العنوان رؤية أمريكية.. المشكلة في الشرق الأوسط تتمثل بالأصوليين المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1984
مشاهدات 69
نشر في العدد 679
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 17-يوليو-1984
في خطاب ألقاه أمام المؤتمر السنوي «للجماعة الأمريكية لمحرري الصحف» «الذي عقد في فندق شراتون بالعاصمة الأمريكية في ٩ مايو ١٩٨٤م»، قال الرئيس الأمريكي الأسبق «ريتشارد نکسون» بالحرف الواحد: «إنني برو إسرائيل PRO ISRAEL- أي تابع لإسرائيل -، كما أن كل واحد في هذا المجمع برو إسرائيلي»، هكذا بكل صراحة ومن غير خجل، لم يقل أنا مؤيد لإسرائيل، ولم يقل أنا أساند «إسرائيل»، بل قال: «إنني تابع لإسرائيل»!!، «وصوّر للحاضرين أنهم كذلك «برو إسرائيليون!!». التبعية لليهود:
جاءت كلمته هذه ردًّا على سؤال حول المعاهدة الإستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، التي تحتوي من المؤامرة والمخططات الرهيبة ما تحتوي، والتي ربما لا نعرف منها إلا القشور على أنها تستهدف الوجود الإسلامي على العموم، وخاصة فيما يسمونه بـ «منطقة الشرق الأوسط»، واستئصاله بشتى الوسائل؛ لكي لا يقوم أمام أطماع الصهيونية أي عائق بعد إزاحة تلك الصخرة المستعصية عن الطريق.
واستطرد كلامه، محاولًا استدراك شيء ما فقال: «ولكن ليس معنى ذلك أن نترك حلفاءنا في المنطقة»، فذكر بعض الأنظمة العربية بالاسم، التي كثيرًا ما يصفها الزعماء الأمريكيون ووسائل الإعلام الأمريكي بـ «الدول الحليفة» و«الدول المعتدلة» و«الدولة التابعة للغرب PRO-WESTERN».
- الإسلام هو الخطر:
ثم تطرق «نكسون» في كلامه إلى موضوع في غاية الخطورة لا يجوز أن يفوتني نقله إلى أبناء الحركة الإسلامية، لقد بدأ يحلل مشكلة «الشرق الأوسط» بكلام مثير جدًّا، قال فيه: «قد يقول البعض إن
السوفيات هم المشكلة، أجل، إن لديهم أطماعًا إستراتيجية، ولكنني أرى أنه حتى لو نال السوفيات مطامعهم فلا تنحل المشكلة، ولقد يقول البعض الآخر: إن الفلسطينيين هم المشكلة، وإنني أقول حتى لو أن المشكلة الفلسطينية انحلت، فلن تهدأ مشاكل المنطقة»، ثم قال بالحرف الواحد: «إن مشكلة الشرق الأوسط إنما تتمثل في المسلمين الأصوليين»، يعني الحركات الإسلامية، وقادتها الذين يريدون أن يؤسسوا دولة إسلامية من شمال أفريقيا إلى إندونيسيا، و يعيدوا الحاضر «يعني الأوضاع الراهنة في العالم المسمى بـ «الإسلامي»، ويراها أوضاعًا طبيعية» إلى الماضي المتخلف!!، يعني أيام أن كان المسلمون أعزاء ذوي شوكة»، هكذا يرى الرئيس الأمريكي الأسبق جوهر المشكلة في الشرق الأوسط، وليس وحده هو الذي أعرب عن قلقه تجاه اليقظة الإسلامية المتمثلة في الحركات الإسلامية، ولكنه من القلائل الذين يعربون عن قلقهم جهارًا أمام الناس وعبر وسائل الإعلام.
وجدير بالذكر أن «نكسون» هذا هو الذي نهج سياسة «ديتون» يوم أن كان على رأس الإدارة الأمريكية في بداية السبعينات، وهي عبارة عن بحث وسائل «للتعايش السلمي بين الشرق والغرب»، وغريب جدًّا أن محادثات «ديتون» كانت محاطة بسرية تامة، الأمر الذي كشف عنه «نكسون» في خطابه؛ حيث قال ما معناه: إن التعامل مع حكومة بروليكارية «مستبدة » كالسوفيات لا يستغني عن السرية في المحادثات، ولعل هذا طرف يسير من الأسرار الرهيبة، التي لعب فيها اليهودي الماكر «هنري كيسنجر» دورًا خطيرًا لرسم خطة صهيونية- عالمية، اشترك فيها الروس والأمريكان؛ لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ أمريكية وروسية، وهذه حقائق كشف عنها سياسي أمريكي وأذاعتها محطة «أي. بي. سي» التلفزيونية، وقد وصل به الانفعال إلى حد أن ينبز كيسنجر بألفاظ قاسية، ويقول: إن هنري كيسنجر وبیرتراند رسل «الفيلسوف البريطاني» قد ساهما في مؤتمر سري مع زعماء سوفيات لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ أنجلو أمريكية وسوفيتية، واستدل هذا السياسي بكثير من تصرفات كيسنجر السياسية، وخاصة فيما يتعلق بمحادثات الحد من الأسلحةالإستراتيجية.
- شامير وأمن إسرائيل:
وقد يذكرنا خطاب نكسون أمام المؤتمر المذكور، والذي أذاعته محطة «C-SPAN») في واشنطن بحديث أجرته محطة «CNN» التلفزيونية مع شمعون بيريز - رئيس حزب العمل للكيان الصهيوني- قبل شهرين تقريبًا، قال فيه: إنني لم أزر الولايات المتحدة للبحث عن الأوضاع اللبنانية ولا الوضع المتردي بين إسرائيل وسوريا، ولا حتى موضوع مشاركة الأردن في مشروع السلام!!!، إن من أهم الأسس في زيارتي للولايات المتحدة أن أدرس مع الزعماء الأمريكيين الحرب الخليجية، التي لها عواقب خطيرة على أمن إسرائيل.
- ومرشحو الرئاسة الأمريكية:
ولا غرو إذًا، والحالة هذه، أن نرى ونسمع من الساسة الأمريكان توكيدهم على وجوب حماية أمن إسرائيل «الكيان الصهيوني»، فهذا ريغان –الرئيس الحالي– يقول في خطاب أمام مجمع يهودي في واشنطن: «إذا طردت إسرائيل من الأمم المتحدة، فإن إسرائيل لن تخرج وحيدة، بل إن أمريكا وإسرائيل ستنسحبان معًا». ويقسم المرشح الديمقراطي للرئاسة وولتر مونديل – نائب الرئيس الأمريكي السابق – على أنه سينقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى «أورشليم» «القدس» فور توليه مهام الرئاسة إذا انتخب في نوفمبر القادم، ويقول أيضًا: «إنه سيحرم بيع أي أسلحة أمريكية متطورة إلى الدول الحليفة»!!! – ذكر المملكة العربية السعودية والأردن بالاسم –، لماذا يا ترى؟!!، يقول: «لأنه من الممكن أن تقع هذه الأسلحة في أيدي الإرهابيين، فيستعملوها ضد الطائرات المدنية!!!»، والحقيقة أنه أراد أن يقول: «أن يستعملوها ضد إسرائيل»، ومن هم الإرهابيون؟!!، الله أعلم.
• ومثل قوله هذا يقول منافسه في الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي السنتور غاري هارت: «إنه سينقل السفارة الأمريكية، ويعمل لصالح «إسرائيل» «الكيان الصيهوني»»، وكلاهما يسعى لابتغاء مرضاة اليهود، وخاصة في مثل هذه السنة الانتخابية، وموضوع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، التي يدعي الكيان الصهيوني أنها عاصمته الموحدة، موضوع ساخن في هذه الأيام، وتدور حوله مناقشات حادة في الكونغرس الأمريكي، وفي الأوساط الاجتماعية.
والذي يراقب تلك المناقشات ويتتبعها يرى مدى عمالة أكثر الساسة الأمريكان اليوم لليهود وللقضية اليهودية.
