العنوان رحمة للعالمين
الكاتب وحيد الدين خان
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1183
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 09-يناير-1996
ما زالت الأمم والشعوب على اختلاف أدوار التاريخ تتعرض لشتى ألوان العذاب والدمار، جزاء إنكارها لرسالات الأنبياء؛ وذلك بمقتضى السنة الإلهية في الَّذين خلوا من قبل.. فكلما كذبت أمة برسولها وقابلته بالعناد والسخرية أهلكها الله بآية كارثة أرضية حينًا وسماوية حينًا آخر كما في قوله تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٠)، ثم شاءت إرادة الله في نهاية المطاف أن يبعث رسولًا تنتهي معه عملية التدمير والإهلاك هذه بالنسبة إلى أجيال البشرية القادمة. وقد تحقق هذا الغرض بواسطة النبي العربي r. ومن ثم أطلق عليه القرآن وصف ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء : ۱۰۷) وسنورد هنا أقوال بعض المفسرين في شرح هذه الآية.
جاء في تفسير القرطبي: قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١.٧)، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان محمد r. رحمة لجميع الناس، فمن أمن وصدق به سعد. ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق» (الجامع لأحكام القرآن 11/350).
وكتب ابن كثير يقول: فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس، قال: «من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة . ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف» (مختصر تفسير ابن كثير2/525).
وقال: صاحب «مدارك التنزيل» المعروف بالنسفي .. هو رحمة للمؤمنين في الدارين، وللكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف» (تفسير النسفي ٣/٩١).
ويقول أحد المفسرين المعاصرين «فكان رحمة للعالمين حتى الكفار رحموا به؛ حيث آخر عقوبتهم ولم يستأصلهم بالعذاب كالمسخ والخسف والغرق» (صفوة التفاسير للصابوني ٢/٢٧٧).
وروى البخاري في التاريخ عن أبي هريرة رضي الله عنه من حديث رسول الله r قال: «إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا». وقال: ابن عباس: «هو رحمة للكافرين في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال» «نقلا عن التفسير المظهري ٦/٢٤٤).
ولكن افتتاح «عهد رسول الرحمة في العالم لم يكن يعني ببساطة، مجرد التعيين «Appointment»، وإنما بناء تاريخ جديد، وقد كان ذلك يتطلب ظهور جماعة بشرية قوية تتكاتف مع رسول الرحمة لتفجير الثورة التاريخية المطلوبة من خلال الوفاء بكافة مطالبها ومستلزماتها وتكاليفها المادية والمعنوية، ولقد استطاع أصحاب الرسول r، بمستواهم الشعوري الأعلى وتضحياتهم العظيمة، أن يُكَوِّنُوُا هذه الجماعة القوية التي قامت بالتجسيد الفعلي لخطة الله الخاصة برسول الرحمة.
إن العالم الراهن، كما يراه القرآن الكريم، مكان ابتلاء وامتحان لقد زود الله الإنسان هنا بالحرية والاختيار لينظر من يعمل صالحًا ومن يعمل سوءً، وبناءً على هذا العمل ذاته. خيرًا كان أو شراء سيتم تحديد مصير الإنسان الأبدي في الآخرة... وإنما تأتي الرسل لتنبيه الإنسان على طبيعة الحياة هذه. وعندما انتهت سلسلة النبوة بخاتم الأنبياء ، شاءت إرادة الله أن يجعل من دين الرسول r بديلًا عن ذات الرسول r؛ بحيث يمكن للناس أن يهتدوا بكتاب الهداية المنزل على الرسول بدلاً من شخص الرسول!.
ولم يكن هذا ممكنًا إلا إذا صار الدين الإلهي محفوظًا إلى الأبد.. ولم يمكن ذلك بالفعل، عبر القرون الماضية، لكون الأنبياء السابقين لم يظفروا بمجموعة من المؤمنين ذات عدد عالم كبير تضطلع بأعباء حماية الدين والحفاظ عليه في الأسباب هذا.. ومن أجل ذلك ما برحت تعاليم الأنبياء عرضة للضياع أو التشويه والتحريف؛ حيث إننا لا نكاد تعثر اليوم على تاريخ موثوق به لأي نبي من الأنبياء السابقين، كما لم يعد كتاب أحدهم يحتفظ بأصالته وسلامة نصوصه من الإضافات البشرية.
ولكي يتحقق هذا الغرض كان لا بُدَّ من تحويل الدين الإسلامي من العقيدة المحضة أو النظرية البحتة إلى الثورة العملية على أرض الواقع المعيش. وأن يتم القضاء على شوكة القوى المعادية للدين حتى لا تنجح في محو معالمه كما حدث في الأزمان الغابرة. وكان لا بُدَّ من إخراج أمة قوية تقف حارسًا أمينًا على دين الله بصفة مستمرة. وأيضًا كان لابد من أن يبني تاريخ حضاري كامل على أساس من الدين الإلهي ليكون مثالًا عمليًا حيًا يحتذى به الناس في كل زمان ومكان.
لقد كان هذا المشروع، ولا ريب أعظم وأصعب مشروع في التاريخ البشري على الإطلاق. ولكن الصحابة وقفوا إلى جانب الرسول r صفًا واحدًا حتى استطاعوا تحقيقه على الوجه الأكمل رغم كل الصعوبات والعراقيل فقد اضطروا في سبيل ذلك إلى مفارقة أهلهم وديارهم.. ثم إلى الكفاح والجهاد الدائبين بأنفسهم وأموالهم دفاعًا عن الإسلام ورسوله ولقد خلفوا وراءهم مواقف بطولية رائعة للتضحية والفداء والتفاني في سبيل رسالة الحق . ما لا يوجد لها مثيل في تاريخ الأديان والمذاهب القديم والحديث معًا .. ففي معركة حنين، مثلًا، عندما حمى الوطيس وكاد الأعداء أن يفتكوا برسول الله أحاط به لفيف من الصحابة، بينما كان وابل السهام يتساقط على ظهورهم من كل جانب وهم لا يتزحزحون عن أماكنهم كما إنهم لم يلبثوا عقب وفاة الرسول r، أن اصطدموا بدولتي الفرس والروم الجبارتين لصيانة الدين الإلهي من نواياهما العدوانية.. إلخ.
لقد ضحى الصحابة الكرام بكل شيء، ودفعوا كل ثمن طولبوا به مهما كان غاليًا في سبيل مناصرة الرسول، وقد هينوا، بجهادهم العظيم ذاك تلك الظروف والأحوال التاريخية التي كانت ضرورية بموجب السنة الإلهية، لإنهاء سلسلة النبوة، وبالتالي إنقاذ البشرية من الهلاك الدنيوي العاجل مرة بعد مرة.
إن قيام نبوة الرحمة كان مشروعًا إلهيًا، بيد أن إنجاز هذا المشروع على صعيد الواقع العملي المعيش كان يتطلب رجالًا أفذاذًا يكرسون حياتهم في سبيله كأصحاب الرسول رضي الله عنهم أجمعين!!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل