العنوان رمضان الخير والثورات العربية
الكاتب رشاد محمد البيومي
تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011
مشاهدات 79
نشر في العدد 1964
نشر في الصفحة 66
السبت 06-أغسطس-2011
ها هي قوافل الخير في رمضان تهل علينا ، حاملة بشائر النصر وعلامات العزة، فقد عهدنا في رمضان أن يمن الله علينا من أفضاله ورحماته وعطاءاته الكثيرة، وأن تتحقق فيه آيات الانتصار والنصر على كل أجناد الشر الإنس منهم والجان.
ولقد كان الفوز الكبير، والنصر المؤزر لكتائب الرحمن في موقعة«بدر» مثلًا على مر السنين والأزمان: ﴿ كَم مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾(البقرة: 249) ، وجُدعت أنف المتغطرسين المتكبرين الذين حاربوا الله ورسوله، وأزاح الله بقوته وقدرته هؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا، فاستعلوا وظلموا - من أمثال أبي جهل وأبي بن خلف والوليد بن المغيرة وأقرانهم - وتحقق أمل المسلمين في أول مواجهة مع أعداء الله.
ويعيد التاريخ نفسه، ففي العاشر من رمضان عام ١٩٧٣م، تكررت الصورة، وفي مواجهة الجيش الذي لا يقهر - كما كانوا يظنون - تهاوت القلاع، وانهار خط بارليف، واستسلم العدو خزيًا وانكسارًا، وتحققت آمال المسلمين بعدما نالوا من الهزائم ما سجله لهم التاريخ بسطور الخزي والعار على يد الحكام الظلمة.
وها نحن ندخل شهر رمضان ١٤٣٢هـ، وقد تنبهت الأمة العربية والإسلامية من غفوتها ، وفاقت من رقدتها، وتحقق من الآمال ما لم تكن تحلم به، فأحاطت برؤوس الفساد، وخلعت عناصر التخاذل والهوان.
يا الله.. من كان يحلم يومًا من الأيام أن ينزاح هذا الكابوس الجاسم على صدور البلاد والعباد ؟!
لقد بدأت تونس الخضراء، ورفعت راية العصيان على هذا الفاجر المتجبر- بن علي- الذي كان مآلًا لوزراء الداخلية العرب الذين كانوا السيف المسلط في يد الحكام، يذلون به العباد بكل الوسائل الإجرامية المعروفة وغير المعروفة، وعاث في الأرض تخريبًا واعتقالًا وتعذيبًا ، فهرب غير مأسوف عليه.
ولم تمض الأيام حتى انتقلت الثورة بكل ما تحمل من قوة وجسارة إلى الأراضي المصرية، وأمام عنفوان البطش والقهر والإجرام وقفت الأمة المصرية- شبابها وشيوخها ورجالها ونساؤها وأطفالها مسلموها ومسيحيوها- صفًا واحدًا في مواجهة أكبر عصابة حكمت مصر، فهدمت الأوثان، وكشفت زيف الذين نهبوا مقدرات الأمة وأموالها:﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾( الأنفال:7)لقد احتل هؤلاء العتاة تلك الزنازين التي طالما قضينا فيها رمضان سنوات وسنوات؛ كان يؤنسنا فيها الإحساس بأن عين الله ترعانا وتربط على قلوبنا وقلوب أهلينا، وتصبح الزنزانة رحبة واسعة.
وتنسمنا نسائم الحرية، وانطلقنا في عزة وإباء.. ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47)﴾( إبراهيم)
وينتقل من الثورات إلى ليبيا، ليهز عرش ذلك المتكبر المغرور ويضع أنفه في الرغام، بعد أكثر من أربعين عامًا من القهر والظلم والتخلف.
ويصحو الشعب اليمني الأبي الكريم، وعلى مدار الشهور يبقى صامدًا قويًا متلاحمًا، ويأبى أن ينحني أو يستكين حتى يتخلص من ذلك الظالم المتجبر.
وتهتز سورية مع الأيام، وينطلق شعبها العظيم مطالبًا بحريته رافضًا لذلك الحكم الباطش الغوي المبين.
لقد قدمت تلك الثورات الشهداء الكرام ثمنًا لحريتها وكرامتها ...
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
وقدمت كل عزيز وغال ثمنًا لعزتها، وعليها أن تحافظ بكل عزم وإصرار على تلك المنح الربانية، وأن تكمل المسيرة لرفع راية لا إله إلا الله على الأرض.
-على الأمة الإسلامية أن تتقدم ولا تتراجع ولتتبوأ مكانها اللائق بها في العالم.
- على الأمة ألا تسمح للمتآمرين والخونة بأن يعوقوا المسيرة، أو يزيفوا الحقيقة طبقا لمآربهم ومصالحهم.
-على الأمة أن تعي ذلك الدور الذي تلعبه الأمم التي تعادي الإسلام والمسلمين بزرع الفتنة، وإشاعة الفوضى، ولن يكون ذلك إلا بالتآخي والتوحد والتلاقي على كلمة الحق.
على الأمة حكامًا وأفرادًا أن يسجدوا لله شكرًا على هذه المنة وعلى ذلك الفضل العظيم.
-على الأمة أن تعلم أن البلاء بالنعم قد يكون أشد وطأة من البلاء بالمحن: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾( الأنبياء: 35).
وأخيرًا أردد قول الله تعالى: ﴿قل اللهم مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكُ مَن تشاء وتنزع المَلِكَ مِمَّن تشاء وتعز من تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:26). وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6) ﴾ (القصص).
وقوله تعالى : ﴿ والذين إن مكَّنَّاهُمْ في الأرضِ أقاموا الصَّلاةَ وآتوا الزَّكاةَ وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (الحج:41).