العنوان سيناريوهات المستقبل للائتلاف الحاكم في اليمن
الكاتب محمد الحضرمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
رغم مساعي الإصلاح والمؤتمر لاستمرار الائتلاف فإن هناك أطرافًا تدفع في اتجاه التصعيد وافتعال الأزمات.
مع اقتراب نهاية العام الأول للائتلاف الثنائي الحاكم في اليمن، تزايدت التكهنات والتوقعات الصحفية حول استمراره أم انفضاض الائتلاف بخروج تجمع «الإصلاح» منه وعودته إلى صفوف المعارضة.
ورغم أن كل ما يشاع حول هذا الموضوع ما يزال بعيدًا عن الحقيقة، إلا أن التجربة الديمقراطية للائتلاف بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي في أعقاب الوحدة اليمنية عام ۱۹۹۰م، ما تزال تلقي بظلالها السيئة، ودروسها المؤلمة على التجربة الحالية، رغم ما بينهما من فوارق.
وعلى العكس من علاقة المواجهة بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي، ظلت علاقة المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للإصلاح، بعيدة عن صور المواجهة والتحدي، باعتبار أن الإسلاميين كانوا -أصلًا- من المؤسسين الفاعلين للمؤتمر عند تأسيسه في أغسطس عام ۱۹۸۲م، إضافة إلى بروز صراع فكري بين الإسلاميين والاشتراكيين، بينما ظل المؤتمر بعيدًا عن مثل ذلك، الصراع الذي دار حول أسلمة الدستور، وقانون التعليم، كما أن الإسلاميين ظَلُّوا حريصين على عدم الدخول في صِدام يعدُّونه ثانويًا مع حزب المؤتمر الشعبي، في الوقت الذي كان العلمانيون بقيادة الحزب الاشتراكي، يسعون جاهدين لتقليص دور الإسلاميين ونشاطاتهم.
وفي الحرب الأخيرة التي شهدها اليمن في الصيف الماضي توثقت العلاقة بين المؤتمر الشعبي والإصلاح، وشكَّلا بعد انتهاء الحرب ائتلافًا ثُنائِيًا لحكم اليمن، يستمر حتى موعد الانتخابات القادمة في ۱۹۹۷م، لكن وثيقة الائتلاف تسمح بِفضِّ الائتلاف بعد مرور عام على التوقيع عليه.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذا الائتلاف الذي جاء بعد هزيمة الحزب الاشتراكي وخروجه من السلطة، قد واجه معارضة قوية تخوفًا مما يروِّجُهُ الإعلام المُعادي للإسلاميين بأن الائتلاف يُتيح لهم فرصة الزحف على مواقع السلطة.
وطوال العام الماضي ظل وجود الإسلاميين هدفًا مستمرًا لحملات صحفية في الداخل والخارج، وظل خروج الإصلاح من السلطة وعودته لصفوف المعارضة هو الهدف «الإستراتيجي» الذي تمحورت حوله جهود عدد من الأحزاب والقوى، التي دأبت على انتهاز أيَّة فرصة أو حدث أو تباين في وجهات النظر بين المؤتلفين لإثارة زوبعة إعلامية تبشر بقرب خروج الإسلاميين من السلطة.
وفي محاولة مستمرة لتفجير الخلافات بين المؤتمر والإصلاح، ركَّزت وسائل الإعلام المعادية للإسلاميين على نشر الأخبار والتقارير التي تزعم أن هناك زحفًا إسلاميًا للاستحواذ على المناصب الإدارية للدولة على حساب شركائه في المؤتمر الشعبي، كما سَعَت الحملة الصحفية إلى حصر كل اهتمامها في تتبع نشاطات وزراء الإصلاح، وتقديم صورة مشوَّهة لأعمال وزاراتهم، رغم أن تلك الوزارات ظلت تعاني طويلًا من المشاكل والإهمال، كل ذلك في محاولة مكشوفة لتشويه دور الإسلاميين، وفي الوقت الذي تتغاضى الجهات التي تقف وراء الحملة عن الوزارات الأخرى التابعة للمؤتمر الشعبي العام.
وبعيدًا عن هذه الحملات، يؤكد قادة الائتلاف الثنائي الحاكم في صنعاء أن علاقاتهم الثنائية لا تزال محكومة بروح وثيقة الائتلاف التي استمدت قوتها من ذلك التعاون الوثيق الذي حدث بين التنظيمين أثناء الحرب الأخير.
