العنوان شدو الغرباء أول ديوان شعر إسلامي فلسطيني
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1976
مشاهدات 64
نشر في العدد 291
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-مارس-1976
تميزت الأشهر الستة الماضية بنشاط نسبي في الشعر الإسلامي الفلسطيني، فقد أخرج الأستاذ كمال رشيد أول دواوينه وطبعه في الأردن، ونشر الأستاذ سعيد تيم قصيدة طويلة رائعة في كتيب بعنوان «میلاد شعب» طبعت في القاهرة، وجمع الأستاذ سعيد قصائده ودفعها إلى الناشر في بيروت، وآخر صدورها الأحداث الدامية هناك، وبدأ الأستاذ أحمد صديق في لم شتات قصائده على نية طباعتها قريبًا، وعاد الأستاذ محمد صيام إلى نشاطه الشعري وبدأ يطالعنا بروائع تنبئ باتجاه جديد في معالجة القضايا الإسلامية، وبقي آخرون من الشعراء الإسلاميين الفلسطينيين محجمين عن جمع أشعارهم وطبعها أو حتى المساهمة في قصائد يعبرون بها عن وجهة نظر الإسلام ودعاته في القضايا الكثيرة التي لا يجب السكوت عنها أو مجاوزتها، وهم بهذا الأحجام والسكوت يخلون الساحة لغيرهم من الشعراء ذوي الاتجاهات المعادية للإسلام فيصولون فيها ويجولون وينفثون سمومهم وخبثهم.
والجهاد بالشعر أمر يجب ألا يتركه دعاة الإسلام، فقد أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم- بل ودعا إليه وحث عليه وكافأ الشعراء، ولا تغيب الأمثلة على ذلك عن أي دارس لحياة الرسول/ عليه السلام/ فقد اتخذ من حسان بن ثابت شاعرًا وأمره على الشعر الإسلامي، وكان من حوله مجموعة من الشعراء لهم باع في الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه بشعرهم وفنهم، فكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب ابن زهير وغيرهم كثير أمثلة وقدوة لمن أراد المثال والقدوة.
وانتظارًا لأن يقدم أخوتنا عطاءهم الذي نتوقعه منهم الذي هم جدیرين به نتناول بالحديث أول ديوان للشعر الإسلامي الفلسطيني صدر في هذا العصر معبرًا عن وجهة نظر مجموعة من الشعراء آلت على نفسها أن تقف مع الحق، والحق وحده، لا يضرها ولا يصرفها عن الحق من خالفها وخاصمها.
والديوان هو «شدو الغرباء» والشاعر هو الأخ كمال رشيد، والأستاذ كمال رشيد من مواليد قرية «الخيرية» من أعمال مدينة يافا، لم يكد يبلغ السابعة حتى وجد نفسه طريدًا شريدًا يسكن إحدى مخيمات اللاجئين حيث تتمثل المأساة في الأوضاع الأليمة التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني تحت رحمة مجموعة من الأعداء، اليهود على الحدود، والفقر والبؤس والحر والقر في المخيمات، وهيئة متآمرة لبست ثياب المغيث وهي تعمل على إذلال شعبنا بكل الوسائل، وساسة عرب في الأسماء أعداء في الأفعال!
ولا بد للإنسان المرهف الذي عاش مآسي أمته أن يفكر في طريق الخلاص من هذه المآسي، ولا بد أن الأستاذ كمال قد عاش صراعًا فرضته الظروف المحيطة بالعالم العربي وبالوضع الفلسطيني حيث انتشرت الأحزاب والأفكار والاتجاهات، وتقاذفت أنباء فلسطين تياراتها المتضاربة، ولكن هذا الصراع انتهى بالشاب ذي الفطرة السليمة لأن يختار الطريق السليم الذي لا مناص من سلوكه للتحرير الحقيقي لفلسطين والأمة الإسلامية جميعها، هذا الطريق الذي اختاره هو طريق العقيدة الإسلامية الصادقة، فوضح الطريق وسار به لا يلتفت إلى الأفكار المنتشرة في كل مكان والتي وفدت الى بلادنا مع الثقافة المسيحية المفروضة على أمتنا المغلوبة على أمرها، وزادت النكبة الثانية من إيمان شاعرنا بحتمية الحل الإسلامي للقضية الفلسطينية خاصة والقضايا الإسلامية عامة، فنطق شعره بهذه الحقيقة وعبر عنها في أكثر من مجال.
ولعل شعور شاعرنا بالغربتين، غربة الدار وغربة المعتقد، في المجتمع الجاهلي الحديث هو الدافع الذي حدا به لأن يطلق على ديوانه هذا العنوان: «شدو الغرباء».
ويضم الديوان بين دفتيه ستين قصيدة، أربعون منها من الشعر الموزون المقفي، وعشرون من الشعر الحديث.. وتتراوح الأغراض التي طرقها شاعرنا بين الوطنيات والإسلاميات والوجدانيات، ونستطيع أن نلحظ أن فلسطين في خيال الشاعر في كل ما يطرق من أغراض، إن فلسطين لا تفارق الشاعر فكرًا ووجدانًا وشعورًا، وكيف تفارقه وهي وطنه وأمله وحبة قلبه، وهي قلب العالم الإسلامي وأولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الإسلام عليه السلام.
والشعر عند شاعرنا تعبير صادق عن إحساسه بقضايا أمته ووطنه ودينه، لذا تراه ينظر بأسى إلى هؤلاء الشعراء الذين ركبوا الكذب من أجل الوصول إلى الشهرة والمنصب والمغنم فأساءوا إلى الشعر ولطخوا مقامه الأسمى:
وكما يموت الصدق في زمن********** مات القصيد ولامس الوحلا
تجري الأمور كما لو انطفأت********** عين البصير ورأيه اعتلا
وعندما رأى الشعراء ينزلقون إلى الهاوية الخلقية ويجرون وراء ملذاتهم وأهوائهم ويطلقون لألسنتهم العنان في التعبير عن هذه الانحرافات نجده قد سما بشعره إلى المعالي وتطلع إلى وطنه الضائع فتمنى أن يأتي اليوم الذي يستطيع أن يفدي وطنه بروحه ويروي ترابه بدمه:لئن كان شعر الناس في حب غادة *** يتيهون وجدًا في بثينة أو سعدى
فحبي لأيام كأيام خالد *** يعيش الفتى فيها وقد لبس المجدا
وشعري لمجد سطرته معارك *** ولكنه في يومنا بات يستجدي
وشوقي لسهل عند يافا تركته *** وليت سهول المجد كانت لنا لحدا
وما قيمة الإنسان إن ضاع حقه *** سوى قيمة السيف الذي لازم الغمدا
وما يتكرر الشوق إلى الوطن المغتصب والعز الضائع في قصائد الشاعر، بل إنك تحس هذا الشوق في كل كلمة في الديوان، فإذا أحب فتاة أحلامه كانت هي فلسطين، وإذا تمنى أمنية كانت فلسطين، وإذا حن لأرض كانت فلسطين:
أحبك، لكني وجدت حبيبتي *** فصارت منى نفسي وأجمل ما عندي
عميدًا بها أصبحت لما وجدتها *** ولو طلبت روحي لكنت لها أفدي
فرحت بها عمري وكنت ربيبها *** ومتعت فيها ساعة الجهل والرشد
ومن نكد الأيام أني حرمتها *** فزاد حنين القلب من ذلك الفقد
وصرت أناجيها إذا ما ذكرتها *** مناجاة من في الأسر يشكو من البعد
فلسطين حبي ما حييت وأنني *** سعيد بهذا الحب ما طال بي عهدي
وعندما يستعرض الشاعر تاريخ أمته فيجد أعلامًا في كل فن وعلم، ثم يلتفت إلى واقع هذه الأمة فلا يجد إلا أشباه الرجال ولا يشاهد إلا السراب، يصرخ من أعماقه:
أين الملايين الذين نعدهم *** أو ليس فيهم فارس مقدام؟
بخلت علينا الوالدات بمثلهم *** وآتي على آثارهم أقزام
شقیت بنا الأيام إذ لم نحيها *** ولطالما سعدت بنا الأيام
ويعجب من أولئك الذين يدعون إلى السلام مع أعدائهم وأرضهم مغتصبة وحقوقهم مسلوبة وشعبهم يرسف في الذل والهوان، ويدعو أمته إلى التمسك بالمبادئ الإسلامية والأخذ بأسباب القوة لأن هذا هو السبيل إلى رد الحقوق وإلى السلام الحقيقي:
قالوا السلام سبيلنا، يا ويحهم *** أو يرجع الحق السليب سلام؟!
كيف الحقوق تضيع من أصحابها *** إن كان فيهم مبدأ وحسام
وإذا كان الأخذ بأسباب القوة هو السبيل الحقيقي للعزة فإن البكاء على الديار الضائعة بزعم المحبة لا يرد حقًا ولا يعيد مفقودًا:
قولوا لمن يبكي الديار محبة *** إن المعارك لا تريد بكاء
إن الجهاد هو السبيل لعزة *** وبغير ذلك لن نعيد بناء
وعندما يذهب شاعرنا إلى لندن للدراسة مبتعثًا من الأردن يقف على معالم الحضارة الإنجليزية فلا تفتنه كما تفتن غيره من الأغرار والمخدوعين، بل يرى فيها رمزًا للظلم والقهر، فيتذكر ما فعله الإنجليز في كل ركن من أركان العالم الإسلامي، فيقول أروع قصائده في هذا الموقف المشحون بأطياف بلفور وفلسطين ودنشواي وأفريقيا والمآسي التي اقترفتها أيدي هؤلاء الطغاة، فيوجه كلامه إلى نهر التيمز كرمز لهذه الحضارة الزائفة:
أيه نهر الظلام نهر المظالم *** سر كما شئت في الوجود وخاصم
أنت جرعت أمتي كأس ذل *** أنت أسلمت شعبنا للهزائم
رضع الحقد منك بلفور حتى *** كان عونًا لكل خصم وظالم
والبلاد السوداء كم جرت فيها *** واتخذت الشعوب مثل البهائم
في فلسطين ما حرمنا أذاكم *** وشربنا الزعاف من كل غاشم
كم تركتم في أرضنا من ضحايا *** وأقمتم في دنشواي المأتم
ثم يلتفت إلى الشعب الإنجليزي فيصمه بالفساد والحقد ويتوقع له سوء المنقلب:
أرضكم ساحة الفساد وأرضي *** واحة الطهر والهدى والمكارم
أيه زرق العيون سود الطوايا *** سوف يصحو من كان من قبل نائم
إن من يزرع العداوة يحصد *** نار حقد، والظلم ليس بدائم
ثم يعجب من أولئك الذين يستجدون الحلول لقضاياهم من الإنجليز وهم سبب الداء والعدو الألد، ومن يتولهم ويركن إليهم فقد ضل وخاب، وهو مع سخطه على الإنجليز يسخط على صنائعهم من أبناء جلدته الذين اتخذوا من مأساة فلسطين سلعة يساومون عليها وسلمًا يصعدون عليه إلى كراسي الحكم الزائفة:
ويح شعبي يريد منكم حلولًا *** وانتصارًا على عدو ظالم
منكم الحقد واللجاج، ومنا *** ناس سوء على البلاد تساوم
وكان شعور شاعرنا بالغربتين مفجرًا لكوامن الشعر والإحساس العميق بضرورة العمل الجاد المستمر من أجل تغيير المجتمع الجاهلي الذي تسبب في مآسي الأمة، وكان من رأي البعض أن يحابوا المجتمع الجاهلي ولو لفترة حتى يتمكنوا من إصلاحه، ولكن شاعرنا يرفض هذا الأسلوب ويعجب من أولئك الذين ينعمون بالملذات وأوطانهم تحت سيطرة الأعداء:
يقول الناس: مالك ذو هموم *** أأنت مفارق أم أنت صابي؟
أعاني غربتين فكيف أحيا *** أعلل بالطعام وبالشراب
أهجر للبلاد طوال عمر *** وهجر للعقيدة والكتاب!
ألا أن التصبر ذو حدود *** وليس من التصبر أن أحابي
ويصور الشاعر مأساة من مآسي شعبه في تزاحمهم على الجسر الذي يربط فلسطين بالأردن يطلبون تصريحًا للعبور إلى ديارهم من اليهود، ولا يسلمون من قسوة القريب قبل الغريب، وقد كان هؤلاء الأحباب أنفسهم يقطعونه بثوان بلا رقيب ولا حسيب، ألا كم تباعدت القدس عن عمان نتيجة لما أصاب الأمة من هوان، ولن يمحو هذا العار إلا الجهاد:
وأمس ذهبنا إلى الغور والجسر *** نودع أحبابنا الزائرين
ولم تكن القدس- عمان *** سوى ساعة من زمان
ولكنها اليوم عمر يطول *** وذل وقهر ودمع
وصوت يقول: *** بأن الحياة خطى واجتهاد
ولا يتطرق اليأس إلى روح شاعرنا، فرغم كل ما يراه ويحسد من نكبات ومآس وجاهلية لا تزايله الثقة بأن الأصالة الإسلامية لا زالت في شعوبنا ولا بد أن تنمو جذورها وتورق وتثمر، ولا بد لنموها من تضحيات ودماء:
بقي الجذر وفي الجذر عطاء *** وجذور المجد- يا أسماء- ترويها الدماء
هذا هو الشاعر كمال رشيد، وهذا شعره في ديوانه الأول «شدو الغرباء»، نقدم الشاعر وشعره لأولئك الذين يبحثون عن الشعراء والشعر في سمتهما الجميل وأهدافهما السامية.