; د. القرة داغي للمجتمع: تمزيق الشعب الكردي خطة استعمارية قديمة! | مجلة المجتمع

العنوان د. القرة داغي للمجتمع: تمزيق الشعب الكردي خطة استعمارية قديمة!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 117

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 15

الأربعاء 02-يونيو-1993

مأساة الشعب الكردي: حوار مع الدكتور علي القرة داغي
عمق المأساة وتعدد أسبابها

القضية الكردية واحدة من القضايا الإسلامية الكثيرة التي تزداد بمرور الزمن معاناة أصحابها وتتكرس مأساتهم. وكلما ظهرت مشكلة إسلامية جديدة توارت خلف الركام مفسحة المجال للحالة الآنية راضية أو مجبرة على الرضا بالإهمال أو بالنسيان.

حول القضية الكردية، وما يتعرض له الأكراد من الظلم والاضطهاد والتجويع والحصار كان لنا هذا الحوار مع الدكتور علي محي الدين القرة داغي رئيس الرابطة الإسلامية الكردية.

  • المجتمع: مأساة الأكراد عميقة الأبعاد ومتعددة الجوانب، فما هي في تصوركم أهم العوامل والأسباب التي أدت إليها؟
  • د. القرة داغي: حقًّا إن مأساة الشعب الكردي مأساة عميقة الجذور متعددة الجوانب بعيدة الأغوار، يمكننا القول بأن بدايتها الظاهرة بدأت من خلال اتفاقية "سايكس بيكو عام 1916" حيث قسم الشعب الكردي بموجب هذه الاتفاقية على خمسة كيانات تابعة لحكومات وشعوب أخرى.

وكان الشعب الكردي يعيش كمجموعة من الإمارات في ظل الدولة العثمانية بعزة وكرامة حتى كانت لغتهم معترفًا بها ضمن اللغات الخمس للعالم الإسلامي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله.

فجاءت هذه الاتفاقية فمزقت الشعب الكردي حيث اقتطعت منه جزءًا للاتحاد السوفيتي (سابقًا الآن أذربيجان وأرمينيا) وجزءًا كبيرًا أُلحق بتركيا الحالية، وجزءًا ثالثًا بإيران، وجزءًا رابعًا بالعراق، وجزءًا خامسًا بسوريا، ويقدر عدد الأكراد اليوم بحوالي 25 - 30 مليون نسمة: 15 مليونًا في تركيا، 8 ملايين في إيران، 5 ملايين في العراق، حوالي مليون ونصف في سوريا، ومليون و200 ألف في الاتحاد السوفيتي السابق.


التقسيم الاستعماري وحقد أحفاد الصليبيين

هذا التقسيم في حد ذاته من أهم مظاهر المأساة للشعب الكردي، وهو تقسيم في غاية من الخطورة والذكاء والدهاء، حيث ربط الشعب الكردي بمجموعة من الشعوب لا تتفق مصالحهم مع مصلحة دولة مستقلة للأكراد، وبمجموعة من الأيدولوجيات؛ حيث كان إيران -في السابق- وتركيا ضمن الأيدلوجية الغربية، والعراق وسوريا -في السابق- ضمن الأيدلوجية الشرقية، ومن هنا فلم تكن مصالح الدول الشرقية أو الغربية تتفق مع طروحات الشعب الكردي لأجل تلك الدول.

وهذا التقسيم بهذا المستوى قد يثير دهشة الإنسان العادي الذي يرى أن الدول الحلفاء حينما هزمت ألمانيا لم توزعها بهذا الشكل الذي جرى عليه في الشعب الكردي، بل جعلتها دولتين مستقلتين على الرغم من أن ألمانيا تسببت في حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من الناس ومئات المليارات من الدولارات.

