; دعوة الصدق في الإسراء والمعراج | مجلة المجتمع

العنوان دعوة الصدق في الإسراء والمعراج

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1976

مشاهدات 108

نشر في العدد 309

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 20-يوليو-1976

دعوة الصدق في الإسراء والمعراج
تقديم:
نحمد الله سبحانه على أن أنعم علينا بحادث الإسراء والمعراج، ولعل الكلام فيه أصبح للناس مكرورًا معادًا مؤديًا إلى السآمة والملل، لا لشيء -فهو خير وبركة- ولكن لأن السرد التاريخي للموضوع قد عرفه كل سامع أو قارئ للقضية، وعليه فإن إطالة الحديث في أمر إسراء المصطفى صلى الله عليه وسلم وكل ما يتعلق بأجزاء القصة من توكيد خبر المعراج وغيره كل هذا لا يجلب جديدًا ولا يُوجد وعيًا لحياة إسلامية معاشة وإنما يقدم أخبار ذكرى يزيد المسلمون بعدًا عن حقائقها ومطالبها لتحقيق شرع الله سبحانه.
إنه لمن المؤلم جدًّا الابتعاد بالقضية عن حقائقها ومطالبها والعيش والتحليق في جو من الذكريات، والبعد عنها من جانب آخر في إقامة احتفالات لها، في بعضها ما يخالف ما دعا إليه هذا الحادث المجيد.
علينا إذن التنبه إلى مضامين القصة وما دعت إليه بتتبع مفتاح بدايتها والتعرف على جوهرها العام، ويفتح لنا باب الموضوع كتاب الله سبحانه يقول تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1) الآية.
أضواء حول الآية:
وهذا البحث العميق في الآية من حيث المعاني اللغوية والبلاغية والمنطقية ضرب آخر ولون يضاف إلى الابتعاد عن جوهر القضية على أنه من الضروري فهم النواحي اللغوية ولكن بشكل لا يجعلها القضية وحدها؛ فالآية الكريمة تدعو إلى تقديس وتنزيه الله سبحانه باستهلالها كلمة «سبحان» وتقدم تمجيدًا وتكريمًا للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله وأنه في رعاية البارئ سبحانه؛ إذ تم له الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله بما حوله من تكريم لتلك البقاع من الأرض، ثم إن الله سبحانه أراه علامات قدرته آياته العظيمة في الكون والحياة والمخلوقات، لا في الرحلة في بقاع الأرض فحسب، ولكن في الرحلة الى السماء كذلك، وهنا شمولية الآية تعطي إيحاء ما يرتبط بالإسراء وهو المعراج عن طريق مظاهر عظمة الله سبحانه التي أراها الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم في الآية بيان آخر لرعاية الله سبحانه لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. 
وهو في خاتمتها إنه هو السميع البصير، فهنا ليس مجرد الرعاية، ولكن توكيد هذه الرعاية. وبهذا تكون الآية الكريمة قد قدمت صورة معاني الإسراء وهي نفسها تنطبق على المعراج، وكلاهما خبر صادق ذكره الله سبحانه ووضحه المصطفى صلى الله عليه وسلم. حقا أن المعراج لم يذكر نصًّا في القرآن ولكن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم قاطع القول فيه وجوهر ما تدعو إليه الآية هو أن الله سبحانه لم يرسل الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه فقط أو للعرب فحسب ولكن أرسله ﴿كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28)؛ فانطلاقه صلى الله عليه وسلم من مكان دليل انتشار الدعوة وعالميتها وعدم انحصارها، ودليل معراجه أهمية الصلاة عماد الدين وأهمية النظر الكوني والسعي في الاكتشافات والأبحاث وبيان العناية والرعاية بشخصه الكريم في بداية الآية ونهايتها لا يتوقف لذاته وأنه يمتد في أتباعه وأنصاره وناشري دعوة الإسلام.
وإدراك هذه المعاني يقدم لنا حقيقة الموضوع ألا وهو دعوة الصدق في الإسراء والمعراج، حيث يرى المسلم ما جمعت تلك الحادثة من عظات وعبر كيف قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ كيف دعا إليها كيف صدقها الناس؟ يراها المسلم ويرى حيالها واقع المسلمين مما يدمع عينه ويؤلم نفسه ويؤرق شعوره وكيانه بشكل عام، لا يؤرق جفناه فقط.. يسأل المسلم نفسه بأي وضع يعيش المسلمون وعلى أي منهج يسيرون؟ وأي طريق يسلكون؟
نظرة الناس للإسراء
إنها حقيقة مرة على النفس أنك لا ترى من اهتمام المسلمين بحادثات الإسلام لا ترى من اهتمامهم إلا أنهم يقيمون لها احتفالات ومهرجانات وهي لا تعني شيئًا بل إن كثيرا منها ينكره الإسلام، وإن هذه الاحتفالات بريء منها الإسلام، وهي إن كانت بحق لا بد من أن تدعو وتحقق تمثيل الإسلام قولا وعملا وسلوكًا في واقع الناس وإلا فلم ولن بقوة ما تحمل من توكيد لن تكون حياة إسلامية معاشة في جوانب الحياة وسيبقى الذل والعار والخزي يلحق المسلمين وعلى رأسهم قادتهم حيث تعقد المؤتمرات والندوات وحلقات تخطيط البلاد وتنسى أنها إسلامية أو بالأصح تتناسى أنها كذلك وكلها هراء وكذب ودجل وافتراء، ليس فيها أمانة ولا صدق ولا حياء، وهكذا انطبع في حس الناس منهج فرعون من جديد لا يؤمن حتى وهو يغامر ويدخل البحر إلا بعد أن يدركه الغرق، وهكذا تكون تصريحات بتحرير الأراضي وغيرها من توزيع الحريات ولا يكون العالم إلا أكثر سوءًا وترديّا وانحطاطًا لماذا؟ إنه لا بد من تحقيق مطالب الإسراء والمعراج، لا بد من العروج إلى منهج الله، لا بد من الإسراء إلى الأراضي المقدسة لتحقيق متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن حادثة الإسراء والمعراج يجب أن نأخذ منها هذه المعطيات أن تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم تكريم للمسلمين العاملين، فلا بد من إقامة شرع الله، وأن الدعوة عالمية فلا بد من الجهاد وتذكر ما يقع للمسلمين في بقاع العالم؛ فما يواجهه مسلمو لبنان ومسلمو الفلبين جزء من جسدنا نحن المسلمين، وبدلا من إراقة الأموال على الرقص والغناء ومجالات السوء التي تضر الأمة والشباب فلا بد من مد العون بكل ما يستطاع لإنقاذ هذه الأجزاء من الأيادي الخبيثة الملطخة بالدماء.
إلى مطالب الإسراء:
هكذا أيها المسلمون لا بد من عودة لمطالب الإسراء والمعراج، إن الآية تنص على عبودية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه وعلى مراقبة الله سبحانه لعباده لأنه السميع البصير، وهذا يستوجب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن حقيقة تكريمنا له عليه الصلاة والسلام لا يتم عن طريق الاحتفال وكأننا نهتم للقضية أكثر فنكثف برامج قد تكون مجرد تلفيقية، وترويجية إظهارًا للاهتمام لإعلاء كلمة الله ومتابعته واقتفاء أثره في ذلك، ولعلنا بذلك نكون قد أدركنا فعلا دون مداهنة وتمييع وملاينة جوهر قضية الإسراء والزيف الذي يلابسها في أشكال من الطلاء الفاخر كلها كذب وزور وبهتان مخالفة لدعوة الصدق في الموضوع دعوة الصدق التي أثار التفكير فيها وثبة عليها موقف الصديق الخليفة الأول رضي الله عنه وأرضاه فقال -نصدقه في خبر السماء أفلا نصدقه في الإسراء؟ وهذه القولة ليست مجرد تصديق للخبر كما هو واقع الناس كأن القضية خبر يحتاج إلى إثبات لا وإنما توكيد السير على المنهج والثبات عليه.
إذن فلا بد من تجديد ولا تجديد إلا بالصدق مع الله سبحانه ومحاسبة النفس، ولعل كلمة كهذه لا تجدي شيئًا، ولكني أرجو وأدعو الله أن تثير تفكير المسلمين وبالذات القادة منهم فقد برزت المآسي واضحة ومحاربة دين الله والصد عنه أمست نارًا على علم؛ فلتكن العودة بتذكر معطيات الصدق وعالمية الدعوة والإخلاص إليه كما هي في مضامين الإسراء والمعراج.
أيها المسلمون لا بد أن نكون صادقين للأخذ بمطالب الإسراء والمعراج، فنكون بعون الله مشاعل هداية وأقباس نور وأسرجة ضياء، وإلا فلا نفرح بهذه الكلمات؛ لأنه إن لم يتحقق منهج الله فقوله سبحانه قاطع الوقوع حيث يحذر جل وعلا بقوله:
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).
صالح الراشد

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

111

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

في ذكرى الإسراء والمعراج

نشر في العدد 29

179

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)