العنوان زيارة البابا والانحطاط الأخلاقي في الولايات المتحدة
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
·
البابا قام بستين رحلة تنصيرية وتبشيرية خلال خمسة عشر عامًا وهو
معدل يفوق كثيرًا تحركات رؤساء الدول
تعتبر زيارة البابا جون بول الثاني للولايات
المتحدة والتي استمرت أربعة أيام 13-16/8/1993 الرحلة رقم ستين (٦٠) التي قام بها
البابا خارج مقر الفاتيكان لبلاد العالم خلال فترة قيادته لأعلى منصب ديني في
العالم المسيحي، والتي استمرت خمسة عشر عامًا. أي بمعدل أربع رحلات للخارج كل سنة،
وهو معدل يفوق كثيرًا تحركات رؤساء الدول. ومن ناحية أخرى تعتبر زيارته المذكورة
للولايات المتحدة هي الزيارة رقم (3) فقد زار الولايات المتحدة من قبل سنة ۱۹۷۹، ثم سنة ۱۹۸۷. وقد خصصت لمخاطبة يوم الشبيبة
العالمي World youth day والذي
عقد في مدينة دينفر بولاية كلورادو.
وقد جاءت زيارة البابا المذكورة للولايات
المتحدة بعد زوال الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٩١ وإثر ما يقال من اغتصاب الغرب والقيم
الغربية في المعركة- معركة الحرب الباردة- ولكن اتفاق أباطرة الكنيسة العالمية على
عقد مهرجان يوم «الشبيبة المسيحي العالمي» في الولايات المتحدة لمخاطبة البابا،
جاء في أعقاب قناعة وصلت لها سلطات الكنيسة هنا وفي أرجاء العالم مؤداها أن سيدة
العالم- الولايات المتحدة- تعاني من مشكلة أخلاقية خطيرة Severe
Moral problem لم تصل إليها من قبل.
كما أن الكنيسة نفسها وصلت إلى درك لم تصله في
تاريخها الطويل، وعليه فقد تركزت نصائح البابا جون بول الثاني على ثلاثة مستويات:
المستوى العام والذي خاطب فيه البابا الشباب المسيحي في الولايات المتحدة خاصة
والعالم عامة، كما خاطب رجال الكنيسة والقائمين عليها من قساوسة وآباء.
هذا بالإضافة إلى اجتماعه بالإدارة الأميركية
نفسها ممثلة في أعلى مستوياتها حيث التقى الرئيس بيل كلينتون مستقبلًا ونائب
الرئيس ألبرت غور مودعًا.
أميركا وفقدان الروح.. الانحدار الأخلاقي
خاطب البابا المسيحيين في أميركا وفي أرجاء
العالم أكثر من خمس مرات خلال فترة وجوده هنا في مهرجانات منفصلة كان أكبرها الحشد
الكبير الذي قدرته بعض المصادر بعدد ٣٧٥ ألف إلى ٤٠٠ ألف في إحدى الساحات الخضراء
في مدينة دينفر بولاية كلورادو. وحضره ممثلون للشباب الكاثوليكي من حوالي سبعين
بلدًا في أنحاء العالم.
وقد ركز البابا على مشكلات أميركا الأخلاقية
والتي تتفاقم كل يوم جديد خاصة في أوساط الشباب فقد تنامت حوادث القتل العشوائي
التي يرتكبها شباب لا تتجاوز أعمارهم الثمانية عشر ربيعًا، وزادت معدلات تعاطي
المخدرات وما ينجم عنها، هذا بالإضافة إلى حوادث الاغتصاب الجنسي حتى في أوساط
رجال الكنيسة أنفسهم من قساوسة وآباء..
لقد جاء البابا إلى أميركا وقد ارتفع فيها صوت
الشواذ جنسيًا (قوم لوط)، وحسمت معركة وجودهم في القوات الأميركية لصالحهم بعد جدل
عنيف داخل المؤسسة التشريعية «الكونغرس» والمؤسسة التنفيذية «البيت الأبيض» بجانب
ذلك تدور معركة كبرى حول الإجهاض the right of abortion والقتل الرحيم (أي حق إنهاء الحياة بطريق مريح إذا ما عانى المريض
من آلام حادة) ترتب على ذلك تصدع الأسرة وازدياد حالة المشردين دون مأوى The
Homeless في بلد التخمة الاقتصادية والإبداع المادي.
