العنوان رؤية إسلامية للنظام الاقتصادي الغربي.. النفعية والحتمية لتبرير الفقر
الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1985
مشاهدات 48
نشر في العدد 708
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-مارس-1985
. ليس الفقر في الإسلام ظاهرة حتمية ولا مجهولة الأسباب وإنما هي مسألة يمكن تحديها بدقة.
. في النظام الإسلامي.. إذا لم تف الزكاة بحاجات المسلمين فعلى الحكومات الإسلامية أن تأخذ من ثروات الأغنياء ما يغطي حاجة الفقراء.
ولا شك أن الإسلام يدعو إلى القوة بكل معانيها، بما في ذلك قوة المال. ولكن القوة والثروة في الإسلام ترتبطان بالعقيدة والأخلاق.
ويعتبر الإسلام كلا من القوة والثروة وسيلة لا غاية، أي وسيلة لتحقيق الحياة الطيبة التي نقوم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل- ٩٧)
ومن هنا كان من أهم الفروق الجوهرية بين الحضارتين الغربية والإسلامية تميز الحضارة الإسلامية بموقفها الإنسان من الضعفاء، وأنها تتخذ من القوة والثروة وسيلتين لحمايتهم وأداء حقوقهم.
ومن أهم أسباب الضعف التي تعرض للإنسان:
- الضعف من جهة المال : كالفقراء والغارمين.
والضعف من جهة الحرية كالرقيق.
والضعف من جهة الوطن: كالغرباء.
والضعف من جهة السن: كاليتامى والأطفال وكبار السن «وبخاصة الوالدين»
والضعف من جهة البنية ومشقات الحمل والوضع : كالنساء.
وقد فرض الإسلام حقوقًا إنسانية واجتماعية ومالية لكل هؤلاء الضعفاء، ووضع كثيرًا من التشريعات لحماية هذه الحقوق: كتشريعات الزكاة وإنفاق العفو والصدقات والأوقاف وتحرير الرقيق، ومعاملة المعسرين ومساعدة الغارمين، وحقوق الوالدين والأولاد وذوي القربى وحقوق اليتامى والنساء وأبناء السبيل.
بل لقد أكد الإسلام أن من بين أهداف شريعاته في القتال حماية المستضعفين كما قال تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴾ (سورة النساء- 75 )
محاولة تبرير الفقر بالنفعية والحتمية:
وتتمثل هذه المحاولة في اتجاه أصحاب المذهب النفعي UTILITARIANSM من الفلاسفة الاجتماعيين وبخاصة بنتام وأتباعه BENTHAM
وهذا الاتجاه يؤيد الاقتصاد الرأسمالي الحر ويحدد هدفه بأنه: تحقيق أكبر نفع لأكبر عدد من الناس، ومن ثم أطلق اصحاب هذا الاتجاه الحرية للفرد لتحقيق مصالحه الفردية المادية، في مجتمع رأسمالي يترابط أفراده أساسًا بهذه المصالح. وقالوا بأن الفقر والتعاسة والحرمان والشقاء لا بد أن توجد في المجتمع الرأسمالي «كما توجد في غيره»، لأنها ظواهر حتمية في الحياة الإنسانية.
موقف الإسلام من هذا الاتجاه:
يتلخص موقف الإسلام من هذا الاتجاه في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا: مفهوم النفع والضرر في الإسلام لا يتحدد بمصالح بعض الأفراد والجماعات في بعض العصور والبيئات، ولا بالقوانين الوضعية التي تخدم هذه المصالح. وانما يتحدد بالمصالح الحقيقية للبشر جميعا في كل زمان ومكان. ويمكن التعرف على هذه المصالح من مصادر الإسلام وبخاصة من القرآن والسنة والشريعة:
أ - ففي القرآن تتحدد هذه المصالح بمفاهيم وتعاليم قرآنية كثيرة متقابلة : كالنفع والضرر والحلال والحرام والطيب والخبيث والاصلاح والافساد، والعدل والظلم والفلاح والخسران والسعادة والشقاء.. وغيرها . وكذلك بكل ما ورد في آيات الاحكام من تشريعات.
ب - والسنة النبوية هي المفسرة والمطبقة للقرآن، والمصدر الثاني للتشريع.
ج - وفي الشريعة بيان لكل تشريعات الإسلام الثابتة وكذلك تشتمل على الاجتهاد المواجهة الظروف المتغيرة. ومن أهم أهداف الشريعة الإسلامية المحافظة على الحياة الإنسانية بكل جوانبها، وبخاصة المحافظة على النفس والمال والعقل والعرض والدين، وتحقيق المصالح المشروعة للناس في كل زمان ومكان وبالإجمال يشتمل الإسلام على كل ما ينفع الناس في الدنيا والآخرة.
