العنوان سياسة أمريكا الخارجية في ضوء الانتخابات الرئاسية المقبلة
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 62
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
بوش.. تحسين لسياسة والده.. وجور يتراجع عن سياسة كلينتون
أوضاع معقدة ستواجه الرئيس المقبل.. صراع مصالح مع دول كبرى وعالم أكثر عداء
المتابع للحملات الانتخابية الرئاسية الأمريكية يجد أن وجهات نظر مرشحي الحزب الجمهوري جورج بوش الابن، والمرشح الديمقراطي ألبرت جور تبدو متشابهة، ولكن إذا نجح بوش فإنه سيتبع سياسة خارجية تهدف إلى التوفيق بين جناحي الحزب؛ حيث أحدهما يسعى إلى مزيد من التجارة الحرة والآخر يسعى إلى الحفاظ على القوة الأمريكية في العالم. غير أن العديد من المحللين وخبراء السياسة يعتقدون أن انتخاب أي من المرشحين سيؤدي في الحقيقة إلى الإتيان بجهاز جديد في مجال السياسة الخارجية إلى الحكم وهذا الجهاز لا يتشكل فقط من أشخاص-على الرغم من أن الانتخابات سناتي بشخصيات مختلفة إلى المقدمة: وجوه جديدة من حكومة كلينتون القديمة بالنسبة لجور أو وجوه قديمة من أول حكومة لجورج بوش الأب بالنسبة لمنافسه، ولكن الجهاز سيكون أكثر من مجرد أشخاص ومنظمات فالأمر سيتعلق بالنظرة التي تنظر بها الحكومة المقبلة إلى العالم وينتظر أن تلاحق حكومة بوش في حال فوزه المصالح الاقتصادية الأمريكية من جهة -دون تنسيق كبير- وفي الوقت نفسه المصالح الأمنية على طريقة سنوات نيكسون وسترث حكومة بوش التوتر الموروث في الحزبالجمهوري من متابعة القوة في العالم ومتابعة الاستقامة الأخلاقية.
قبل الحرب العالمية الثانية كان الحزب الجمهوري منقسمًا على نفسه، وكانت النتيجة فرض قانون التعرفة. بعدها تراجع الجناح الانعزالي وأدى انتخاب داويت إيزنهاور رئيسًا في عام ١٩٥٣م إلى إنهاء الانعزالية وجعل احتواء الشيوعية مبدأ للجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. ولكن هناك توترًا قويًا كامنًا وغير منظور داخل الحزب وسيظل قائمًا لسنوات عدة قادمة. فهناك نظرة مختلفة بشأن سياسة الاحتواء وكيفية تطبيقها، وقد انفجر هذا التوتر في السبعينيات مع متابعة حكومة نيكسون سياسة الوفاق مع الصين. فقد أرهقت حرب فيتنام الولايات المتحدة وأصبحت أضعف في مواجهة الاتحاد السوفييتي وكان الحل لذلك أن يقوم مستشار نيكسون للأمن القومي هنري كيسنجر بصياغة ما يمكن اعتباره تحالفًا فعالًا مع الصين بتحويل الدولتين إلى قوة يمكنها أن تحتوي موسكو مرة أخرى. وهكذا قدم نیکسون وكيسنجر المنظور الجيوبوليتيكي على المشاعر المناهضة للشيوعية وإن حوريا بسبب ذلك. وقد سارا على خطى وينستون تشرشل الذي صاغ حلفًا مع ستالين لإلحاق الهزيمة بهتلر،وعندما هزم هتلر اتجه لمحاربة ستالين.
كل ما تلا ذلك في السياسات الخارجية للحزب الجمهوري كان رد فعل على حقبة نیکسون. فالرئيس ريجان الذي انتخب عام ۱۹۸۰م ابتعد عن سياسة الاحتواء باتجاه أيديولوجية تدمير الشيوعية التي أطلق عليها «إمبراطورية الشر»، لكن عمل ريجان مثله مثل خلفه جورج بوش كان معقدًا بسبب الأهمية المتزايدة للتجارة الحرة. وحتى بعد أن توجت الحرب ضد الشيوعية السوفييتية بالنصر في عام ۱۹۸۹م. وضع ريجان وبوش الأساس لزيادة التجارة الدولية والاستثمار في الصين. وقد تسبب انهيار الشيوعية بصورة فعالة في إزالة إحدى الأسس الأخلاقية للسياسة الخارجية للحزب الجمهوري وأبقى فكرة دعم التجارة الحرة باعتبارها الفكرة الصحيحة أخلاقيًا وأيضًا باعتبارها الفكرة التي دعمت الأمن القومي الأمريكي.