ماذا قال البابا؟ وما الحلول؟ مواجهة مع الإجهاض
لقد كرر البابا موقف الكنيسة الثابت حول
«الإجهاض»، وقال: إن «الإجهاض» قتل للنفس لا تقره الكنيسة. ولأن موضوع حق الإجهاض
أخلاقي وسياسي كان البابا دائمًا يتفادى ذكره باللفظ ولكن هذه المرة عدل عن ذلك
حيث ذكرت صحيفة الواشنطن «بوست» لأول مرة حول هذا الأمر استخدم أو استحل البابا
كلمتي «الإجهاض» و«القتل الرحيم»، Abortion and Euthanasia والتي قال عنها إنها القتل الفعلي لإنسان آخر وقد سماها الذين
يزاولونها حقوق وحلول للمشكلات، وقد سمى النوعين من الممارسة «ذبح للأبرياء»(1).
ومشكلة الكنيسة الكاثوليكية- والتي يدين عدد (58) مليون نسمة من الشعب الأميركي
(٢٥٠) مليونًا بتعاليمها- أنها فقدت مصداقيتها مع غيرها من الكنائس هنا في أميركا
حيث سيطرت الحياة العلمانية سيطرة كاملة على مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية والأخلاقية.. ليس ذلك فحسب بل إن الكنيسة نفسها وآباءها وقسيسيها
يزاولون الرذيلة مثلهم مثل الآخرين، وقصص تورط القسس في ممارسات جنسية مع الأطفال
والنساء والرجال باتت تزكم الأنوف هنا وهناك.. قصص مشهورة من آباء الكنيسة ذهبوا
في فضائح أخلاقية أمثال «القس سواغرت»، وجيمي بيكر وغيرهم، وعلى ذلك صار الناس
يمارسون الحياة بعيدة عن تعاليم الكنيسة التي تحرم الإجهاض والجنس بعيدًا عن
الزواج ولا تقبل الشواذ في إطارها. ولكن آباء الكنيسة أنفسهم يزاولون هذه
الممارسات، وعليه لا يمكن لأتباع مؤسسة دينية أن يكونوا متدينين إذا كان أباطرة
الكنيسة أو المؤسسة الدينية أبعد الناس عما يطالبون الناس به.. لقد فقدت الكنيسة
مصداقيتها هنا ولذلك فقد الناس الثقة بتعاليمها.
تصدع الأسرة الأميركية.. الأسباب
يذهب تقرير أعده السيد فيليب لادلر محرر مجلة «التقرير
الكاثوليكي العالمي» وهي مجلة شهرية إلى «أن نسبة الطلاق في الولايات المتحدة تصل
إلى ٥٠٪ علمًا بأن دراسات أخرى تصفها في مصاف ٦٠٪ ونسبة المواليد غير الشرعيين فقد
وصلت إلى ٥٧٪ خلال هذا العقد الذي مضى- أي الثمانينيات- أما نسبة الأطفال -وبالأحرى
المراهقين- الذين يرتكبون جرائم تضعهم تحت طائلة القانون، فنقول إن ۷۰% منهم نشأوا في منازل أو أسر ليس
لها عائلة تذكر»(2).
هذه الأدواء معناها تصدع الأسرة الأميركية
وانهيارها الكامل في مواجهة أنموذج للحياة- الأنموذج الغربي- يفصل الدين فصلًا
كاملًا عن الحياة العامة ممثلة في السلطة السياسية، التي لا شك تؤثر في كل دقائق
سير الحياة في جوانبها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وعلى ذلك يعلق السيد
فيليب لادلر قائلًا: «إذا كان تصدع الأسرة الأمريكية يمثل السبب الأكبر في ازدياد
الجريمة، والفقر، واستخدام المخدرات، فإن ذلك يعني أن المجتمع الأميركي يسير في
الاتجاه الخاطئ»(3).
