; سعةُ رحمةِ اللهِ | مجلة المجتمع

العنوان سعةُ رحمةِ اللهِ

الكاتب مشعل الجريوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1977

مشاهدات 106

نشر في العدد 346

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 19-أبريل-1977

سمعتُ المنادي ينادي لصلاة العشاء فركبت سيارتي، وانطلقت متوجها إلى المسجد، وعلى الطريق كان يقف رجل يؤشر لمن يمر، فوقفت له وطلب مني أن أوصله إلى..، وبعد ركوبه بين لي أنه يريد أن يذهب؛ ليشرب الشيشة، ولم أستغرب الكلمة بعد أن أصبحت عندي شيئا عاديا لكثرة سماعها، ولكني لم أنس أن موقفي موقف الطبيب والمداوي الذي يريد أن يعالج مريضه، فقلت له: ما الفائدة التي تعود عليك من شرب هذا المسكر؟ وأخذت أرهبه وأرغبه، وتبين أنه يعرف كل ذلك، لكنه آيس، وتذكرت رحمة الله عليَّ أن هداني إلى الصراط المستقيم، فقلت له: يا أخي، إن الله تعالى يقبل التوبة من عبده بعد أن يخوض في الذنوب، وما أن انتهيت من مقالتي تلك حتى أخذ ينظر إليَّ نظر غير المصدق، وقال: لقد فتحت قلبي فتحت قلبي إلى النور، إلى الطريق المستقيم، إلى ترك المعاصي، حقًا إن الله يغفر الذنوب، ويرحم عباده. 

حادثة قد تمر على الإنسان، ويقول هي تمر في الحياة دائمًا وكثيرًا ما نشاهدها، ولكن العاقل من أخذ العبرة من مثل هذه المواقف.

 والناس حين يغرقون في لجة المعاصي، يوهمهم الشيطان أن الله لن يقبل لهم توبة، ولن يغفر لهم فيزيدون في استغراقهم فيها، بل إن الكثيرين يأتيهم القنوط لأول ذنب يقعون فيه، فييأسون من رحمة الله؛ لأنهم لم يدركوا «سعة رحمة الله».

 وسنعيش لحظات مع الآيات والأحاديث التي تبين سعة رحمة الله، وأثر وجود هذه الرحمة بين الناس أنفسهم بل حتى بين البهائم.

الرحمة:

جاء في تفسير قوله «الرحمن الرحيم» أنهما اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ورحمن أشد مبالغة من رحيم.

 يقول ابن القيم في قوله تعالى:

﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).

 إن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم وكأن الرحمن وصف والرحيم فعل فوصفه الرحمن وفعله الرحمة. 

سعة رحمة الله:

يقول تعالى: ﴿‌قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

في هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الناس وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن بلغت مثل زبد البحر.

وإنها لرحمة كبيرة تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد، ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها، وهي تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح ويجدها من يفتح الله له في كل شيء وفي كل وضع وفي كل حال.. وفي كل مكان في نفسه وفي مشاعره وفيما حوله، ونتصور سعة هذه الرحمة بعظم فرح الله عز وجل لتوبة المؤمن في الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لله أشد فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها».

وكان صلى الله عليه وسلم لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى: فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى قد تجلب ثديها إذ وجدت صبيا في السبي، فأخذته فألزقته ببطنها، فأرضعته فقال صلى الله عليه وسلم «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه: قال: فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها» أخرجه الشيخان.

 وهذه الرحمة كما قلنا تعدت حتى إلى البهائم حتى أن الله عز وجل لام نبيًا من الأنبياء على إيذائه البهائم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قرصت نملة نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية فحرقت فأوحى الله تعالى إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح» أخرجه الشيخان.

ويفيض ينبوع الرحمة من الله عز وجل حين يسبق الكتاب بأن رحمته تغلب غضبه، فيستشعر المؤمن رحمة الله في كل أعماله فلا يصل اليأس إلى قلبه، قال صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» رواه مسلم.

وهذه الرحمة الكبيرة التي نراها بين الناس بعضهم لبعض جزء من مائة جزء من الرحمة، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه».

نفي القنوط:

في رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد».

ومر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على قاص وهو يذكر الناس فقال: يا مذكر تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ: ﴿‌قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ... ﴾ الآية. (الزمر:53)

وهذا أمر يجب أن ينتبه له الداعية المسلم في دعوته أنه حين يعظ الناس، ويذكر بالآخرة، يجب أن يستخدم جناحي العذاب والرحمة، فيرهب ويرغب، ثم إن عليه أيضا أن لا يقنط من إيمان الناس، بل عليه أن يدعو ويدعو ولا يكل أو يمل، يدعو المئة والألف، لعل الله تعالى بكلمة بسيطة تؤثر في واحد من الألف يفتح الله بها قلبه للإسلام، وعليه بقدوته الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أخرج وطرد ورمي بالحجارة حتى دميت قدماه الكريمتان، ومن ثم يتوجه إلى الله بقلب سليم، لم يقنط بل يطلب من الله الكبير أن يبعد عن قلبه القنوط من دعوة الناس، فقال: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي» لا أبالي بعدم إسلام الناس، علي الدعوة وعلى الله تعالى الهداية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (القصص: الآية56).

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقنط من دعوته لقومه ودعوة الناس فبعد العناد والطرد والعذاب من أهل الطائف يأتيه ملك الجبال وهو مأمور من الله تعالى، يقول له يا رسول الله: «مرني أن أطبق عليهم الأخشبين» فيقول الداعية المسلم، الداعية الذي يرحم الناس ويعطف عليهم ولا يبغي لهم إلا الصلاح، ولا يريد منهم مالا ولا جاها ولا نسبا، وإنما يريد لهم الهداية، فيقول عليه الصلاة والسلام: «لعل الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله» رحمة الداعية يجب أن تكون كذلك.

يقول الشهيد سيد قطب في الظلام «القنوط لا يكون إلا للذين يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته، فأما القلب الندي بالإيمان المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط، مهما أحاطت به الشدائد ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر، فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين.

 بمثل هذا اليقين برحمة الله عز وجل يجب أن يعيش المؤمن في دعوته، فيرى رحمة الله في كل شيء وفي كل ذنب، ومن هذه الرحمة يستمد رحمته بالناس، وعطفه عليهم، فلا يكره في العصاة إلا معصيتهم، وينظر إليهم نظرة المشفق على ما هم فيه من غي وضلال.

 وإن هذه الرحمة نعمة كبيرة وعظيمة، يعطيها الله سبحانه وتعالى لعباده الذين تابوا، ورجعوا إلى الله، بعد أن عاثوا في الارض مفسدين، فيفتح الله لهم باب التوبة، الباب الذي لا يغلق أبدا عن سائله، لكن الناس عنها غافلة تريد من يذكرها، فعندما تتعرف على هذه الرحمة ترجع بعد أن هامت في المهالك، تأتي لتهوم في الصالحات.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

136

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

قرأت لك..

نشر في 101

82

الثلاثاء 23-مايو-1972

وحوار بنَّاء بين أخوين