العنوان ذلك اليوم الثقيل.. ولكن!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013
مشاهدات 49
نشر في العدد 2057
نشر في الصفحة 66
السبت 15-يونيو-2013
(*) مفكر إسلامي - أكاديمي عراقي
الفارق بيننا وبينهم أنهم يرون الحياة الدنيا البدء والمنتهى وخاتمة المطاف.. وأننا نراها ذرة لا تكاد ترى تسبح في ملكوت الكون الكبير، مجرد خطوة عابرة إلى الأبدية.
الفارق بيننا وبينهم أنهم دنيويون إلى النخاع، مستعدون أن ينشبوا أظفارهم وأسنانهم في لحم الأرض وعظمها من أجل امتلاكها والهيمنة عليها، وهم من أجل ذلك يتحولون إلى وحوش وضوار لتمزيق أجساد الآخرين، بأي أسلوب كان، وبغض النظر على الإطلاق عن تناقضه مع منظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية.
والطريقة التي اغتيل بها شيخ المجاهدين أحمد ياسين يرحمه الله تعالى تعكس بوضوح كامل هذا اللهاث المحموم وراء إغراءات دنيا لا تساوي شروى نقير!
الشهادة عندنا رفض لهذه الرؤية السافلة، واستعلاء عليها ومن أجل ذلك أصر الشيخ، كما حدثني بعض الإخوة الفلسطينيين على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلاة، رغم تحذيرات إخوانه يبدو أنه كان يريد أن يتوج حياة مترعة بالدهشة والعطاء، والفدائية، والملحمية.. بما يليق بها.
وعبر تاريخنا الطويل كان «الاستشهاد دائمًا هو بداية الطريق وليس خاتمته، بينما تمضي قوافل الإسلاميين تجابه التحديات وتصنع الحياة؛ لأن الأشخاص يموتون والله سبحانه وتعالى.. الله الذي ننتمي إليه ونعمل تحت خيمته.. حي لا يموت.
والمقاومة الفلسطينية الإسلامية تعمل تحت خيمة الله فهي ماضية في رسالتها سواء كان الشيخ أحمد ياسين حيًا أم ميتًا فالمهم أن «الرسالة» التي نذر نفسه لها قد تسلمتها الأيدي المتوضئة التي عرف كيف يصوغها ويحملها الأمانة، فهي على العهد الذي قطعته فلن تخذله أبدًا.. وسواء كان خليفته د. عبد العزيز الرنتيسي حيًا أو ميتًا، وسواء كان قائد «كتائب القسام» أحمد الجعبري حيًا أو ميتًا.
ومن قبل، عندما صُدم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفاته، بل إن بعضهم لم يصدق النبأ، طلع عليهم أبو بكر الصديق لكي يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقَبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشاكرين﴾ (آل عمران:144)، بهذا الحسم القرآني قدر الصديق على إقناعهم وإنزال السكينة في قلوبهم؛ لكي ما يلبثوا بعدها أن يواصلوا الطريق الذي شقه لهم رسولهم القائد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فسحقوا حركة الردّة، وقضوا على ادعاءات الأنبياء الكاذبين، ثم توجهوا بعدها لتنفيذ الإستراتيجية الجهادية التي بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسقاط القيادات البشرية الطاغية وتحرير الإنسان؛ فأزالوا إمبراطورية الفرس الساسانيين من الوجود، وحرروا ديار الشام وفلسطين ومصر من قبضة البيزنطيين.
بل إن حركتهم هذه، وإصرارهم المدهش هذا، مضيًا لكي يلاحقا البيزنطيين في الأناضول، ويحاصرا القسطنطينية - عاصمتهم - أكثر من مرة، حتى أذن الله بالفتح، وقيض لها القائد العثماني الشاب محمد الفاتح لكي يحقق الهدف الكبير للآباء والأجداد، ويدخل القسطنطينية في أعقاب معركة طاحنة جرت في شوارع المدينة وأزقتها وأحيائها، واستشهد خلالها خمسون ألفًا من المسلمين!
الأحفاد الفلسطينيون يحملون الراية نفسها ويمضون في طريق المقاومة، وهدفهم القدس التي سبق وأن حررها الأجداد مرتين مرة من قبضة البيزنطيين على يد عمر بن الخطاب، وأخرى من قبضة الصليبيين على يد الناصر صلاح الدين الأيوبي، وها هي المقاومة الفلسطينية تواصل الطريق لتحريرها للمرة الثالثة.
كنت في ذلك اليوم الثقيل في الدار البيضاء ذاهبًا إلى إحدى جامعاتها لإلقاء محاضرة هناك، وعند دخول الجامعة كانت ثمة حركة غير اعتيادية وتجمع طلابي، وهتافات وكلمات وما لبث النبأ أن انقض علينا بقسوة لا ترحم، واضطررنا إلى كبت الحزن العميق في قلوبنا جميعًا، ووجدتني أستبدل المحاضرة التي كنت قد أعددت لها مسبقًا بأخرى، تحدثت فيها عن هذا الذي سبقت به سطور المقال «شيخ المجاهدين أحمد ياسين»؛ لكي ما ألبث أن أختمها بالقول: وسلام على الشيخ المجاهد الذي صنع أولى ملاحم القرن، وتصدى وأبناؤه البررة لأبشع مجزرة في العصر الحديث.. سلام عليه يوم ولد، ويوم صنع المعجزة، ويوم لقي ربه راضيًا مرضيًا.
ويقيناً فإن الساحة الفلسطينية التي أنبتت «الشيخ» تنطوي على ألف وعد بإنبات «أحمد ياسين» آخر.. ولن تكون جريمة العدو الكبرى هذه خاتمة المطاف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل