العنوان ذكرى صبرا وشاتيلا والخرافة الإسرائيلية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 74
نشر في العدد 683
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
وتعود الذكرى الدموية ثانية لتؤكد ثمة حقائق كانت سببًا للمأساة العربية الدامية التي ما زالت تجرجر ذيولها على أرض الأمة.
.. تعود ذكرى المأساة في صبرا وشاتيلا معلمة أن الأوضاع العربية ما زالت كما كانت عليه يوم الجريمة اليهودية الدموية.
.. وتعود الذكرى لتؤكد أيضًا أن الخرافة اليهودية التي آمن بها السادات المستسلم أصبحت سياسة واقعة أمن بها نفر غير قليل من أصحاب القرار السياسي في بعض الدول العربية.
.. وتعود الذكرى لتؤكد أيضًا أن المجزرة ما كانت لتحصل لولا امتداد الرغبة اليهودية إلى داخل بعض الأجسام الحاكمة على أرض المواجهة العربية..
وإذا كانت أحداث طرابلس والبقاع وبيروت قد كشفت عن بعض الأطراف العربية التي تساوت مع اليهود بالفعلة والجريمة.. وإذا كانت أدوار الجريمة قد اقتضت أن يقوم بعض العرب بشق المقاومة الفلسطينية وضرب المقاومة اللبنانية.. وإذا كان الصمت -آنذاك- هو القاسم المشترك بين معظم القوى الحاكمة المتفرجة.. فإن صبرا وشاتيلا ومن قبلهما تل الزعتر والمسلخ والكرنتينا.. ثم مخيمات طرابلس والبقاع الحزينة ستشهد للتاريخ أنه لم يكن الإسرائيليون بمفردهم هم الجزارون.. فهناك من العرب -وللأسف- من أمسك بزمام الخرافة الإسرائيلية أكثر من الإسرائيليين.. وهناك من ينتسب إلى هذه الأمة، وقد أعطى العهد سرًّا أو علانية لبني إسرائيل!! ترى أليس في صبرا وشاتيلا وغيرهما شواهد على هذه الحقيقة أيها السادة؟ أليس في جرائم الكتائب وغيرهم من الطوائف العربية!! الإسلامية ألف دليل على إيمان بعض العرب بالخرافة اليهودية؟
إن جريمة صبرا وشاتيلا ومأساتهما ليس ذلك الحدث المختصر في أسبوع أو شهر أو سنة.. إنه امتداد طويل في عمر السياسة القائمة على أرض المواجهة العربية يبدأ مع الخيانة عام 1948.. ولن ينتهي طالما دولة اليهود قائمة على أرضنا المسلمة.. ولن ينتهي طالما هنالك بين ظهراني هذه الأمة من يتمسك بالخرافة اليهودية، ويؤمن بالسلام مع جزاري التاريخ العربي.
وإذا تجاوزنا هذه الصورة العربية إلى الموقف الدولي من المجزرة منذ دير ياسين إلى مجازر لبنان في صبرا وشاتيلا والبقاع وطرابلس.. فإننا نقف على الحقيقة الثانية الثابتة في تواطؤ المجتمع السياسي العالمي مع الرغبة اليهودية وهو تواطؤ يشمل قوى الكتل المختلفة من صليبية استعمارية وشيوعية إلحادية متآمرة.. ولعل مواقف تلك القوى هي التي تشهد للتاريخ أن مصداقية تعاون القوى الدولية المختلفة مع بعض الأنظمة في المنطقة من أجل الصالح العربي ما زالت مصداقية منتفية.. فكل رغبة كلامية تعلن عنها القوى الدولية للاصطلاح مع الموقف العربي تترجم عمليًّا لصالح الرغبة اليهودية.. وإذا كان الملك حسين أضاف إلى التاريخ السياسي العربي شهادة رسمية باسم الذين جربوا صداقة الغرب أدلى فيها بانتفاء المصداقية الأمريكية في التعاون مع الحق العربي فإن السؤال الذي تطرحه دماء المجزرة هو:
ماذا فعل العرب مع أمريكا بعد الإعلان عن انتفاء مصداقيتها رسميًّا؟ قد تكون الإجابة الرسمية على هذا السؤال تحمل شيئًا من الديبلوماسية التي لا توصف بالوضوح.. أما الإجابة الشعبية من محيط الأرض العربية إلى خليجها فستشهد أن العلاقة مع الأمريكان وهم الأوصياء على دولة إسرائيل لم تعد على الأمة العربية إلا بالخديعة والوقيعة.. وما زالت إجابة الشعوب تشهد أن الأمريكان وحلفاءهم هم شركاء اليهود في المجزرة العربية.. وتشهد أيضًا أن قوى الاستعمار الغربي والشرقي ما هي إلا شريكة في اصطناع الخرافة الإسرائيلية المتمثلة بديباجة المسألة السلمية بين العرب وإسرائيل.. وتشهد أيضًا أن اصطناع القوى الاستعمارية للعملاء على أرض الأمة هو ركن أساسي من أركان المأساة العربية.
وخلاصة القول فإن مجازر اليهود منذ يوم دير ياسين وقلقيلية وكفر قاسم إلى يوم تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وغيرها قامت على أبعاد ثلاثة.. الإجرام اليهودي.. والتواطؤ الدولي.. وعمالة بعض أبناء جلدتنا على أرض المواجهة العربية.
- لكن ماذا على شرفاء الأمة اليوم؟
إن أمة الإسلام لن تخلو من الوجود الشريف في بعض المواقع.. وهؤلاء مطالبون من جميع شعوب الأمة الإسلامية بالخروج إلى دائرة الضوء.. فالركون والتفرج والصمت إدانة.. ولا بد من موقف شريف واضح لهؤلاء الشرفاء.. ولتكن خطوتهم الأولى إدانة جميع شركاء المجزرة في الساحة العربية وكشفهم أمام الأمة.. وسوف تلتف شعوب الأمة بجموعها حول الموقف الشريف الواضح.. وستعتصم الأمة كلها مع صاحب الخطوة الأولى على طريق الشرف.. فهل آن أن يهب هؤلاء.. وهل حان ميعاد الصحوة المأمولة.. أم ستبقى على قلوب أقفالها بينما تسرح الخرافة اليهودية وتمرح خلف الكواليس المقفلة إلى أن يجعل الله أمرًا كان مفعولًا!؟