أما النظام الرأسمالي فقد يكون «نافعًا» في ظاهر الحياة الدنيا لبعض الناس «وهم الأغنياء» ولكنه في حقيقته ضار بكل البشر في جميع الاحوال، وضار بالأغنياء أنفسهم في الدنيا والآخرة ويكفي أنه يثير عليهم الحقد الطبقي وما يترتب عليه من آثار اجتماعية خطيرة تعصف باستقرار المجتمع، وقد تدمر كيانه كله.
ويكفي كذلك أنه يقوم على الربا والاحتكار والظلم الاجتماعي، ومن ثم يؤدي إلى كوارث اجتماعية وإنسانية متكررة: كالبطالة والتضخم، وانتشار الفقر والفواحش، وتشجيع العنصرية والاستعمار، وإثارة الفتن والحروب المحلية والعالمية.
ثانيًا: حرية التملك في الإسلام ليست حرية مطلقة، وإنما هي مقيدة بقيود كثيرة، تجعل من الملكية الفردية وظيفة اجتماعية الخير الفرد والمجتمع.
وأهم هذه القيود - بإيجاز - ما يلي:
۱ - أن الإنسان مستخلف في المال وليس مالكه الحقيقي: ويترتب على هذا الاستخلاف أن في مال الأغنياء حقوقًا مفروضة للقيام بمصالح المسلمين والزكاة هي الحد الأدنى من صور الإنفاق المفروضة للقيام بهذه المصالح والزكاة هي الحد الأدنى من صور الإنفاق المفروضة للقيام بهذه المصالح، وتنفق الزكاة على مستحقيها كما حددهم القرآن الكريم ( سورة التوبة -٦٠) ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ «أي المدينون المستغرقة اموالهم بالديون» وفي الرقاب «أي الأرقاء» وأبناء السبيل، وفي سبيل الله «وهو مصرف عام تحدده حاجات المسلمين وأولويات هذه الحاجات تبعًا للظروف:
كالتعليم والعلاج والجهاد وغيرها» فإذا لم تف الزكاة بحاجات المسلمين فعلى الحكومة الإسلامية أن تأخذ من ثروات الأغنياء ما يسد هذه الحاجات جميعا. ولهذا ذكرت الزكاة وذكر معها الإنفاق في آية البر (سورة البقرة ٢: ۱۷۷)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن في المال لحقا سوى الزكاة» وتلا آية البر«رواه الترمذي» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم» «رواه الطبراني في الاوسط والصغير».
٢ - أن يكون اكتساب المال من حلال، أي بالوسائل المشروعة في الإسلام وهي:
أ - العمل: أي الجهد الشخصي المشروع بكل أنواعه البدنية والعقلية والنفسية.
ب - حكم الشرع: كالمال المستحق بالإنفاق على الأسرة والقرابة والميراث.
ج - الأعمال المحرمة: كالاحتكار والاتجار بالمحرمات والميسر.
٤- تحريم اكتناز المال: ووجوب تداوله وتوظيفه في أعمال نافعة للمجتمع لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (سورة التوبة-43)
٥- تحريم أن يكون المال في أيدي القلة من الأغنياء: لقوله تعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأغنيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ أن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الحشر -7)
٦ - تحريم إنفاق المال في المعاصي والخبائث وكل ما حرم الله.
٧- وجوب الأعتدال في الأنفاق الشخصي: أي تحريم الإسراف والتقتير.
٨- تطبيق القاعدة الشرعية: لا ضرر ولا ضرار.
ثالثًا: ليس الفقر في الإسلام ظاهرة حتمية، ولا مجهولة الاسباب وأنما هي ظاهرة لها أسباب محددة او يمكن تحديدها بدقة، وكذلك تحديد المسؤولية الإنسانية عنها، كما يمكن علاجها وتحرير البشرية منها.
فليس من أسبابها زيادة السكان أو قلة الرزق أو ندرة الطعام، أو وجود صفات عرقية
متدنية في شعوب العالم الثالث، وراقية في شعوب الغرب، فكل ذلك - كما سبق بيانه - لا يفسر الفقر ولا يبرره، وأنما هي مزاعم باطلة تهدف إلى أن تجعل الفقر قدرًا محتومًا على شعوب العالم الثالث وحدها، أي على الشعوب الإسلامية، كما تهدف إلى أن تجعل الغنى من نصيب الغرب وحده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل