العنوان رسالة إلى مدرِّسات التربية الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 104
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 05-أبريل-1988
لا بد من القول
قبل طرح هذا المقال إن مسيرة التعليم الديني الإسلامي في مدارسنا تعتمد اعتمادًا
أساسيًا على جهود المدرسين والمدرسات. إضافة إلى الدور التعليمي لهؤلاء، فهم
القدوة لأبنائنا وبناتنا. ولقد لوحظ أن بعض المدرسات المتعاقدات لتدريس مادة
التربية الإسلامية هن ممن بهرتهن المدنية الزائفة، مما يفقد في شخصيتهن صفة القدوة
المطلوبة. وإليهن هذه الملاحظات عسى أن يتم النفع بها إن شاء الله.
من الواجب إسداء
النصيحة لبعض مدرسات التربية الإسلامية انطلاقًا من قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ
ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ" (مسلم:55).
نعم، إنه من كرم
الله تعالى عليكن أن كان اختصاصكن في هذه المادة الهادفة بطبيعتها، حيث أسند إليكن
بتوفيق منه تعالى تدريسها، وهذا أكبر فضل منه تعالى تحسدكن عليه مدرسات بقية
المواد العلمية الصادقات في تدريسهن، لأن أساس مادتكن إعلاء كلمة الله تعالى
بإعادة الإسلام إلى صفائه الأول كما نُزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وتعلقت به
القلوب وأعلنت إسلامها وتفانت في تطبيقه ونشره، حتى سما الإسلام وارتفع وساد
الدنيا من أقصاها إلى أدناها ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل
عمران:19).
وسؤالي لك يا
أختي -مدرسة التربية الإسلامية- هل ساد الإسلام وانتشر بنفسه لنفسه؟ أم بالذين
طبقوه؟ أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تلك القدوة الصالحة لهؤلاء الصحابة
رضوان الله عليهم رجالًا ونساء في تطبيق ذاك الدين الحنيف! قولًا وفعلًا، ومظهرًا،
قلبًا وقالبًا؟! جذب قلوبهم وعقولهم، فقد كان صلى الله عليه وسلم قرآنًا ناطقًا!
وقد وصفته -صلى الله عليه وسلم- السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: كان خلقه
القرآن!
فيا مدرسة
التربية الإسلامية -اتخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة لك، حتى تسلكي طريق
الشكر لله تعالى على تلك المنحة السامية التي أعطاك إياها ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).
فقبل أن تدخلي
الساعة الدرسية كوني مستعدة لتأديتها استعدادًا ماديًا ومعنويًا. أما الناحية
المادية الملموسة فهي أن يكون مظهرك إسلاميًا بتطبيق شرع الله تعالى بالتزام
اللباس الشرعي الذي فرضه الله عليك، حتى تكوني قدوة تؤكدين لبناتك الطالبات أنك
فعلًا تحترمين أوامر الله تعالى وتطبقينها بكل احترام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا
يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب:59).
وابتعدي يا أختي
كل البعد عن الإعجاب بالأزياء الغربية التي دخلت مجتمعنا الإسلامي باسم
"الموضة - والتقدمية" لإبعاد نسائنا المسلمات عن تعاليم دينهن، فتفشى
بين بعض مدرساتنا "الثياب المزركشة ذات الألوان الصارخة -باسم الماكسي-
الواصفة لتقاطيع الجسد البارزة لمفاتنه" وبكل أسف ترتديها بعض مدرسات التربية
الإسلامية! أما الوجه فاجعلي يا أختي رونق الإيمان والحشمة يجملان وجه المدرسة
المسلمة، فإن للإيمان بريقًا لا يستطيع مصممو المساحيق "والمكاييج" مهما
بذلوا من سخافاتهم أن يقلدوا بريق الإيمان والحياء والحشمة -اظهري فقط ما أباح
الله كشفه وليست الأذنان والأقراط المدلاة منها! ولا تفانين الحجابات الحديثة التي
يتزين بها بعض مقلدات الحجاب لإخفاء تساقط شعرهن أو عدم ترتيبه. ليس غطاء الرأس هو
التفنن بتزينه، والورود والدبابيس المزخرفة الموضوعة عليه هو الحجاب الإسلامي بل
بساطة الحجاب الذي يخفي ما أراد الله إخفاءه من شعر وأذنين وعنق ونحر. ابتعدي يا
أختي عن كل مدنية زائفة وتجملي بلباس التقوى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ
خَيْرٌ﴾ (الأعراف:26).
أما الناحية
المعنوية، فاجعلي قلبك عامرًا بالإيمان واثقًا كل الثقة بأن الله تعالى معك يساعدك
في تحقيق هدفك: وهو غرس تعاليم الإسلام في قلوب بناتك الطالبات بصدق، لتنقليهن من
براثن التيار المعادي للإسلام إلى جمال الدين الذي تحملين رايته، فإن كنت صادقة
النية فلا بد أن يكون هدفك محققًا بإذن الله تعالى لأن "الكلام الذي يخرج من
القلب يدخل إلى القلب". اجعلي قلبك مفتوحًا لكل طالبة، أجيبيهن جميعهن عما
يستفسرنه، لأن كل واحدة منهن ستكسبك رضا الله تعالى إن أذقتيها حلاوة الإيمان، ضعي
نصب عينيك قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "يا علي فواللهِ لَأنْ
يهديَ اللهُ بكَ رجُلًا واحدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ"
(البخاري:4210). اجعلي قلبك كبيرًا يسع كل بنات المسلمين، فهن أمانة بيدك ائتمنك
الله تعالى عليهن ليكافئك على تفقهيهن يوم المكافأة الكبرى، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ
مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء:88،
89).
ترفعي يا أختي
عن المادة واقنعي بما تتقاضين -نعم نحن نعترف أن بعض حقك قد يكون مهضومًا من
الناحية المادية- لكن ألا يكفيك فخرًا وغنى أن مكافأتك من العلي القدير ﴿إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ﴾ (التوبة:111). أجيبي على كل استفساراتهن وما أكثرها ولا تملي، ولا
تحسبي الوقت، واعلمي أنك دومًا أنت الرابحة في الدنيا والآخرة. أختي -المدرسة-
الطالبة تحب المدرسات صاحبات القلوب الكبيرة اللواتي لهن من شرف السيرة وجلال
الشمائل، ما يبعث على الإعجاب بهن والركون إليهن، فإن المدرسة القدوة الصادقة
بإيمانها، الناجحة في تأثيرها، هي التي تهدي إلى الحق بمظهرها وعملها وإن لم تنطق
بكلمة من علمها! لأنها مثل حي متحرك للمبادئ النبيلة التي تؤمن بها، فكيف إذا
أضافت إلى مظهرها المحتشم العلم الإسلامي بالنطق بتعاليم الإسلام السامية بالعلم
الجليل الذي منحه الله إياها وكرمها به؟
أخيرًا يا أختي
"ونقصد فقط من فتنتهن المدنية الزائفة" أطرح عليك
"استفسارًا": كيف تتجرئين أن تقولي: "قال الله تعالى" أو قال
"رسول الله" وأنت لا تطبقين ما قاله الله تعالى؟ ولا ما قال رسوله
الكريم؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه! أرجوك يا أختي كيف تقنعينني أنك مدرسة ناجحة تحمل
لواء "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وأن هدفك إعلاء كلمة الله؟! قال
تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ
تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:44). هل أنت موظفة مادة، أم
مدرسة تربية إسلامية؟! لا أشك أبدًا أنك تحبين مادتك فلو لم تحبيها لما اختصصت
بها!
أختي الكريمة،
بيدك جوهرة الدين فلا تشتري بها الدنيا، كوني مدرسة -تربية إسلامية- لنفسك قبل أن
تكوني للطالبات، لا تبالي بمدنية أعداء الإسلام ومغريات الغرب وحضارته، وإياك أن
تكوني معولًا لهدم الإسلام، بل طبقي ما تدرسين وما تعظين حتى تفوزي بالامتحان
الأكبر بين يديه تعالى، فبيدك أمانة لا تضيعيها، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن
يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل