العنوان رمضان.. دورة تربوية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1987
مشاهدات 69
نشر في العدد 818
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 19-مايو-1987
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185).
بحلول شهر رمضان تهتز قلوب المؤمنين، وتنشرح صدورهم، فيخلع المؤمن نفسه من حياة مادية إلى حياة روحية مضيئة، فتسمو في رمضان روحه، وتظهر نفسه من أكدار الدنيا وهمومها، ويتطلع إلى سعادة أبدية ليس فيها شقاء، فهو يلجم نفسه عن شهوات الدنيا وملذاتها، بمحض اختياره طمعًا فيما عند الله مما أعده لعباده المتقين المنيبين إليه والخاضعين له، الراجين عفوه، والخائفين من عقابه، فهو يصوم عن الأكل والشرب والجماع كما أمر الله، ويصوم أيضًا عن إيذاء الناس، وعن فحش القول ومنكر الفعل الذي هو الهدف الأسمى للصيام.
فشهر رمضان شهر تربية، ودورة يدخلها المسلم بعد كل سنة يجدد فيها روحه، ويقوي فيها عزيمته، ويصقل نفسه ويهذبها، وينشط فيها دوافع الخير، لتتغلب على دوافع الشر، فهو يحيي ضمير المسلم ويوقظه، ويجعل قلبه متعلقًا بالله ويذهب عنه الغلظة والقسوة، ويعمره بالرحمة واللطف والمودة والعدل ومحبة الحق، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الحديد: 16- 17).
يتجه المسلم في هذا الشهر الكريم إلى مولاه بطلب المغفرة، ويسأله الجنة، ويستعيذ به من النار، ويتوب إليه من الذنوب التي اقترفها في ماضيه، فإنه بشر معرض للخطأ والزلل، ويقول كما قال أبوه آدم، ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23) فاستمع إليه ربه وقبل توبته، حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ (طه: 122).
فالله رحمته واسعة وفضله عظيم، فلا يكون مجرد الوقوع في الذنب حائلًا بين العبد وبين سمو روحه، وقربه من الله فإذا غفل العبد وتذكر وأناب إلى ربه بالتوبة فهو من المتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201)، فيكفي المسلم أن يعرف أنه إذا وقع في المعصية، وتذكر غضب الله عليه فطهر نفسه ورجع إليه راجيًا عفو الله، مصممًا على عدم معاودة الذنوب والمعاصي، فالمتقون جعلهم القرآن قسمين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: 134، 135، 136)، فقد جمعهم الله في الجزاء والرضا والنعيم، فليبادر المسلم بانتهاز فرصة شهر رمضان الكريم، فإنه لا يدري هل يعيش لرمضان القادم أم لا ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: 11).
تزود من التقوى فإنك لا تدري * إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من سليم مات من غير علة * وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
وكم من فتى يمسى ويصبح لاهيًا * وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته، وأن يشد عزائمنا لعبادته، وأن يسهل علينا هذا الشهر باليمن والإيمان والأمن والإسلام، وأن يجعل هلاله خيرًا ورشدًا، وأن يجمع كلمة المسلمين على التقوى إنه سميع مجيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل