري الذي جاء إلى الشرق الإسلامي في ركاب الغزوة الغربية الحديثة. التي قادها «بونابرت» (١٧٦٩- ۱۸۲۱م) على مصر والشرق (۱۲۱۳هـ. ۱۷۹۸م) لم تكن هناك حاجة إلى وضع المواثيق التي تحدد المفاهيم والفلسفات السلوك المسلمين في مختلف ميادين الحياة الفردية.. والأسرية.. والاجتماعية. والسياسية. ذلك أن المرجعية الإسلامية كانت هي الوحيدة الحاكمة، التي تحدد كل المفاهيم والفلسفات في سائر هذه الميادين.
• وإذا كان الإسلام قد أطلق على عقد الزواج، الذي تتأسس به الأسرة، وصف «الميثاق الغليظ» المؤسس على قيم «المودة... والرحمة.. والسكن.. والسكينة...» فجاء في القرآن الكريم: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء:٢١).. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:٢١)، فإن وثيقة مؤتمر السكان تؤسس «العلاقة» -التي تسميها أسرة- على مجرد الالتقاء الاختياري المؤسس على «الإباحة والإباحية»، ولذلك، فهي تنزع عن هذه العلاقة الصفة الشرعية.. حتى لقد خلت كل فصول هذه الوثيقة وبنودها خلوًا تامًا من كلمتي «الله» و«الدين»!.
• وإذا كان الإسلام يحض على الزواج المبكر لإحصان البالغين من الشباب والشابات، وإعفافهم.. فإن وثيقة مؤتمر السكان تحرم وتجرم الزواج المبكر، وتستعيض عنه ببدائل منها الزنا المبكر فتدعو «الحكومات إلى أن تزيد السن الأدنى عند الزواج حيثما اقتضى الأمر.. ولا سيما بإتاحة بدائل تغني عن الزواج المبكر...» (۱).
أي أنها تدعو إلى تقييد الحلال، وإلى إطلاق الحرام، الذي جعلته حقًا من حقوق الجسد، بالنسبة لجميع الناشطين جنسيًا، من كل الأعمار.. وبين جميع الأفراد.. وعلى اختلاف ألوان هذه العلاقات.
• وفي الوقت الذي يقيم فيه الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة -وخاصة في إطار الأسرة- على قواعد المودة والرحمة والسكن والسكينة.. ويجعل النساء شقائق الرجال كما جاء في الحديث النبوي الشريف...
ويقرر للنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات بالمعروف المتعارف عليه ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ﴾ (البقرة:۲۲۸) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١)، تذهب وثيقة مؤتمر السكان. انطلاقًا من الطابع المادي للحضارة الغربية. إلى تحويل هذه العلاقة إلى علاقة تجارية مادية «تتشيأ» فيها القيم والمثل والأخلاقيات.. «فتتحدث عن تمكين المرأة» بدلًا من الحديث عن المشاركة الكاملة للرجل في تربية الأطفال والعمل المنزلي (۲).
فتصادم بذلك تقسيم العمل الفطري الذي ساد الحياة الإنسانية على مر التاريخ.
• والأكثر إمعانًا في الغرابة والشذوذ أن الغرب الذي يتفاخر بالحديث عن الحرية والليبرالية وحقوق الإنسان ينكر على الأمم والحضارات الأخرى حقوقها في أن تختار منظومة القيم التي تريد! والسعي -بالترهيب والترغيب- إلى فرض مفاهيمه وفلسفاته على العالمين.. حتى يعلن -في وثيقة مؤتمر السكان- توجيه المعونات التي يقدمها لتنفيذ ما صاغ في هذه الوثيقة من قيم وفلسفات، فتتكرر -في هذه الوثيقة- عبارات «الالتزام» «والإلزام» التي تقول: «ينبغي للحكومات أن تلتزم على أعلى مستوى سياسي بتحقيق الغايات والأهداف الواردة في برنامج العمل هذا» (۳).
«... وإعمال الضمانات وآليات التعاون الدولية لكفالة تنفيذ هذه التدابير»(٤)..
«وينبغي على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تنظم استعراضًا منتظمًا لتنفيذ برنامج العمل هذا» (٥).
وعندما طلبت بعض الدول النص -في الوثيقة- على أن يكون «تنفيذ السياسات السكانية حقًا سياديًا يتماشى مع القوانين الوطنية...»... رأينا الوثيقة تجهض هذا الحق -بعد النص عليه- وذلك بالنص على أن يكون هذا الحق في إطار «الامتثال للمعايير الدولية لحقوق الإنسان »(٦)، وهي المعايير التي صاغها الغرب لتعبر عن فلسفته في هذا الميدان.
• أما الإغراء والترغيب الذي قدمه الغرب -في هذه الوثيقة- فهو المساعدات في مجالات «التنمية» التي تساعد على انتشار هذا الانحلال.. فنصت هذه الوثيقة على أنه «ينبغي للمجتمع الدولي أن ينظر في اتخاذ تدابير مثل نقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية لتمكينها من إنتاج وتوزيع وسائل منع الحمل ذات النوعية العالية وغيرها من السلع الضرورية اللازمة الخدمات الصحة التناسلية، وذلك للاعتماد على الذات في هذا الميدان» (۷).
نعم.. هذا هو الميدان الذي يساعد فيه الغرب الدول النامية كي تعتمد على الذات.. ميدان «إنتاج وتوزيع وسائل منع الحمل ذات النوعية العالية... وغيرها من السلع الضرورية لتحقيق المتعة الجنسية المأمونة للأفراد.. من مختلف الأعمار»!
