العنوان شبكات التجسس الصهيونية تتداعى ... «إسرائيل» تخسر بالنقاط حربها السرية ضد لبنان
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 55
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
سقوط أخطر شبكتين إسرائيليتين حتى الآن، في قبضة المقاومة والأجهزة الأمنية اللبنانية، كشف جوانب خفية من الحرب الشائكة والمعقدة التي يخوضها العدو الصهيوني ضد لبنان، دون نتائج تذكر، وأوضحت التطورات الأخيرة على هذا الصعيد، أن الفشل الإسرائيلي في جنوب لبنان، هو أمني بالدرجة الأولى، وقبل أي شيء آخر، وبعد ذلك مباشرة، تأتي الإخفاقات العسكرية في ميادين القتال، كنتائج طبيعية للفشل الأول في مجال جمع المعلومات الدقيقة، عن المقاومين وأماكن تجمعهم وانطلاقهم، وكذلك الفشل الذريع في تجنيد عملاء ذوي شأن، وفي الحفاظ عليهم بمنأى من المطاردة والسقوط في قبضة رجال الأمن والمقاومة.
وقد تم مؤخرًا، تفكيك شبكتين، واحدة تعمل في العمق، في العاصمة، وأفرادها ينتمون إلى «القوات اللبنانية» المحظورة، تلك المليشيات المسيحية المتعاملة مع إسرائيل، والثانية كانت تعمل قرب المناطق المحررة في منطقة البقاع الغربي، وفيما انكشفت الأولى، بسبب خطأ تقني فادح، ارتكبه أحد العناصر المشبوهة، فإن الشبكة الثانية التي كانت تنشط في قطاع حاصبيا ذات الأغلبية الدرزية، وقع في مصيدة عملاء مزدوجي الولاء، وكانت الضربة أقسى في الثانية، لأنها استهدفت جهاز «الشاباك 504» فأفشلت خططه في الصميم، وزرعت الشك بين إسرائيل وشبكاتها الاستخباراتية العاملة بين المناطق المحتلة والمحررة، إضافة إلى أن عدد أفراد الشبكة الثانية يتجاوز السبعين فردًا، تتفاوت أهميتهم ووظائفهم، وجسامة الأعمال التي ارتكبوها.
تيار القوات اللبنانية:
وحسب التحقيقات الرسمية مع المقبوض عليهم، فإن عناصر قديمة في جهاز «الصدم» التابع للقوات اللبنانية المحظورة، كانت تتلقى أوامرها عبر الإنترنت من مكتب «القوات» في أستراليا، وكانت تنشط قبل سنتين أو أكثر، في زرع العبوات وإطلاق النار المتفرق على عمال سوريين، في المناطق ذات الأغلبية المسيحية، أي في شرق بيروت، وقرب مدينة جونيه الساحلية، بين بيروت وطرابلس، وقد استهدف باص سوري في ذلك الحين، واستدعى ذلك حملة اعتقالات في أوساط «القواتيين» السابقين، إلا إن غضب المراجع الدينية المسيحية خفف من وطأتها، ولم تصل التحقيقات في ذلك إلى أي نتيجة، لكن العمليات من الطراز عينه، والتي تستهدف مواقع معينة، حيث يعمل العمال السوريون بكثرة، استمرت وإن كانت بشكل متقطع، ثم كانت الحادثة «القشة التي قصمت ظهر البعير» فكشفت حدود الشبكة، والتأمت الخيوط بعضها إلى بعض، فقد انفجرت عبوة ناسفة بدائية في سيارة كانت متوجهة إلى منطقة الدورة شرق بيروت، فقتل راكباها على الفور، وبالتحقيق الأولي تبين أن الراكبين القتيلين عضوان في جهاز «الصدم» الآنف الذكر، وبعد حملة من الملاحقات والمطاردات، ألقي القبض على أكثر من 13 شخصًا، في الشبكة عينها، والتي تخصصت في بث البيانات المكتوبة المنددة بالوجود السوري في لبنان، وفي التعرض للعمال السوريين في المناطق المسيحية خاصة، كما اتهمت الشبكة المذكورة بالتخطيط لاغتيال رئيس جهاز الأمن الاستطلاعي في القوات السورية العاملة في لبنان اللواء الركن غازي كنعان، وكذلك لاغتسال وزير الموارد المائية والكهربائية إلياس حبيقة، القائد السابق في القوات اللبنانية، الذي حول ولاءه من إسرائيل إلى سورية أواسط الثمانينيات، ووزير الداخلية الحالي ميشال المر، مستهدفًا أيضًا من الشبكة، وهو صاحب شركات هندسية وعقارية، ومن أبرز الرموز المسيحية الموالية لسورية، وكان سابقًا من أهم داعمي «القوات اللبنانية» من الناحية المالية على الأقل.