قناعتي الشخصية النابعة من الدراسة للقضية الكردية هي أن هذا التقسيم للشعب الكردي بهذه الصورة لم يأت اعتباطًا؛ بل هو مقصود وضمن خطة مرسومة للاستعمار تستهدف تحقيق عدة أهداف، من أهمها: الثأر من أحفاد صلاح الدين الذي هزم الصليبية في معركة حطين، بل هزمهم شر هزيمة حتى لم يستطيعوا مواصلة حروبهم في ديار الإسلام، وبالذات في الشرق الأوسط مرة أخرى. فقد ظل الصليبيون في ديار الشام محتلي القدس الشريف حوالي تسعين عامًا، فيأتي صلاح الدين ويقضي عليهم ويعيدهم إلى ديارهم، فهذا شيء ليس سهلًا لدى الغربيين أحفاد الصليبيين.

ويدل على أهمية هذا التفسير وصدقه أن الاستعمار الحديث لما جاء في بداية هذا القرن وأسقط الخلافة العثمانية لم ينس هذا البعد التاريخي، فقد قال الجنرال الإنجليزي حينما دخل القدس منتصرًا: "الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين"، ويذهب الجنرال الفرنسي في دمشق بعد احتلالها مباشرة إلى قبر صلاح الدين فيركله برجله، ويقول: "ها نحن أولاء عدنا يا صلاح الدين"، أليس ذلك دالًّا على أن ذاكرة الغربيين ولا سيما السياسيين والعسكريين لم تنس صلاح الدين وجيش صلاح الدين.

إن أغلب المؤرخين الغربيين يقولون: إن هناك تاريخًا لما قبل صلاح الدين حيث استقر الصليبيون في الشام وظنوا أنهم باقون فيها، وتأريخًا لما بعد صلاح الدين حيث طردوا منها وأُخرجوا حتى لم تظل تَبْقَ لهم باقية إلى يومنا هذا.

فهل تتصور أن مثل هذه القضية بهذه الصورة تنسى وتُبعد عن ذاكرة هؤلاء الذين يهتمون بالماضي والتاريخ كما نشاهد، بل إن اتفاقية سايكس بيكو قد جمعت في وقت واحد بين انتداب فلسطين وانتداب كردستان وتقسيمها على عدة أجزاء.


القومية ضد الإسلام الرابط الجامع

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تمزيق الشعب الكردي وإعطاء كل جزء لدولة سوف يجعل المنطقة بؤرة للصراع، ومنطقة ملغومة بالألغام يمكن تفجيرها في كل وقت حتى تشغل بها شعوب المنطقة وحكوماتها. وهذا ما حدث فعلًا؛ حيث لم تعرف أغلب هذه الحكومات الأمن والاستقرار بسبب هذه المشاكل ولا سيما أن الحكومات التي يعيش في ظلها الشعب الكردي حكومات قومية، ففي تركية الحكومة قومية طورانية، وفي العراق قومية عربية، وفي إيران فارسية قومية -في عهد شاه- فلو كانت هذه الحكومات إسلامية تدعي الإسلام وترفع شعار الإسلام لكان هناك جامع ورابطة تجمع الشعب الكردي بالحكومة. فمثلا في عهد البعثيين يكتب شعار كبير عند مدخل محافظة كركوك: "نفط العرب للعرب"، ويقرؤه الكردي فيشتاط غضبًا: لماذا لا يكون لنفطي الذي ينبع من أرضي نصيب؟

ولو كتب "نفط المسلمين للمسلمين" لكان مقبولًا؛ لأنه يدخل فيه الكردي، حتى ولو كتب "نفط العراق للعراقيين". وهكذا الأمر في تركيا وإيران وسوريا، فمع الأسف الشديد لم ترفع هذه الأنظمة شعار "الإسلام" الجامع بين الشعوب والمجرب حوالي ثلاثة عشر قرنًا الذي لم نجد خلال تطبيقه أية مشكلة قومية لجميع الشعوب، حيث صهرتهم العقيدة في بوتقة الوحدة والمساواة.

 

فشل الحل العسكري وجرائم النظام البعثي

والغريب أن جميع هذه الحكومات التي يعيش في ظلها الأكراد لم تبحث عن حل عادل، وإنما انصبت جميع جهودها على الحل العسكري وبالعنف والقوة، وزعمت أن هذه القوى الكثيرة العسكرية والمالية والإعلامية تهيئ لها القضاء على الشعب الكردي، فكان منطق القوة والكبرياء هو السائد خلال هذه الفترة، ومع ذلك فشلت هذه السياسة فشلًا ذريعًا؛ ففي تركيا استعمل مصطفى كمال أعنف الوسائل للقضاء على الشعب الكردي بعد ثورته لإعادة الخلافة؛ حيث قتل منهم عددًا رهيبًا وسجن وعذب الكثيرين، ثم أصدر مجموعة من القوانين الظالمة التي ألغت الهوية القومية الكردية، ومنعت التحدث باللغة الكردية حتى أصبح التحدث بها جريمة -بحكم القانون- يعاقب عليها. وفي إيران استعمل شاه إيران كل الوسائل لإيذاء الشعب الكردي وحرمانه من أبسط حقوقه، والحكومة السورية قامت بحملة تهجير واسعة للأكراد وطردهم من قراهم وسحب الجنسية من عشرات الآلاف منهم، ثم بناء حزام سمي بالحزام الأخضر "الأسود".

وأما النظام البعثي العراقي فحدث ولا حرج فيما فعله بالشعب الكردي، فما مذبحة حلبجة التي راح ضحيتها حوالي خمسة عشر ألف شخص بين قتيل وجريح، وحادثة الأنفال التي دمر فيها النظام العراقي عام 1988 أكثر من أربعة آلاف قرية وأكثر من ألفي مسجد وراح ضحيتها حوالي مائة وثمانية ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال لا يعرف عن مصيرهم شيء إلى يومنا هذا، ناهيك عن ثمانية آلاف برزاني أُخذوا من بيوتهم منذ 1982 لا يعرف عن مصيرهم شيء إلى الآن.

فهل تجد مأساة أكبر من هذه المآسي التي حلت بالشعب الكردي المسلم أحفاد صلاح الدين على أيدي من ينتسبون إلى الإسلام، وليست على أيدي الكفرة؟! إن ما فعله هؤلاء بالشعب الكردي المسلم شبيه بما يفعله الصربيون الحاقدون بإخواننا في البوسنة والهرسك.


سبب الضعف ونتائجه

والخلاصة أن أهم العوامل التي أدت إلى هذه المآسي بعد المسلمين بصورة عامة عن منهج الله تعالى وسننه في الأخذ بأسباب النصر، حيث يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 165).

وحينما ضعف المسلمون فكريًّا وعقديًّا والتزامًا وقوة وأخذًا بالسنن، استطاع الاستعمار أن يغلب علينا ويحقق لنفسه مصالحه. وهذا شيء طبيعي، فماذا تنتظر منه؟ ثم إن أكبر مأساتنا هي أننا كنا شعبًا ملتزمًا بالإسلام 100%، فبسبب هذه المآسي انتشرت الأفكار العلمانية، ثم اليوم نخاف من التنصير بسبب المجاعة، ويبدو أن أعداءنا يريدون تحطيمنا دينيًّا كما حطمونا ماديًّا، والله المستعان.


أوجه الشبه بين القضايا الإسلامية

  • المجتمع: هل ترى أوجه شبه بين مأساة الأكراد وبين مأساة مسلمي البوسنة أو فلسطين، أو غيرها من مآسي الشعوب الإسلامية الأخرى؟
  • د. القرة داغي: نعم هناك عدة أوجه شبه بين هذه المآسي، من حيث إنها جميعًا يراد بها إحداث جروح مؤلمة في قلب الأمة لتنشغل بهذه القضايا بدل الانشغال بقضايا الأمة في الوحدة والتقدم والتصنيع واللحاق بركاب الأمم المتقدمة.

ومن جانب آخر يراد من خلال هذه المآسي نفوذ المؤسسات التنصيرية إلى العراق بكل أجزائه بشماله وجنوبه، من خلال سياسة توزيع الأدوار التي تطبق في أكثر من مكان في عالمنا.

وأكثر أوجه الشبه بين هذه المآسي تكمن في سياسة التهجير والتشريد والتطهير العرقي وعدم الاعتراف بالحقوق المشروعة لهذه الشعوب ومحاولة طمس هويتهم وخصائصهم، والتعامل معهم كأنهم شعوب من الدرجة الثانية أو الثالثة كما أوضحنا.