كما يؤكد قادة الائتلاف أن تباين وجهات النظر بين الطرفين في بعض المسائل يتم حلّه بأسلوب ودِّي، لا يؤدي إلى توتير الحياة السياسية في اليمن، وفي آخر حديث علني للرئيس علي عبد الله صالح، وصف العلاقة بين حزبه وبين الإصلاح بأنها علاقة إستراتيجية
أين يكمن الخلاف؟
ليس غريبًا أن تحدث خلافات بين تنظيمين سياسيين يشاركان في حكومة واحدة.. لكن هناك عددًا من المسائل التي تظل سببًا في تعكّر العلاقة بين حزب المؤتمر الشعبي وتجمع الإصلاح.
ولعله من المفيد أن نذكر أن الأسابيع الأخيرة شهدت حدثين كشفا أن هناك تيارًا داخل المؤتمر الشعبي يعمل على توتير العلاقة مع الإصلاح، انطلاقًا من الاتهامات ذاتها التي ترددها بعض دوائر المعارضة..
الحدث الأول تمثَّل في عدد خاص من مجلة شهرية حكومية يسيطر عليها المؤتمر الشعبي؛ إذ احتوى العدد على مواضيع وأخبار وجَّهت اتهامات بالفساد السياسي والتخريب والنهب والتآمر؛ للاستيلاء على السلطة، إضافة إلى السخرية من عدد من العلماء البارزين في قيادة الإصلاح؛ بل وصل الأمر إلى التنديد بعرض الأناشيد الإسلامية بالتلفاز اليمني، والسخرية من المطالبة بإذاعة الأذان.
الحدث الثاني تورَّط فيه أحد كبار المسئولين في المؤتمر الشعبي العام، الذي وزع منشورًا (!) إلى المحافظين والمسؤولين التابعين لحزبه، يحرضهم فيه على إفشال خطة وزارة التموين -التي يتولاها الإسلاميون- في توزيع المواد الغذائية الأساسية في مختلف مناطق البلاد، بحجّة أن الإصلاح يستغل ذلك حزبيًا لتوظيف كوادره.
وقد أثار ذلك المنشور غضبًا قويًا بين صفوف الإصلاح، لكونه صادرًا من مسؤول كبير، إضافةً لتدخله في أمور الجهاز التنفيذي للدولة دون أي مبرر، كما أنه يكشف عداءً واضحًا لحليف المؤتمر.
وبينما سارع قادة المؤتمر إلى إبطال مفعول ذلك المنشور والاعتذار عنه، إلا أن الإسلاميين اعتبروه موقفًا عدائيًا جعلهم يقاطعون الاحتفال الأخير الذي نظمه المؤتمر.
ورغم ذلك، إلا أن الإسلاميين حرصوا على عدم تصعيد الخلاف أو إخراجه علنيًا بأكثر ما يستحق، واكتفوا بالتفاهم مع قيادات المؤتمر حوله، إدراكًا منهم بطبيعة تكوين المؤتمر الشعبي الذي يضم تيارات متعددة متناقضة الولاء والتوجهات والمصالح، وتميل بعضها إلى اعتبار «الإسلاميين» خصوصًا أكثر خطورة من الحزب الاشتراكي ذاته، وتلك التيارات والشخصيات هي التي تعمل الآن في الخفاء لتفجير الائتلاف من الداخل.
ومع ذلك، إلا أن قناعة الرئيس اليمني «علي عبد الله صالح» بأهمية التحالف مع الإسلاميين يبقى حاجزًا قويًا لمنع تصاعد محاولات بعض التيارات للدفع بالأمور نحو الطلاق السياسي.
ومن جهتهم، أعلن الإسلاميون أن الائتلاف الثنائي يبقى خيارًا مفضلًا لديهم، ولا سيما أن إيجابياته أكثر من سلبياته، لكنهم يؤجلون قرارهم الأخير إلى موعده المحدد في وثيقة الائتلاف، حتى تنتهي عملية التقييم النهائي لمشاركتهم في السلطة.
مستقبل الائتلاف!
وحتى يحين موعد إعلان كل طرف موقفه النهائي من الاستمرار في البقاء في الائتلاف أو الانسحاب منه، تتعدد التكهنات حول مستقبل الائتلاف على النحو التالي:
أولًا: استمرار الائتلاف بصيغته الحالية، مع احتمال قوي لإجراء تعديل وزاري محدود، ولعل هذا التوقع هو الأكثر حظًّا في التحقق، وإن كان خصومه كثيرين من خارج الائتلاف وداخله، والذين يوحدهم عداؤهم للإسلاميين.
ثانيًا: استمرار الائتلاف مع تحجيم نسبة مشاركة الإسلاميين فيه، وهو أمر تعترضه عقبات؛ منها رفض الإسلاميين المتوقع له، ومنها -كذلك- تعارض المقترح ذاته مع مصالح جهات وأفراد داخل المؤتمر، يعتقدون أن تحالف حزبهم مع الإصلاح يفقدهم مكاسب شخصية ويضيع عليهم فرصة الوصول إلى مراكز المسؤولية الأولى الممنوحة للإصلاح.
ثالثًا: إعلان فضّ الائتلاف، وانفراد المؤتمر الشعبي العام بالحُكم، وعودة الإصلاح للمعارضة، وهو أمر يعني فُقدان الحَكَم ثُقل الإسلاميين في الحُكم، وحرمانه من شعبية كبيرة تمتع بها أثناء مواجهته للأزمة السياسية، ثم الحرب مع الحزب الاشتراكي، وكذلك أثناء مواجهة الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب، عانى منها اليمنيون بشدة، واضطرت الحكومة بسببها لاتخاذ قرارات اقتصادية صعبة، لكنها بشكل عام وجدت تفهمًا شعبيًا واضحًا، كان لمشاركة الإصلاح في السلطة دور كبير في توفيره، نظرًا لشعبيته القوية، وقدرته على إقناع جماهيره بمواقفه السياسية والاقتصادية.
أما المحذور الثاني: فهو أن عودة الإصلاح كحزب معارض يشكل هاجسًا لأي حزب في السلطة، فقد اكتسب الإسلاميون شعبية قوية أثناء وجودهم في المعارضة... وهم اليوم قادرون على خلق معارضة مؤثرة بعد الخبرات التي اكتسبوها من مشاركتهم، والتي منحتهم القدرة على تكوين صورة أقرب للصحة لطبيعة المشاكل التي تعاني منها اليمن، وبالتالي فهم يملكون مشروعًا واقعيًا يستطيعون به البروز من جديد كمعارضة مؤثرة لا يمكن إغفالها، أو كما يقول قادة الإصلاح «إن البلد لا تحتمل وجود معارضة قوية يقودها الإصلاح».
ويبقى أن الائتلاف الحالي الذي يحكم اليمن قدم نموذجًا جديدًا يختلف عن ذلك الذي شارك فيه الاشتراكيون، وكان سببًا للعديد من الأخطاء والنكبات السياسية والاقتصادية التي لا تزال تعاني منها اليمن حتى الآن.
ويتميز الائتلاف الحالي -كذلك- بأنه تجنب الوقوع في علاقة الندية والتحدي بين طرفيه، ولذلك لم تنعكس الخلافات في وجهات النظر بين المؤتمر والإصلاح بشكل سيئ على مجمل الأوضاع في البلد، فالإسلاميون يعرفون حقيقة الأوضاع في اليمن، ويتعاملون معها بواقعية جَنَّبَتهم -حتى الآن- الوقوع في أخطاء سياسية يندمون بسببها.
ويمكن القول إن الأزمة التي يحاول كثيرون التحدث عن وجودها بين المؤتمر والإصلاح لا تكمن في الخلافات، بل تكمن في تصور جهات وأشخاص بأن مجرد وجود الإسلاميين في السلطة هو «الأزمة» الحقيقية، ولو لم يكن هناك خلاف بين الطرفين.
وبعد بضعة شهور فقط، سوف نعرف مصير تجربة جديدة من تجارب السلطة والمعارضة في العالم العربي، كان للإسلاميين دور بارز في إنجاحها، وتقديم الدليل على أن الإسلاميين عندما يعارضون أو يحكمون، فإنما يفعلون ذلك بمسؤولية، ونكران ذات، وحبٍ لمصلحة وطنهم.