ويتفرع عن هذه الشبكة قضايا أخرى لا تقل خطورة، وإن كان المسؤولون يتحاشون طرحها بشكل واضح، خَشْيَة البلبلة، ونشر القلق في أوساط المواطنين، فقد تفشت ظاهرتان بالتوازي مع إلقاء القبض على الشبكة «القواتية» وتلك الظاهرتان ترتبطان مباشرةً بأعمال الوزيرين المستهدفين المر وحبيقة، ففي موجة من السلب والنهب غير الاعتيادية، التي اجتاحت منطقة المتن الشمالي «منطقة الوزير المر» ربط الوزير المعني، بين شبكة التخريب واستهدافه كرمز مسيحي، وبين عملية السرقة، في محاولة فيما يبدو لحرقه سياسيًا، وغير معروف مدى دقة الربط، إلا أن الموضوع يستأهل التساؤل والتدقيق.
وبالانتقال إلى الشبكة الثانية، فإن الصورة تتغير وكذلك الأهداف المرحلية الموضعية، وإن كانت تلتقي إستراتيجيًا مع الشبكة الأولى، أي في تخريب الأمن والاستقرار في لبنان.
فهذه الشبكة، اخترقت السكان «الدروز» في منطقة حاصبيا، إضافة إلى لبنانيين من كافة الطوائف، وهدف الشبكة مباشر، وهو مراقبة المقاومين ورصد تحركاتهم وكمائنهم وألغامهم وعبواتهم الناسفة، لإجهاض العمليات الجهادية وهي في طور الولادة، وقد كلفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بعض المتعاملين معها، بجمع المعلومات ومحاولة استدراج سوريين إلى مجال العمالة، وزودتهم بوسائل متطورة للتنصت وإرسال البرقيات المشفرة، ومن اللافت هنا ضلوع بعض رجال الدين الدروز في هذه الشبكة، مع ملاحظة أن التواصل قائم نسبيًا بين دروز لبنان ودروز إسرائيل، وهناك زيارات متبادلة ومعاملات تجارية محدودة بتشجيع من إسرائيل، وتفيد المعلومات الرسمية، أن أحد ضباط ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي «المليشيات المتعاونة مع العدو» ويدعى رجا ورد، قد انتقل إلى الجانب الآخر؛ حيث كشف الاستخبارات الجيش اللبناني، أسماء الشبكة التجسسية، وهي الأكبر حتى الآن، لكن مصادر في «المقاومة الإسلامية» تعطي أبعادًا أخرى إضافية، لا تقل إثارة، فبالإضافة إلى الضابط المذكور آنفًا، فإن عملاء آخرين مزدوجي الولاء، تلاعبوا بالاستخبارات الإسرائيلية، حتى إن وقت القطاف، قطاف العملاء، وهذا الأمر لم يعد مستبعدًا ولا مستغربًا، بعد الإنجاز الذي حققته المقاومة، في موقعة أنصارية بجنوب لبنان، قبل أكثر من تسعة أشهر، ورغم أن قيادة المقاومة الإسلامية، قد تكتمت حتى الآن، على خفايا تلك المعركة، إلا أن التسريبات المتناثرة تفيد بأن عميلًا مزدوج الولاء، ربما يكون هو الذي جر الكوماندوز الإسرائيلي إلى فخ منصوب، وتفصيل ذلك أن إسرائيل منذ اختفاء طيارها «رون آراد» على الأراضي اللبنانية قبل أكثر من 12 عامًا، ترسل مجموعاتها الخاصة وعملاءها لجمع المعلومات والاستقصاء، حتى اختطفت أكثر من قيادي سياسي من قيادات المقاومة، ممن لهم علاقة محكمة بهذا المِلَفّ، والمقصود هنا هو الشيخ عبد الكريم عبيد، ومصطفى الديراني، وعلى هذا الأساس، قد يكون ما حدث في أنصارية، أن العميل المزدوج هو الذي أوصى الاستخبارات الإسرائيلية بوجود مسؤول حزبي له علاقة بقضية رون آراد، وهكذا استدرج الكوماندوز الإسرائيلي إلى فخ ملغوم، مما أدى إلى أفدح هزيمة يُمنى بها العدو منذ سنوات عديدة.
ولو تأكدت هذه المعلومات عن طريق المصادر الرسمية في «المقاومة الإسلامية» فسيكون ذلك من أهم الإنجازات التي تحققها مقاومة عربية إسلامية، في وجه عدو متفوق بكل المقاييس والإمكانات.