مقومات الدولة وحل الخلافة الراشدة

  • المجتمع: هل تملك كردستان من مقومات الدولة ما يساعد على إقامة حكم ذاتي أو دولة للأكراد؟
  • د. القرة داغي: إذا نظرنا إلى واقع كردستان وقسناها بالدول المستقلة في العالم نجد أن هناك حوالي 35 دولة مستقلة مساحتها أقل من مساحة كردستان العراق، ونفوسها أقل من مليون فكردستان الموحدة عدد نفوسها حوالي 25 إلى 30 مليون نسمة ومساحتها أكبر من مساحة فرنسا.

ولذلك دائمًا أقول: هناك ميزانان؛ ميزان القوميين من العرب والفرس والترك الذين ينادي كل منهم بحق تقرير المصير لنفسه، فعلى ضوء هذا الميزان يكون من حق الكرد أن ينادي بنفس الحق، وكما قال أستاذنا الشيخ يوسف القرضاوي في أحد محاضراته: "لماذا كل الشعوب لهم دولة ولا توجد دولة للشعب الكردي؟" الذي لا يقل عن غيره حضارة وتاريخًا، ولذلك فليس من العدالة المناداة بالدولة لأي شعب سوى الشعب الكردي.

وأما الميزان الإسلامي الذي ننادي به نحن هو تطبيق الإسلام الصحيح في جميع الدول التي فيها الأكراد، بل في جميع العالم الإسلامي، وحينئذ ينال كل شعب حقوقه.

ومنذ فترة كبيرة ننادي نحن بحل القضية الكردية عن طريق نظام الولايات المتحدة الذي كان معمولًا به في عصر الخلافة الراشدة، والذي نحن في الرابطة نطرح تصوره هو عند قيام الخلافة الراشدة أن يكون للشعب الكردي أو إقليم كردستان مجلس شورى ومجلس تنفيذي يرتبطان بمجلس الشورى لدولة الخلافة.

ولي بحث مفصل في هذا التصور قدمته إلى المؤتمر الإسلامي الأول لحل القضية الكردية الذي عقد بكولون بألمانيا في يناير 1990م.

ولكنا نحن في الرابطة واقعيون ننادي بالحقوق المشروعة للشعب الكردي المسلم، حيث لا ينبغي أن نوقف مطالبتنا بالحقوق إلى أن تتحقق دولة الخلافة، لذلك فالحكم الذاتي مرحلة جيدة كسياسة مرحلية، أما حلنا الأساسي فهو "الإسلام هو الحل".


الوحدة الإسلامية طريق الحل

  • المجتمع: هل ترون إقامة دولة كردية تجمع الأكراد جميعهم تحت ظلها، أو ترون إقرار الوضع القائم وفق ضوابط وأطر معينة؟
  • د. القرة داغي: نحن في الرابطة ندعو إلى الوحدة الإسلامية على أساس الإسلام، ونرى أن تمزق الشعب الكردي وكذلك تمزق العالم الإسلامي جزء من المؤامرة الكبرى ضد الإسلام والمسلمين، ولذلك فنحن لسنا مع التجزئة والتمزق، وإنما مع لم الشمل والتجمع، ونسأل الله أن يجمع أمة التوحيد على توحيد الكلمة والهدف، ولكننا نحن على يقين بأن وحدة الأمة لن تتم على أيدي العلمانيين ولا القوميين، وإنما على أيدي عباد الله المتقين: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وفي آية أخرى: ﴿فَاتَّقُون﴾ (المؤمنون: 52).

