; سياحة في مفهوم الجهاد ومراتبه | مجلة المجتمع

العنوان سياحة في مفهوم الجهاد ومراتبه

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 07-سبتمبر-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1517

نشر في الصفحة 54

السبت 07-سبتمبر-2002

ذروة سنام الإسلام.. وأفضله الجهر بالحق في مواجهة الظالمين

  • لهذه الأسباب.. جهاد النفس مقدم على جهاد العدو.

  • 13 مرتبة للجهاد والرباني من يعرف الحق ويعمل به ويعلمه الناس.

الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وقبته ومنازل أهله أعلى المنازل في جنته كما لهم الرفعة في الدنيا والآخرة؛ وقد كان أسوتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، وحقق أنواعه كلها، فجاهد في الله عز وجل حق جهاده بالقلب، والجنان، والدعوة والبيان والسيف والسنان.

  • متی بدأ به ﷺ؟

بدأ ﷺ به من حين بعثه ربه عز وجل فقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 52)، والسورة مكية، وهذه الآية فيها الأمر صراحة بجهاد الكفار، بالحجة والبيان، وتبليغ القرآن وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: 73). 

فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه، وإن كانوا هم الأقلين عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

أفضل الجهاد كلمة حق

لما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- من ذلك الحظ الأوفر، وقد كان لرسول الله ﷺ من ذلك أكمل الجهاد وأتمه. 

وجهاد أعداء الله في الخارج فرع لجهاد العبد نفسه في ذات الله -عز وجل - كما قال الرسول ﷺ: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (رواه أحمد في مسنده وسنده جيد).

 ولما كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله عز وجل، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه، حتى يجاهد نفسه على الخروج؟

فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو، ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويُخذله، ويُرجف به، ولا يزال يُخَيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6).

 والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر، ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أُمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بلي بمحاربتها في هذه الدار وسُلِّطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مددًا وعدة، وأعوانًا وسلاحًا وأعوانًا وبلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان: 20) وقال أيضًا ﴿ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ (محمد: 4). 

وقال أيضًا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31).

 فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله وأمدهم بملائكته، وقال لهم ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الأنفال: 12).

 وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم وأخبرهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه إن سلطه عليهم، فلتركهم بعض ما أمروا به، ولمعصيتهم له، ثم لم يؤيسهم، ولم يقنطهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداوا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوهم فينصرهم عليهم، ويظفرهم بهم، فأخبرهم أنه مع المتقين منهم، ومع المحسنين، ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعه عنه لتخطفهم عدوهم واجتاحهم.

وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم، وعلى قدره، فإن قوي الإيمان قويت المدافعة، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. 

وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: 102).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: حقه أن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.

فحق جهاده أن يُجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه ويده وجوارحه لله، فيكون كله لله وبالله لا لنفسه، ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه فإنه يعد الأماني ويمني الغرور، ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده ومعصية أمره فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا. 

أقوال السلف الصالح في معنى «حق الجهاد».

تنوعت عبارات السلف رضوان الله عليهم في «حق الجهاد».

 فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو استفراغ الطاقة فيه، وألا يخاف في الله لومة لائم.

وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته.

وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى.

وقال العلامة ابن القيم:

ولم يصب من قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده هو ما يطيقه كل عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة، والعجز، والعلم والجهل.

فحق التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).

والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل واحد، كما جعل رزقه يسع كل حي، وكلف العبد بما يسعه العبد، ورزق العبد ما يسع العبد فهو يسع تكليفه، ويسعه رزقه، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما.

كما قال الرسول ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة...» (رواه الخطيب البغدادي في تاريخه 7/209 من حديث جابر سنده ضعیف).

 وقد وسّع الله سبحانه وتعالى على عباده غاية التوسعة في دينه، ورزقه وعفوه ومغفرته، وبسط عليهم التوبة ما دامت الروح في الجسد وفتح لهم بابًا لها لا يُغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارة تكفرها من توبة أو صدقة، أو حسنة ماحية، أو مصيبة مكفرة، وجعل لكل ما حرم عليهم عوضًا من الحلال أنفع لهم منه، وأطيب وألذ، فيقوم مقامه ليستغني العبد عن الحرام، ويسعه الحلال، فلا يضيق عنه، وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرًا قبله، ويُسرًا بعده: «فلن يغلب عسر يسرين» (رواه الحاكم في مستدركه 2/528 عن الحسن ورجاله ثقات لكنه مرسل).

 فإذا كان هذا شأنه سبحانه مع عباده فكيف يكلفهم ما لا يسعهم فضلًا عما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه؟

أنواع الجهاد

إذا عُرف هذا، فالجهاد أربع مراتب:

الأولى: جهاد النفس.

والثانية: جهاد الشيطان.

والثالثة: جهاد الكفار.

والرابعة جهاد المنافقين.

تفضيل المراتب

قال ابن القيم - يرحمه الله:

فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا:

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه مَنْ لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك لله.

فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يُسمى ربانيًّا حتى يعرف الحق ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات.

وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:

إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.

والثانية: جهاده على دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات؛ فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعده الصبر.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).

 وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب:

  • بالقلب.

  • واللسان.

  • والمال.

  • والنفس.

وجهاد الكفار أخص باليد.

وجهاد المنافقين أخص باللسان.

وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب:

الأولى: باليد إذا قدر.

الثانية: فإن عجز، انتقل إلى اللسان.

الثالثة: فإن عجز، جاهد بقلبه.

فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، قال ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» (رواه مسلم حدیث رقم 1910).

لا يتم الجهاد إلا بالهجرة

لا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل