; ردًّا على موضوع مولود حسب الطلب | مجلة المجتمع

العنوان ردًّا على موضوع مولود حسب الطلب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 916

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 16-مايو-1989


تحديد نوعية جنس الجنين علم مغيب عنا ولا يعلمه إلا علام الغيوب.

علماء الغرب ينفقون الأموال الطائلة من أجل تحديد جنس الجنين فلماذا نقتفي آثارهم وقد هدينا وكفينا؟!


لقد لفت انتباهي ما كتب في مجلتكم بعنوان «مولود حسب الطلب» يوم الثلاثاء 9/6 للدكتور/ نجم عبد الله عبد الواحد. فكنت أظنه قد وضع هذا العنوان لمجرد لفت الانتباه فحسب. ولكن بعد قراءتي عرفت أن هذا الموضوع هو في حقيقته ما دل عليه العنوان، وأعجب من هذا أن مجلة إسلامية كالمجتمع تنشر هذا الموضوع. ولكن ما أرضاني بعض الشيء هو أنه قد ختم مقالته هذه بقوله «تاركًا الباب مفتوحًا للمناقشة خاصة من جانبه الديني». فهنا ولله الحمد اطمأننت إلى أننا سويًّا نهدف للوصول لمرضاة الله فما كان يرضاه قبلناه وإلا فنضرب به عرض الحائط ولا نأبه به.

 

وبادئ ذي بدء أحب أن أفتتح الموضوع بآية لا أظن أن مسلمًا لم يقرأها في كتاب الله وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 34).

 

يقول ابن كثير رحمه الله: «هذه مفاتيح الغيب استأثر الله بعلمها فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى لها.. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى وشقيًّا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه» انتهى. ومقصود ابن كثير من قوله «ومن شاء الله من خلقه»، أي من استثناهم الله في قوله ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 27) بعد قوله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (الجن: 26).([1])

 

يقول ابن حجر رحمه الله: «فإنه يقتضي إطلاع الرسول على بعض الغيب والولي التابع للرسول.. والفرق بينهما أن الرسول يطلع على ذلك بأنواع الوحي كلها، والولي لا يطلع على ذلك إلا بمنام أو إلهام والله أعلم». وقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لأن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام..» يقول الشيخ أبو محمد بن أبي حمزة «عبر بالمفاتح لتقريب الأمر على السامع لأن كل شيء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيب عنك والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب فإذا أغلق الباب أصبح إلى المفتاح، فإذا كان الشيء الذي لا يطلع على الغيب إلا بتوصيله لا يعرف موصفه فكيف يعرف المغيب.. انتهى ملخصًا».([2])

 

أما الحديث الذي ذكرته وقلت إنه لمعناه، فحسب علمي والله أعلم- الحديث ليس باللفظ ولا بالمعنى فالحديث كما وَرَد في البخاري عن أنس رضي الله عنه- أن عبد الله بن سلام، سأل النبي صلى الله عليه وسلم- عن الشبه فقال: «وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له. وإذا سبقت كان الشبه لها». انتهى.

 

أما تحديد نوعية جنس الجنين فهذا مما علمه مغيب عنا ولا يعلمه إلا علام الغيوب والله أعلم.

 

فهذه أدلة نقلية من الكتاب والسُنة لا تخفى بإذن الله على من يدين بهذا الدين.

 

ثم قول الكاتب «إن هذه الدراسة أجريت على ٢٢ حالة للحصول على ذكر ونجح منها ١٩.. و» نقول إن هذا لم يحدث نتيجة للتجارب التي قلتم بنفسكم إنها فاشلة. فلم يأت ١٩ ذكرًا و ١٦ أنثى إلا لأن الله قدر ذلك ولا شأن لهذه التجارب التي قلتم بنفسكم إنها فاشلة. فالإنسان غالبًا ما يتمنى جنسًا معينًا فيأتيه هذا الجنس الذي أراده أو لا يأتيه. فلو جاءه ما أراد «من غير تجارب» لقلتم الصدفة. ولو جاءه «بعد التجربة» لقلتم نجحت التجربة. فأي انتصار حقيقي للعلم والتكنولوجيا الحديثة رحمكم الله؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن العزل قال: «وإنكم لتفعلون وإنكم لتفعلون. ما من نسمة كائن إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة».([3])

 

ولو تأملنا تلك الأبعاد المختلفة لهذا الموضوع:

 

ففي الأهداف الإنسانية كما تقولون «إن هذه الطريقة تعد خدمة البشرية الإنسانية نحو الخير والعمل على الوقاية من الأمراض قبل وقوعها» ثم قلتم «وجود أمراض وراثية تصيب الذكور فقط ولا تصيب الإناث يحتم عمل شيء رحمة بهذه الأسرة وهذا الطفل». فهل هذا العمل والتحكم -كما تسمونه- يُعد رحمة؟ وهل لو جاء المولود كما يقدر أرحم الراحمين لا يُعد رحمة؟ هذا خطأ شنيع وقعتم به.

 

ثم ذكرتم بعد عدة سطور «إن ذلك لا يخلو من الاعتداء على الروح الإنسانية.. وهو حلال في ظني» فنقول إن الحكم على هذا الشيء لا يأتي من خلال النظر بالعقل بل الأدلة ولا أستطيع أنا ولا أنت أن نحكم على هذا حسب ظننا بل نعتمد في ذلك على الكتاب والسُنة، ثم ما سطره لنا العلماء جزاهم الله خيرًا.. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

 

وكذلك في الأهداف السياسية قلتم «وهو لا شك تدخل مباشرة في الإرادة الإلهية وهو حرام في ظني» ثم ذكرتم مثل ذلك في الأهداف الشخصية الفردية فقلتم «فليس هناك إشكال على الحس الديني أو تدخل في الإرادة الإلهية وهو حلال في ظني» وذكرتم مثله بعدة أسطر.. فنقول: كيف يكون التدخل المباشر من الإنسان في الإرادة الإلهية؟ ولو حاول الإنسان ذلك هل يستطيع؟ بالطبع لن يستطيع الإنسان فعل ذلك. فهذه الطرق جميعها تعد سرًّا وأنتم تجرون خلفه. وعلماء الغرب حينما ينفقون الأموال الطائلة على هذا الموضوع لا لشيء إلا لأنهم لا يدينون بديننا. ولا يعلمون فهم جهلة. فلماذا نقتفي آثارهم ونحن قد هدينا وكفينا؟ ولا حاجة لنا بالبحث ما دمنا عرفنا حقيقة الأمر.

 

وقبل ذلك فأكثر الطرق التي ذكرت للحصول على النتائج المطلوبة لا أظن أن شريعتنا الإسلامية تسمح بها. وعفة المرأة المسلمة تأبى ذلك. ولا يسمح بالنظر للعورات للتداوي إلا للضرورة استحسانًا، فأي ضرورة هنا جزاكم الله خيرًا؟

 

هذا وأسأل الله التوفيق للجميع. فإن كنت قد جانبت الصواب في شيء مما ذكرته فجزى الله خيرًا من نبه عليه. فإن أحسنت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. والله أعلم.

 

وجزاكم الله خيرًا كثيرًا لإتاحة الفرصة لإبداء الرأي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

                                                                م . س. كلية الشريعة - الرياض

 

 

 

([1]) تفسير ابن كثير 3/388.

 

 ([2]) فتح الباري 8/514.

 

([3]) صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/١٠.

الرابط المختصر :