ومن المظاهر اللاأخلاقية العجيبة في المجتمع
الأميركي الذي جاء البابا لينصحه ويرده إلى الله أن تنامي نسبة الأطفال غير
الشرعيين تحدث وسط مجتمع المتعلمين والمثقفين والأغنياء، أي ما صار يرمز له بظاهرة
ميرفي براون «Murphy Brown Syndrome»، و«ميرفي
براون» برنامج تلفزيوني تمثيلي يمجد ظاهرة إنجاب الأطفال دون زواج شرعي، شكل
نقاشًا إبان الحملة الرئاسية الانتخابية عندما انبرى نائب الرئيس السابق دان كويل
في معركة ضد هوليود وثقافتها اللاأخلاقية ممثلة في ميرفي براون.
نعم إن تكسر الأسرة الأميركية وتصدعها هو أساس
الداء The Root Cause الذي ولد الجريمة والفاحشة، وسلوك قوم لوط،
وجنوح النشء، والجنس الحر- Free Sexual Behavior ولكن يمكن للمحلل في العلوم الاجتماعية والدينية أن يذهب إلى
الغوص في أعماق أبعد ليشير إلى إبعاد الدين نفسه عن الحياة وتهميش دوره في عصب
الحياة وعظامها ونسيجها البيولوجي، الأمر الذي جعل منه مراسم رسمية تنحصر في يوم
واحد في الأسبوع وفي ساعة واحدة في ذلك اليوم..
بالطبع لم يشر البابا إلى ذلك فهو كغيره من
آباء الغرب يؤمن بأن «قيصر» الحاكم رمز السلطة السياسية ينبغي أن يكون بعيدًا عن
سلطان «الله» (تعالى الله عما يصفون علوًا كبيرًا).. قيل: له الهيمنة (أي القيصر)
أكثر من خالقه -تعالى، وبسبب أن البابا مطلوب منه مراعاة سير الحضارة الغربية
ونواميسها وأسسها التي وصفها رجال علمانيون لم يقدر على مواجهة المشكلة الحقيقية،
واكتفى بإسداء النصح في الجانب المتعلق «بمظاهرها»، و«أعراضها».
حبوب منع الحمل.. الأخلاقية المصطنعة The False Morality
هاجم البابا حبوب منع الحمل (صناعة تقدر
ببلايين الدولارات في الغرب Artificial Birth Control) وقال للشبيبة الكاثوليكية في يومها العالمي: «إن مثل هذا السلوك
يمثل اللاأخلاقية الزائفة أو الأخلاقية المصطنعة The
False Morality» رجوعًا إلى النشرة الكنسية الأساسية التي
تسمى تقدير حق الحياة، والتي صدرت سنة ١٩٦٨ ومنعت آنذاك أو حرمت على الكاثوليك
استخدام حبوب منع الحمل، هذا وقد صار استخدام حبوب منع الحمل سلوكًا طبيعيًا وسط
الشباب بل والآباء والأمهات، وغني عن القول أن ملايين الأطفال يحرمون من حق الحياة
باستخدام الحبوب المذكورة، وقد طلب البابا مقابل ذلك أن يذهب الشباب إلى العفة
وكذلك الآباء والأمهات بالرفث إلى بعضهم في الأوقات غير المخصبة، هذا وبعد ربع قرن
من التوجيه الكنسي المذكور تعاني أميركا من الإجهاض والقتل بحجة الرحمة والقتل
المتناسي بسبب استخدام السلاح في شوارع المدن وهي كلها علامات على الانحدار
الأميركي.
الشباب.. والمسيحية.. رسالة البابا: لا تشعروا بالحرج من التبشير
طلب البابا من الشباب الكاثوليكي ألّا يشعروا
بالصغار والحرج من تعاليم الكنيسة وطلب منهم أن يبشروا بها في كل مكان «ليس هذا
وقت الشعور بالذلة والحرج من الرسالة المسيحية بل هو وقت التبشير من على أسطح
المنازل»(4).
وقال البابا ذلك للشباب بسبب مشكلة كبرى دخلت
فيها الكنيسة في أميركا وهي مشكلة عزوف الشباب عن الاشتغال أو العمل في مجال
القسيسية نفسها. فقد عانت الكنيسة من «نضوب كامل» في مصادر تغذيتها، فعزوف الشباب
عن الإقبال للعمل كقسس وآباء في الكنيسة بات ظاهرة معروفة لدرجة أن الباب الآن قد
فُتح «للنساء» كي يتبوأن منصب أو مناصب القسس والآباء، وهو أمر يرفضه الكثيرون،
كما فتح نفس الباب لرجال يعوزهم الالتزام الأخلاقي، مما ترتب عليه حدوث حوادث زنا
واغتصاب للأطفال من كبار القسس هنا في أميركا.
