; رأي المجتمع(1578) | مجلة المجتمع

العنوان رأي المجتمع(1578)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 68

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 9

السبت 22-نوفمبر-2003

 

مشاهد العشر الأواخر من رمضان تجسد

معاني الوحدة ضد مخططات الأعداء

يوشك الشهر الكريم على الرحيل ومازال المسلمون يعيشون نسماته الإيمانية وفيوضاته الروحية.. صائمين.. قائمين.. متبتلين.. يرجون رحمة ربهم ومغفرته ضارعين إليه سبحانه أن يعتق رقابهم من النار، وصدق رسول الله ﷺ وهو يحدد مراتب الخير في هذا الشهر الكريم إذ يقول في حديث ما معناه: «إن أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار...».

وفي الوقت الذي يحتشد فيه ملايين المسلمين في بيوت الله في شتى بقاع الأرض، يحتشد أكثر من المليون مسلم في بيت الله الحرام في مشهد إيماني يهز القلوب ويشعر المؤمن بعزة الإسلام عندما يلتقون على قلب رجل واحد.. ويتجهون نحو قبلة واحدة.. يوحدون الواحد الديان ويرجون ثوابه ومغفرته.

إن هذا المشهد الإيماني الكبير الذي يتكرر كل عام يحيي في قلوب الأمة معاني الوحدة والاعتصام بحبل الله المتين والوقوف صفًا واحدًا في معية الله سبحانه وتعالى، وفي هدى شرعه أمام المحن والخطوب والمخططات الخبيثة والهجمات الشرسة التي يمارسها أعداء الإسلام، وهي الهجمات التي تأتي في إطار المشروع الغربي الصهيوني الكبير لإلحاق العالم الإسلامي، هوية وتعليمًا وثقافة واقتصادًا وسياسة، بالغرب بزعم أن ذلك هو الطريق الأمثل للاستفادة من الحضارة الغربية الحديثة وتقدمها الصناعي والتقني والاقتصادي، وهي الدعوات الزائفة ذاتها التي يسوقها الغرب ويروج لها في بلادنا، دون جدوى، منذ قرن من الزمان.

وقد أثبتت وقائع التاريخ وأحداثه أن هدفها الأول والأخير هو محاصرة الإسلام ومحاولة وقف عده النوراني المبارك وضرب الصحوة الإسلامية التي تزداد انتشارًا، وتلك الأوية الصادقة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها، وهو ما أشعل الحقد في قلوب أعداء الله.

وفي الآونة الأخيرة اشتدت الهجمة على الأمة الإسلامية متخذة أشكالًا عديدة ورافعة شعارات كاذبة مستهدفة من جديد عقيدة الأمة وهويتها وترابطها ووحدتها، وتتمثل معالم تلك الهجمة في هذه المحاولات الدؤوبة للربط المباشر وغير المباشر بين الإسلام والمسلمين من جانب «والإرهاب» من جانب آخر، وتصوير المسلمين في صورة ظالمة على غير حقيقتها، ويقوم بالترويج لذلك جهات عدة، إذ تتعاون الآلة الإعلامية الغربية مع الآلة السياسية في تشويه الإسلام والتجني على المسلمين، حتى كانت هذه الحملة تضع العالم أمام خيارين إما الأمن والسلام وإما الإسلام وهي معادلة ظالمة كاذبة يسعى أعداء الإسلام إلى تسويقها.

 وفي محاولات متواصلة تسعى الحملة الغربية الصهيونية إلى تجفيف ينابيع الثقافة الإسلامية وقطع الصلة بين الأجيال المسلمة، ومبادئ دينهم الحنيف فابتدعت فرية أن التعليم الإسلامي هو المسؤول عن تفريخ الإرهابيين، داعية إلى إلغاء هذا التعليم وإغلاق معاهده ومؤسساته، والحقيقة الواضحة التي ترد على تلك المزاعم تنطق بأن التعليم الإسلامي والمناهج والمدارس الإسلامية المنتشرة في أرجاء العالم الإسلامي منذ أربعة عشر قرنًا لم تخرج أبدًا أناسًا يعتدون أو يروعون الآمنين أو يسفكون الدماء، لإشباع نزواتهم كما يحدث في الغرب نفسه، وإن الشواهد الحية تؤكد أن التعليم الإسلامي كان دومًا يقوم على تعليم الإسلام الصحيح الصافي والمعتدل وأنه بذلك كان صمام أمان وأمن للأمة أمام موجات الإفراط أو التفرط، كما أنه كان دومًا حاميًا للأمة من موجات الغزو الثقافي الغربي.

 وقد تجلت الحقيقة فيما يراد للتعليم الإسلامي من إلغاء وتغييب لإفساح الطريق أمام الترويج لما يسمى بثقافة السلام مع العدو الصهيوني، وهو ما يعني في التحليل الأخير الرضوخ الذليل والتسوية المهينة بالأمة الأمر الذي ترفضه الشعوب المسلمة رفضًا باتًّا.

وعلى صعيد متواز تسعى الحملة الغربية الصهيونية إلى تجفيف ينابيع العمل الخيري داخل الأمة الإسلامية زاعمة أن أموال العمل الخيري الإسلامي تتوجه لدعم الإرهاب وهي كذبة أخرى ثبت تهافتها، وبدا أن الدافع وراءها هو تجفيف ينابيع التكافل والتراحم بين أبناء الأمة والتي تجعل منهم جسدًا واحدًا، والحقيقة الناصعة هي أن العمل الخيري الإسلامي بإنقاذه الفقراء من غول الفقر وانتشاله المنكوبين والأيتام والمشردين من بين أنياب المحن، إنما يسهم في معالجة أسباب الإرهاب ودوافعه ولو ترك هؤلاء بين أنياب الفقر والكوارث والمحن دون إطعام وتعليم وتطبيب لأصبحوا مشردين وقد يندفعون إلى التطرف والإرهاب.

 إن هذه الحملة الغربية الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين تؤكد من جديد أن الغرب مازال يتميز حقدًا على الإسلام، ولو ثاب الغرب إلى رشده وتحرر من عقده النفسية ونظر إلى هذا الدين نظرة عادلة ودرسه دراسة محايدة لما وجد منهاجًا غيره لإصلاح الكون أفرادًا وجماعات ومجتمعات لكن يبدو أن السياسة الغربية أصيبت بحالة من العمى فسدرت في حقدها وتمادت في فيها.

تلك الأخطار الكبرى والتحديات الخطيرة يتذكرها المسلمون اليوم وهم يحتشدون بين يدي الله وفي كنفه.. في العشر الأواخر من رمضان فيزدادون يقينًا بأن مواجهة هذه الأخطار والتحديات لن تتحقق إلا إذا أصبحت الأمة على قلب رجل واحد واعتصم الجميع بحبل الله المتين، ومن هنا فإن الأمة جمعاء حكومات وشعوبًا مطالبة بأن ترص صفوفها وتنبذ خلافاتها وأن تعود عودة صادقة إلى كنف ربها والاحتماء بحماه، ففي حماه سبحانه وتعالى القوة التي لا تعادلها قوة.. فمن كان الله معه لا يعجزه شيء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24)

الرابط المختصر :