 

أسباب غلبة الخطاب القومي

  • المجتمع: لماذا يعلو صوت الخطاب القومي للأكراد على صوت الخطاب الإسلامي؟ وما هي أسباب قوة الأحزاب القومية وتفوقها على الأحزاب الإسلامية؟
  • د. القرة داغي: يعود إلى عدة أسباب من أهمها:

  • 1- رد الفعل القومي: حيث إن الدول التي يعيش معها الأكراد كلها قائمة على القومية؛ فالعراق نظام الحكم فيه قومي بعثي اشتراكي علماني، وفي تركيا أسس مصطفى كمال الدولة على أساس العلمنة والقومية الطورانية، ولا تزال، وفي إيران أسس أبو الشاه، ثم الشاه الدولة على أساس قومي علماني، وكذلك الأمر في سوريا. إذن فكيف لا ينتشر الفكر القومي بين الأكراد؟

وللعلم والحق أقول: إن الأكراد كانوا آخر شعوب المنطقة تأثرًا بالقومية فقد ظلوا ينادون بالإسلام إلى آخر العشرينات، والدليل على ذلك أن الشيخ محمود المفيد قام بثورته في كردستان العراق ضد الإنجليز وأخرجهم من السليمانية ثلاث مرات، ثم أُسر ونُفي إلى الهند عام 1919م. وأثناء عودته من الهند استضافت حكومة الكويت الشيخ محمود المفيد ومن معه من قادة الأكراد، وقد ذكر في ذكرياته طيبة شعب الكويت حكومة وشعبًا وكرم ضيافتهم وحسن قيادتهم، وأثنى عليهم ثناء عاطراً، مما يدل على قدم الروابط الكويتية- الكردية.

وكذلك ثار الشيخ سعيد بيران ضد مصطفى كمال "أتاتورك" حينما ألغى الخلافة، فثار معه الشعب الكردي ضده، ولأجل إعادة الخلافة، وكان شعارهم "إعادة الخلافة الإسلامية"، وقد ضُربوا ضربة قاصمة للظهر على يدي الطاغية وقُتل منهم حوالي ثلاثمائة ألف كردي في سبيل الله وفي سبيل إعادة الخلافة، وهذا يدل على مدى وعي الشعب الكردي وإحساسه بخطورة هذه الخطوة الكمالية وأهمية الخلافة في حياة الأمة.

2- السبب الثاني: قيام الدول والأنظمة الحاكمة بإيقاع أشد المظالم والمصائب على الشعب الكردي فقد نالوا منها أشد العذاب كما ذكرنا، فهذه المظالم جعلت الشعب الكردي في حالة من الثورة والغضب والثورات. وحينئذ جاء القوميون ورفعوا هذه الشعارات البراقة الجميلة في الظاهر، وقالوا: نحن ننقذكم من هذه المظالم، نحن نجمعكم، نحن نكون لكم دولة كما لكل شعب دولة، بل قاموا بعمل دعاية ضخمة ضد الإسلاميين فقالوا: هم السبب في عدم حصولكم على دولة لأنهم نادوا بالإسلام وحاربوا الإنجليز ولم يوالوهم. مع أن الحقيقة غير ذلك فقد ذكرت س. بيل "إحدى المسئولات الإنجليز" أن قادة الإنجليز خرجوا من بريطانيا، ولم يكن في تفكيرهم إعطاء حق الدولة للأكراد، وأن اتفاقية سايكس بيكو "1916" كانت قبل ذلك.

3- السبب الثالث: الإمكانيات الضخمة التي حصلت عليها الأحزاب القومية من الشرق والغرب؛ بينما الإسلاميون ليس لهم معين إلا الله، ثم الاعتماد على مواردهم الذاتية.

4- وسائل الإعلام الغربية والشرقية والعربية وغيرها تبرز الحركات العلمانية في العالم وتعتني بها وتضخم من قدراتها.

5- الأمر الأخير: أن الحركات الإسلامية لم تُول عنايتها في كردستان ولم تقم بواجبها نحوها؛ فالحركة الإسلامية في المناطق العربية أو التركية لم تبذل الجهود المطلوبة لإنشاء حركة إسلامية قوية في كردستان، ولذلك تأخرت الجماعة الإسلامية في كردستان ولم تدعم الدعم المطلوب. ومع ذلك فأطمئنكم أن الدعوة الإسلامية في كردستان بخير، وأنها تسير سيرًا حثيثًا وبخطوات ثابتة راسخة.