وقد نشرت قصص تلفزيونية للعديد من هذه
الممارسات إبان فترة وجود البابا. بل ورفعت له شخصيًا أكثر من (٤٠٠) حالة اغتصاب
وعلاقات غير شرعية من كبار القسس وصغارهم هنا في أميركا.
أليست مشكلة الرسالة المسيحية نفسها تقف خلف
عزوف الشباب عن الانخراط في سلك «القسسية»؟ إذ تصر الكنيسة أن يعيش القس راهبًا
معطلًا فطرة الله وتجعله يتجه إلى الفساد، وذلك أمر يخالف التكوين النفسي
والبيولوجي للإنسان، هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى ليس هذا المجال لذكرها. ومنها
فقدان الناس «للأنموذج العملي»، في الحياة المسيحية الروحية.
لقد نحى البابا على وسائل الإعلام وقال إنها
تساعد على نشر ثقافة تقف ضد الحياة وذلك بتركيزها على أفلام العنف والرذيلة
والانعتاق من القيد الأخلاقي وتساءل: «من المسؤول عن وسائل الإعلام؟»، وذلك يعود
بنا إلى تجاهله وتجاهل المسيحية ككل لأصل الداء: من المسؤول عن وسائل الإعلام؟ إن
السلطة السياسية باعتبارها حامية المجتمع مفترض فيها حماية أخلاقه وقيمه ومثله،
ولكن تجد الحكومة الأميركية نفسها راكضة وراء حماية المصالح الأميركية الحيوية في
أنحاء العالم وتسخر كل عناصر القوة المادية وغيرها لملاحقة الناس في أرجاء العالم،
وتقف عاجزة أمام وسائل إعلامها بالداخل لتشجع على القتل والخمور والنساء والتعري...
إلخ القائمة من أجمل الصور والبرامج التلفزيونية التي تعرض على الأطفال صباح مساء.
انتشار الأمراض.. وضعف البناء الاجتماعي.. وعلاج البابا
لقد أدت الثقافة اللاأخلاقية في المجتمع
الأميركي إلى ظهور الأمراض الفتاكة التي لم يعرف لها علاج حتى الآن وآخرها مرض ضعف
المناعة المكتسب «الإيدز»، وساهمت هذه الثقافة بدورها في وجود ضعف عام في البناء
الاجتماعي للأمة.. الأمر الذي صار المفكرون يحذرون منه في كل مكان فعلى المستوى
الاقتصادي تسير البلاد في حالة انحدار مقدر. وإزاء كل ذلك قال البابا إن البلاد
سوف تفقد روحها إذا لم تجد علاجًا لأدوائها الأخلاقية والاجتماعية. وذكر البابا
المجتمع الأميركي بأن بلدكم «تحتاج إلى كثير من الدعاء والصلاة».
والشاهد أن البابا في هذه الزيارة دق ناقوس
الخطر، خطر التصدع الأخلاقي في بلد يعتقد مفكروه العلمانيون أنهم كسبوا معركة
سياسية وحضارية كبرى بانتصارهم في الحرب الباردة، فقد ذهب «فوكاياما» إلى التوصل
إلى أن القيم الأميركية ممثلة في الديمقراطية سوف تسود العالم الآن، وذلك بعد
نهاية التاريخ. فالتاريخ في فصله الأخير هو انتصار الأنموذج الغربي. ولكن فات عليه
أن اغتصاب النماذج البشرية والتجارب البشرية لا يتحقق أبدًا بالإبداع المادي وحده
والتجربة الأميركية خير برهان. فقد قال البابا في جولته هذه: «إن أميركا إذا لم
تحل مشكلتها الأخلاقية سوف تنتهي بفقدان روحها»، وفقدان الروح هو الموت!
____________
الهوامش
(1) واشنطن بوست ۱۰ أغسطس ۱۹۹۳.
(2) وول ستريت جورنال ۱۳ أغسطس ۱۹۹۳.
(3) نفس المصدر.
(4) واشنطن تايمز ١٦ أغسطس ۱۹۹۳.
اقرأ أيضًا:
لا تنخدعوا.. ملايين من ملفات جيفري إبستين مازالت غير منشورة!