- تخوف شامل:
إن التخوف من اليقظة الإسلامية والقلق من «المارد الإسلامي» ليس مقصورًا على الأمريكان، الذين يمثلون قمة التآمر الصليبي – الصهيوني ضد الإسلام، بل إنه كذلك صار كابوسًا يطارد نفوس الحاقدين في أوروبا، وفي كل العالم الشيوعي منه والرأسمالي، فهذا فرناندو موران – وزیر خارجية أسبانيا - يعبر عن تخوف أوروبا المسيحية من الإسلام بقوله: «إن أكبر مشكلة لأوربا هي شمال أفريقيا، وظهور التشدد الإسلامي هناك، وأن ظهور التشدد الإسلامي في شمال أفريقيا سيكون حدثًا يقلب التوازن في منطقة مهمة بالنسبة لأوربا»، راجع المجتمع العدد (٦٥٦)، ٢٨ ربيع الآخر ١٤٠٤ هـ، ص (٥)، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠)، وقال أيضًا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ ﴾ (البقرة: ۲۱۷).
وأخيرًا، فإنني أسوق هذه الحقائق إلى أبناء التيار الإسلامي؛ لينتبهوا إلى خطورة الوضع المرحلي للحركة الإسلامية، وإلى المخططات والمؤامرات الرهيبة التي تحاك لصد تيارهم العرم، الذي لا يذر شيئًا من بنيان الجاهلية يأتي عليه إلا جعله كالرميم، الأمر الذي يدركه أعداء الإسلام من الصليبية الحاقدة، والصهيونية الغادرة، والشيوعية الحمقاء تمام الإدراك، ويحسبون له ألف حساب.
- التحذير القرآني:
وحكاية أعداء الله ومكرهم لهذا الدين ليست جديدة علينا، فلقد حكى القرآن الكريم في كثير من الآيات عن كيدهم ومكرهم ومحاولتهم لصد الناس عن الدين الحق، ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾(سورة الأعراف: ٤٥)، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢).
وكذلك حربهم على هذا الدين التي لا هوادة فيها على مدار القرون، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة:٢١٧)، ولكن الشيء الجديد هو الأسلوب المتطور لمحاربة هذا الدين، ومن بديهيات هذا الأسلوب رفع لافتات وشعارات «إسلامية» تنخدع بها الجماهير المضللة المغلوبة على أمرها، وهو أسلوب إظهار الاحترام للإسلام، والإشادة بفضائله وسماحته؛ لتخدير تلك الجماهير، وامتصاص آلامها ونكباتها، وذلك لحماية الأنظمة العميلة القابعة وراء تلك اللافتات والشعارات، وكذلك من خبث هذا الأسلوب الجديد حجز الشباب المسلم المتمسك بدينه، والذي يسعى إلى استئناف الحياة الإسلامية، حجزه في قفص الاتهام !!، يتهمون بالتطرف والعنف والغلو والإرهاب، ويوسمون بكل سمة تنفر الجماهير الغافلة عن مخلصها الحقيقي، والغريب جدًّا أن نرى بعض أبناء جلدتنا يكيلون نفس الاتهامات للشباب البرىء العزل، ويصبون عليه كل أنواع التيئيس والتقعيد عن العمل من أجل إنقاذ الأمة، فتراهم يتفننون في تحليل ما سموه بقضية «التطرف الديني»، التي أشاعتها أبواق الأعداء عبر وسائل إعلامها كظاهرة مرضية يجب محاربتها، واجتثاث جذورها قبل أن تستفحل!!، وهي تستهدف من رواء ذلك كله الصحوة الإسلامية والتحرك الإسلامي، الذي لا يخاف المعسكران الغربي والشرقي شيئًا مثل خوفهما من التيار الإسلامي، الذي بدأ يتعاظم في السنوات الأخيرة، وهؤلاء «العلماء» لم يقعوا في فخاخ الأعداء إلا بعد أن رضوا بالحياة الدنيا، وابتعدوا عن ساحة المعركة، وأصبحوا يجيدون فن «تشخيص الأمراض»!!، «ومعالجة المرضى!!»، إن الأنظمة العميلة، لا الحركات الإسلامية هي التي تتسم بالإرهاب والتطرف والتخدير والتخريب بشنها حرب الإبادة على الصحوة الإسلامية، وعلى الدعاة تعرية تلك الأنظمة من أقنعتها المضللة، التي تتستر وراءها لتخفي وجهها الحقيقي عن الجماهير المخدوعة، وكذلك إنزال اللافتات والشعارات المزيفة التي نصبتها الصهيونية – الصليبية – الشيوعية العالمية على تلك الأنظمة العميلة؛ لجعلها مخلصة في أعين الجماهير المحرومة والمسلوبة الكرامة.