•••
وهكذا... ومن خلال هذه الأمثلة -وهي مجرد أمثلة- من وثيقة مؤتمر السكان -وهي مجرد وثيقة من وثائق عديدة- يتم الغزو والاجتياح لآخر حصون الأمة الإسلامية والمنظومة القيم الحاكمة لهذا الحصن - حصن الأسرة المسلمة.
الأمر الذي استوجب وفرض الوضع والصياغة لهذا الميثاق -ميثاق الأسرة في الإسلام -ليكون- مع مذكرته التفسيرية- دليلًا ينير الطريق للإنسان المسلم. رجلًا كان أو امرأة -ومرجعًا للمجتمعات الإسلامية، ومنظماتها الأهلية.. ولحكوماتنا الوطنية.. ومنظماتنا الإقليمية.. بل وردًا على مواثيق الغزو وأيديولوجياته التي تحاول -مع امتداداتها السرطانية في مجتمعاتنا- اجتياح آخر حصون الإسلام وأمته.. حصن الأسرة في عالم الإسلام.
• إننا والغرب أمام مفهومين مختلفين للحرية، ينبع كل واحد منهما من فلسفة النظر إلى مكانة الإنسان في الكون وعلاقته بالذات الإلهية...
ففي الإسلام: الإنسان خليفة لله -سبحانه وتعالى- له حرية الخليفة والنائب والوكيل، والمحكومة ببنود عقد وعهد الاستخلاف المتمثلة في الشريعة الإلهية.
بينما هذا الإنسان -في الرؤية الوضعية الغربية- هو سيد الكون، الذي لا سلطان على عقله إلا لعقله وحده.. ولا حدود لحريته إلا إرادته واختياره..
ولقد أدرك علماء الإسلام -منذ بدايات الغزو الفكري الغربي للشرق الإسلامي- هذا الفارق الجوهري في مفهوم الحرية.. فانتقد العالم المجاهد عبدالله النديم ( ١٢٦١- ١٣۱۳هـ - ١٨٤٥ – ١٨٩٦م) المفهوم الغربي للحرية، فقال:
«ولئن قيل: إن الحرية تقضي بعدم تعرض أحد لأحد في أموره الخاصة، قلنا : إن هذا رجوع إلى البهيمية، وخروج عن حد الإنسانية.. أما الحرية الحقيقية فهي عبارة عن المطالبة بالحقوق والوقوف عند الحدود.
ولئن كان ذلك سائغًا في أوروبا، فإن لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيتية، وهذه الإباحة لا تناسب أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم....» (۸).
•••
إننا أبناء دين أضفى القداسة الدينية على منظومة القيم الحاكمة المؤسسة الأسرة، كما رسم هذا الدين المعالم والطرق والوسائل لحل مشكلات هذه الأسرة. من الإعراض.. إلى النشوز.. إلى الشقاق وجعل «التحكيم.. والشورى» السبل لإصلاح هذه المشكلات.
ونحن أبناء الحضارة التي وضعت هذه القيم الدينية وجسدتها في الممارسات والتطبيقات على امتداد تاريخ الإسلام.. حتى لقد رأينا مؤسسة «الأوقاف» ترصد الأوقاف الواسعة على مؤسسة الأسرة.. فتيسر الزواج.. وتحل مشكلاته.. فهي التي تيسر:
تزويج المحتاجين والمحتاجات.
وتقديم الحلي وأدوات الزينة ومستلزمات العرس للعرائس الفقيرات.
وتقديم حليب الرضاعة -المحلى بالسكر- لإعانة الأمهات المرضعات...
وتأسيس الدور لرعاية النساء الغاضبات اللاتي لا أسر لهن، أو من تسكن أسرهن في بلاد بعيدة...
وحتى الأوقاف المرصودة على رعاية الأيتام واللقطاء.
•••
هكذا صاغ الإسلام للأسرة ميثاقًا من القيم والأخلاق.. ووضعت الحضارة الإسلامية هذه القيم في التطبيق - قدر الإمكان.
ومن هنا -وفي مواجهة الغزو الغربي لحصن الأسرة المسلمة- تأتي الأهمية البالغة لهذا الميثاق. ميثاق الأسرة الإسلامية... تلك الأهمية التي لا تقف عند كونه السياج الذي يحمي الأسرة المسلمة في المجتمعات الإسلامية.. وإنما تمتد -هذه الأهمية- إلى حيث تجعله إعلانًا عالميًا إسلاميًا، ينطلق من عالمية الإسلام وهدايته للعالمين، ليكون طوق نجاة للأسرة -كل أسرة- على امتداد القارات والحضارات...
إنه بديل إسلامي لكل ما يرفضه الإسلام فيما يتعلق بالأسرة.. تتقدم به الأسرة المسلمة -عبر منظماتنا النسائية الوفية لدينها- إلى المؤتمرات العالمية إعلانًا إسلاميًا عالميًا، لإنقاذ الأسرة من الانحلال الذي تفرضه عليها العولمة الغربية.
-----------------------------------
الهوامش
المصدر السابق الفصل الرابع الفقرة (۲۱)
المصدر السابق، الفصل الرابع الفقرة (٢٦)
المصدر السابق الفصل السادس عشر الفقرة (۷)
(٤) المصدر السابق الفصل الرابع الفقرة (۹)
(٥) المصدر السابق الفصل السادس عشر. الفقرة (۲۱).
(٦) المصدر السابق الفصل الثاني المبدأ (٤)
(۷) المصدر السابق الفصل السابع الفقرة (۲۳)
(۸) عبدالله النديم مجلة الأستاذ العدد ۱۹ ص ٤٣٩ في ٨ جمادى الثانية، سنة ١٣١٠هـ - ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٩٢م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل