العنوان رسائل الإخاء: الاجتماع على الذكر
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 888
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 25-أكتوبر-1988
المسلم الحق هو من كان ذاكرًا لله على كل حال، كما كان يذكره أعرف الخلق بربه صلوات الله وسلامه عليه بتلك الصيغ الرائعة البليغة المأثورة عنه من الذكر والدعاء والشكر والتسبيح والتحميد في كل الأحوال صغيرها وكبيرها، فلا ريب أن من أفضل الأعمال وأزكاها عند الله أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥).
وقد ورد في أحاديث كثيرة ما يشعر باستحباب الاجتماع على الذكر المأثور وقراءة القرآن، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (رواه مسلم وغيره)، وفي رواية: «لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل...».
وفي (المسند/ صحيح الجامع ٥٥٠٧) «ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفورًا لكم». وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم؛ ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة» (رواه مسلم)، ففيه أنه بشرهم ولم ينكر عليهم. وأخبر أن رياض الجنة حلق الذكر في المساجد، والمشروع منه سرًّا كان أو جهرًا، «وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (البخاري).
وعن ابن عباس: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوب كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم». (رواه البخاري). ونص على جوازه النووي في فتاويه، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد.
والجماعة في الطاعات عمومًا مستحبة في ذاتها، خصوصًا إذا كان هناك مصلحة دينية، كتعليم الناس المأثورات وتعويدهم على الطاعات، كمن لا يحسن أن يقيم الليل وحده، أو لا ينشط في الذكر وحده، فالجماعة أفضل. وقد نقل الطحطاوي على مراقي الفلاح ۲۰۸ إجماع العلماء على استحباب ذلك خصوصًا في المساجد. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 11/ 213: «في الأحاديث فضل مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك» اهـ.
وقال النووي مثله في فضل الاجتماع على تلاوة القرآن حتى في المسجد، كما في الفيض للمناوى 5/ 409.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مختصر الفتاوى المصرية ص٧٤ وص٨٦: «الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن إذا لم يتخذ سنة راتبة ولا اقترن به منكر من بدعة» أو محظور شرعي كالتشويش على المصلين، أو لغو وضحك، أو تحريف للصيغ المأثورة، مع مراعاة الخشوع والأدب واجتناب اللغط واللهو، وخفض الصوت ما أمكن؛ قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 205).
فالمرجو من إخواننا المحافظة على المأثورات والورد اليومي منفردين أو مجتمعين وهذا أنشط لهم وأحرى بالالتزام، بدلًا من اعتقاد البدعية والترك بالكلية، والله الموفق لكل خير.