المستقبل تحت الحماية الدولية

  • المجتمع: ما هو تعليقكم على ما خرجت به المعارضة العراقية من نتائج في اجتماعها الأخير في كردستان؟
  • د. القرة داغي: تعليقي أننا بحاجة إلى العمل والتوحيد ووضوح الهدف والرؤية: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).
  • المجتمع: كيف يعيش الأكراد داخل كردستان الآن في ظل الحماية الدولية؟
  • د. القرة داغي: يعيش الأكراد في ظل الحماية الدولية من الناحية الأمنية، فالناس آمنون مطمئنون لا يخافون من زوار الفجر ومن الاعتداءات كما كانت في ظل النظام البعثي الصدامي، ولكنهم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية فهم في محنة شديدة ومجاعة كبيرة، حيث كانوا منتجين فأصبحوا بعد تدمير قراهم مستهلكين، وهذه الحالة الشديدة تتطلب وقفة إسلامية ودعمًا من الخيرين، ثم إن نظرتنا نحو ذلك هي النظر إلى حالة الضرورة. فهذه الحالة استثنائية.

توقعات الحل والمخاطر القائمة

  • المجتمع: هل ستظل القضية الكردية في تصوركم قضية مزمنة، أم تتوقعون لها حلًّا؟ وما هو مستقبل القضية الكردية من خلال هذا الحل؟
  • د. القرة داغي: في اعتقادي أن القضية الكردية ستظل قضية مزمنة ومقلقة إلى أن يشاء الله تعالى؛ لأنه ليس من مصلحة الدول الكبرى حلها، فإن بقاءها كقنبلة موقوتة هو المطلوب، وهي ضمن القضايا الكبرى المرتبطة بمستقبل هذه الأمة المسلمة، فإذا حققت أهدافها وتحقق تطبيق شرع الله فإن الأكراد سينعمون بالحل الإسلامي.

وأما مستقبل القضية الكردية فهو بيد الله تعالى، ولكن في نظرنا أن كردستان العراق ستبقى على حالة من الأمن فترة من الزمن، وسيكون لها بعض حقوقها ولن تعود الحالة السابقة إلى كردستان إن شاء الله.

ولكن الدور يمكن أن يكون لكردستان تركيا حيث تُتوقع مزيدًا من العنف من طرف الحكومة والأحزاب القومية ما دامت الحكومة لم تحل المشكلة حلًّا واقعيًّا وسياسيًّا، فلا يمكن طمس هوية 15 مليون كردي في تركيا، وتركيا على بركان من الانفجارات إذا راجعت نفسها، ولم تستفد من تاريخها فالحالة التي تمر بها تركيا شبيهة بالحالة التي كانت عليها في بداية هذا القرن حيث تفككت، وأنا في اعتقادي أن المسئولين الأتراك يحسون بهذه الخطورة ويبحثون عن الحل، لكن ليس الحل المطلوب، ولذلك عقدوا أكثر من مؤتمر حول هذا الموضوع، غير أنهم لا يبحثون عن الحل الحقيقي لهذه المشكلة وهو الحل الإسلامي المجرب خلال 13 قرنًا.

وكذلك الأمر في أكراد إيران حيث إن لم تحل مشكلتهم على ضوء الإسلام الحقيقي وتحقيق العدالة والمساواة والرفاهية، فإن المخاطر تهدد الجميع، فإخفاء النار لا يقضي عليها، بل معظم النار من مستصغر الشرر، وكذلك الأمر في سوريا.

وأنا هنا أدعو جميع الحكومات المعنية بالقضية الكردية لبحثها بعقلانية وسعة صدر ومناقشة جميع الحلول الممكنة حتى تتفرغ هذه الدول وشعوبها للتقدم والازدهار، فَلْنَكْففْ عن العنف بل علينا أن نظهر صوت العقل والأخوة والوحدة والحقوق المتقابلة والاعتراف بها.

وكلمة أخيرة: أدعو إخواننا في العالم الإسلامي ولا سيما في الخليج بالعناية بالشعب الكردي أحفاد صلاح الدين، فلا يجوز تركهم وإهمالهم للمنظمات التنصيرية والإلحادية، فالأكراد هم بعدهم الاستراتيجي توجب العناية بهم.. والله المستعان.



 اقرأ أيضا

القومية الكردية وتقسيم المُقَسَّم

الرابط المختصر :