العنوان شعاع من القلب.. الذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1403
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 06-يونيو-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال وسلمت الحياة من العطب ،فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام ،إذا التقت القلوب علي أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين
بعض الناس لا يشغلون أنفسهم بمقاومة الشر والأشرار، وإنما يشغلون أنفسهم بإيذاء الأخيار، والمكر والكيد لهم بالليل والنهار، وبيان أن ما صنعوه من الخير أمر لا يدخل في حيز الصالحات، وأن مقاومتهم للشر لا يدخل في تغيير المنكرات، وآفة هؤلاء البعض أن الموازين لديهم مقلوبة، فالشر من الأشرار مسكوت عنه، والخير من الصالحين الأبرار يقاومونه باللسان ولو استطاعوا أن يقاوموه بالسنان لفعلوا، ولو استطاعوا أن يشوهوا كل خير، وأن يقلبوا كل فضيلة يفعلها الصالحون ويحولوها إلى رذيلة ما ترددوا، يغفل هؤلاء عن أن «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب»، وكثير من الذين تعرضوا للعلماء والصالحين في القديم والحديث أصابهم الذل والهوان، وأحاط بهم القهر والحرمان، وصدق فيهم قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: ٥٧- ٥٨)، ولو أن إيذاء الصالحين قاصر على الأعداء المجرمين لهان الأمر، ولكن هذا الإيذاء يقوم به كذلك في حكمهم لعلموا أنهم متجاوزون حدود الله وأنهم بذلك قد ظلموا أنفسهم ومن يتعد حدود بعض المسلمين، الذين تنظمهم جماعات إسلامية، ويدفع هؤلاء إلى الإيذاء التنافس أو الحسد، ولو أحسنوا لأنفسهم وأنصفوا في حكمهم لعلموا أنهم متجاوزون حدود الله، وأنهم بذلك قد ظلموا أنفسهم ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ﴾ (الطلاق: ١)، ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢٩)، إيذاء أي إنسان - بغير حق- مرفوض في الإسلام، بل إن إيذاء الحيوان مرفوض كذلك، لقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها.
وقد رأينا أناسًا يأخذهم حماسهم الدعوي- بحسب ما يقولون- لأن يتعرضوا للآخرين بالتجريح والتسفيه لرأي رأوه، أو قول قالوه، رأينا بعض هؤلاء قد انتكس انتكاسة عظيمة أخرجته من طور إلى طور حتى قارب مواقع الردة أو كاد.. ورأينا من هؤلاء الذين جعلوا همهم إيذاء المسلمين من تعرضوا للمهانة والذل والصغار، وما قولك بمن يتعرض بالأذى لمن أحبه الله، لقد جاء في الحديث: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» (رواه مسلم).. والله يحب المتقين ويحب المحسنين وهم معهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨)، فماذا يفعل الحاسدون والحاقدون أمام هذا الحب الذي لا يملك أحد صرفه أو طمسه؟ إن من بين عباد الله المؤمنين من لو أقسم على الله لأبره.. فكيف يأمن أحد إيذاء هؤلاء؟ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١٤).
إن رموز العمل الإسلامي أعلام هداية جعلها الله - سبحانه- معالم يهتدي بها الخلق، فأي تعاسة أن يبتلى إنسان بإنزال هذا العلم جهلُا منه أو عداء أو حسدًا؟ فهل يرعوي عن مثل هذا العمل الظالمون المعتدون؟ وأولى بهم وأحسن لهم أن يعملوا وأن يقولوا ما قاله الإمام القدوة محمد بن إدريس الشافعي حين دخل عليه تلميذه الربيع بن سليمان يعوده في مرضه قال: دخلت على الشافعي وهو مريض فقلت له: قوى الله ضعفك، فقال: لو قوى ضعفي قتلني، فقلت: والله ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير!
وكذلك ما روى عن الإمام الجوال ميمون بن مهران حينما قال له أحد الطفيليين: إن فلانًا يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا بأس وإن طال المكث وأين الذين لا يحسنون الظن بأقوال الدعاة الصالحين اليوم من قول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢)، وأين هم من قول سعيد بن المسيب- رضي الله عنه: «ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل، إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله»؟
بل أين هم من قول الإمام الذهبي -عليه رحمة الله تعالى-: «إن الكبير من أئمة العلم، إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له الله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك»؟
إن باب التشهير بالدعاة لو فتح لم يسلم منه أحد، وإن تتبع أخطاء الدعاة لذكرها والتشهير بها ليس من باب النصيحة ولا هو من الإسلام، وهو مخالف لمنهج السلف الصالح.
فمتى نصل - نحن دعاة اليوم- إلى هذا المنهج؟ ومتى تسلم نفوسنا وصدورنا فلا نحمل على غيرنا؟ ومتى يكون التوجه إلى الله وحده، وإننا ليكفينا أن تأتينا الطعنات من العلمانيين والليبراليين، فهل نسلم من ألسنة إخواننا الدعاة العاملين؟.