نموذج للدراسة:
رئاسة بوش الأب التي اقتصرت على فترة ولاية واحدة كانت نموذجًا للدراسة في مجال استراتيجية الجغرافيا السياسية لكيسنجر مترافقة مع المبدأ الأخلاقي والاقتصادي الخاص بالتجارة الحرة. وقد حاول بوش باستمرار دمج العاملين معًا وحقق بذلك بعض النجاح. وقد كانت إدارته للحرب ضد العراق مثالًا على أسلوب كيسنجر الجيوبوليتيكي، وكانت حكومة ريجان قد شجعت العراق في حربه مع إيران خلال الثمانينيات وعندما برز العراق كقوة وتحرك ليحصل على مكافأة باجتياح الكويت رد بوش على ذلك بقوة كافية لاستعادة الكويت فقط وليس للإطاحة بنظام الحكم في بغداد وزيادة قوة إيران في
المنطقة. وفي النهاية فإن الرأي الجيوبوليتيكي القائل بأن وجود عراق موحد تحت سلطة صدام حسين أفضل من وجود هيمنة إيرانية في المنطقة قد أصبح الرأي الراجح في واشنطن.
بعد ثماني سنوات من غياب بوش الأب عن البيت الأبيض- فإن السياسة الخارجية الجديدة لبوش الابن في حال فوزه قد تبدأ من حيث انتهت سياسة والده. فمن المرجح أنه في حالة فوز الحزب الجمهوري أن يتبع سياسة كيسنجر في الشؤون السياسية والعسكرية ووجهة نظر ميلتون فریدمان في الشؤون الاقتصادية. ويمكن للعاملين أن يعملا معًا، ولكنهما لا يتطابقان بصورة طبيعية. فلو أخذنا مثال الصين نموذجًا فإن منطق التجارة الحرة سيستمر في الدعوة إلى تقوية العلاقات بين واشنطن وبكين، ولكن المنطق الجيوبوليتيكي يدعو إلى احتواء الصين بقيود سياسية وعسكرية كلما تستدعي الضرورة. إن بوش الابن سيرث جهاز سياسة خارجية يمكنه أن يعمل في ظروف شبه حرجة. وفي الوقت الذي تزداد فيه التوترات فإن على مثل هذا الجهاز أن يواجه اختبارات سيجدها الحزب صعبة، إن كثيرًا من خبراء السياسة الخارجية الجمهوريين يستمدون وجهات نظرهم للعالم من حقبة نيكسون- كيسنجر، ولكن الحزب الجمهوري تحكمه مصالح تعتبر الاقتصاد بديلًا مقبولًا تمامًا للجيوبوليتيك.
وستكافح حكومة بوش -في حال فوزه- من أجل السيطرة على هذه المشكلة. وقد استخدم إيزنهاور البيانات الأخلاقية للتشويش على الحسابات الجيوبوليتيكية واتبع نيكسون الجيوبوليتيك كوسيلة لغاية أخلاقية وقدم ريجان حرية التجارة كحتمية أخلاقية منافسة لمناهضة الشيوعية. ومن المرجح أن تحاول حكومة بوش تجاهل التوتر بين عاملي حرية التجارة والجيوبوليتيك ما سمحت الظروف بذلك.
ولكن مع ازدياد التوترات سيجد بوش نفسه تحت ضغط قوي من الجناحين المتباعدين في جهاز السياسة الخارجية فالمشكلة بالنسبة للجمهوريين اليوم -كما هي الحال في الماضي- أن لديهم خيولًا كثيرة داخل الخيمة، وليست هناك أزمة ضاغطة تجمعهم.
لقد واجه كل من إيزنهاور ونيكسون وريجان وبوش الأب أزمات مكنتهم من التوفيق بين جناح وآخر، وهو ما قد لا يستطيع أن يفعله بوش الابن مادامت التهديدات العالمية متدنية.
عداء العالم:
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية التي سيتبعها الرئيس الديمقراطي مستقبلًا، فمن المحتمل إذا فاز ألبرت جور في انتخابات نوفمبر المقبل أن يواصل اتباع سياسة كلينتون الخارجية ولكنه مع ذلك سيواجه عالمًا أكثر عداء للسياسة الأمريكية مما تواجهه حكومة كلينتون الحالية.
ومن الواضح أنه في غياب الاتحاد السوفييتي وصراع الحرب الباردة كانت حكومة كلينتون قادرة على متابعة سياسة خارجية بعيدة عن المكائد التي استخدمها الرؤساء الأمريكيون السابقون في الخارج. وبدلًا من ذلك فإن سنوات حكم كلينتون شهدت متابعة الولايات المتحدة لسياسة الأمن الجماعي وأقامت مواقع جديدة لاستخدام القوة العسكرية. وسيكون جور وريثًا لهذه السياسة الخارجية وإذا فاز بالبيت الأبيض فإن من المرجح أن يواجه وضعين معقدين سيغيران السياسة الخارجية الأمريكية: أولهما أن هناك دلائل على أنه سيضطر إلى مواجهة دول كبرى لها مصالح تختلف عن مصالح الولايات المتحدة. وخلافًا لكلينتون فإن جور قد لا يكون لديه حالة من الاسترخاء في تجنب حرب باردة جديدة. وثانيهما هناك المسألة بعيدة المدى وهي إمكان استمرار حرية التجارة وعواقبها وإمكان تعايشها مع السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي.
وخلال السنوات الثماني الماضية ابتعدت حكومة كلينتون عن السياسة الخارجية التي اتبعها الحزب الديمقراطي. ففي غياب الحرب الباردة كان الرئيس قادرًا على التخلص من الميكافيلية التي كانت تظهر في الحكومات الديمقراطية السابقة مثل حكومات كنيدي وروزفلت وبدلًا من ذلك فإن سنوات كلينتون شهدت عددًا من النشاطات:
۱- تعزيز الأمن الجماعي إلى مستوى مبدأ العمليات العسكرية باستخدام الأمم المتحدة وحلف الناتو وأدوات أخرى لتنفيذ التدخلات الخارجية.
۲- بعث وإعادة توجيه مشكلة فيتنام فمن هايتي حتى كوسوفا استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لإعادة تشكيل المجتمعات.
3- التوفيق بين المشاعر المناهضة للعسكريتاريا والتدخلات الحادة مما مكن كلينتون من زيادة التورط الدولي في الوقت الذي خفض فيه من الميزانية العسكرية.
وباختصار فإن كلينتون استخدم انهيار الاتحاد السوفييتي لإيجاد سياسة خارجية متماسكة توفق بين حالتين من حالات التوتر تجارِب حرب فيتنام وتجارب فرانكلين روزفلت فكل ما ترك هو عمل سياسي فعلي. وعلى صعيد تركة روزفلت فقد تمكن من نقل الولايات المتحدة من بلد كان منعزلًا عن النظام الدولي إلى دور الضامن الرئيس لاستقراره.
وإذا فاز جور في الانتخابات فمن المرجح أن يضطر إلى التوفيق بين وضعين متوترين داخل الحزب الديمقراطي يتعلقان بالموقف من حرية التجارة فالحزب ملتزم بحرية التجارة بسبب علاقته بالشركات، لكن هناك حركة قوية داخل الحزب مناهضة لحرية التجارة وقد ارتبط جور بهذه الحركة، لكنه إذا فاز بالرئاسة فإنه سيكون معتمدًا على مصالح الشركات التي لها اهتماممعاكس لموقفه.
وفي الوقت الذي يصبح به العالم أكثر خطرًا فإن جور سيواجه تحديًا مرعبًا، فمن جهة سيحتاج إلى سياسة جيوبوليتيكية كان كلينتون قد تخلى عنها. وبقيامه بذلك فإنه يتعين عليه أن يحول التدخلات العسكرية الأمريكية من هندسة المجتمعات «التي يجرى التدخل فيها» إلى مهمات لبناء القوة الأمريكية. ومن جهة أخرى فإن الجدل حول الاحتفاظ بتجارة حرة مع الدول التي يمكن أن تكون مناهضة للمصالح السياسية والعسكرية الأمريكية سيصبح أكثر ضعفًا إن نهاية الحرب الباردة خدمت الديمقراطيين وأنقذتهم من الضياع بإبعاد أشباح حرب فيتنام، لكن إذا زادت الأخطار الدولية-كما هو متوقع- فإن هذه الأشباح وقضايا التهديدات ستبعث من جديد.