; شعاع من القلب | مجلة المجتمع

العنوان شعاع من القلب

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000

مشاهدات 56

نشر في العدد 1396

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 18-أبريل-2000

شعاع من القلب

إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.

صفاء القلوب

صفاء القلوب لا يأتي من فراغ، ولا يتكون من الأفكار العقلية البعيدة عن هدي الدين، مهما كثر تأثيرها، وزادت أعداد معتنقيها، لأن هذه الأفكار موطنها العقول المديرة والأذهان النيرة.

وإنما يتحقق صفاء القلب إذا ما تشرب الإيمان، وتوثقت صلته بالرحمن، وزاد فيه رصيد القرآن والسنة وحب الله ورسوله والمؤمنين، والتخلي عن كل ما يخالف الدين، وبذا يكون صاحب هذا القلب قد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انقصام لها، فتصفو له الحياة وتصفو به الحياة مع المكدرات والمنغصات، لأنه بعيد عن السيئات والمعاصي، قريب من الطاعات فلا يتكون الران على هذا القلب، ولا تغلفه أغلفة سوداء من قتام الأحقاد أو الأضغان، فيكون قلبًا صالحًا تصلح به الدنيا وتتصلح : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (متفق عليه).

وللقلب الصالح تأثير على المجتمع كما أن له تأثيرًا على الجسد، وهذا لا يتحقق إلا بتفاعل أصحاب القلوب وتلاقيهم على هدف واضح محدد يشدهم إليه، ويجتمعون عليه، ولا هدف أوضح ولا خير أعظم من العمل للإسلام ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣).

وقد يكون لقاء الأبدان عسيرًا أو بعيدًا، وقد تلتقي الأبدان دون أن تلتقي القلوب، ولذا فإن التفاعل بين أصحاب القلوب المؤمنة حتمي لإتمام العمل وإكماله، وحين يتعسر لقاء الأبدان فإن شعاع القلب لا يكف عن الانبعاث والدوران عله يجد قلبًا مستقبلًا يتلقاه ويمتزج به ويجذبه ليتفاعل معه ويلتقي الجميع على أمر قد قدر.

ومع أننا لا ندعي لأنفسنا صلاحًا، ولا لقلوبنا ورعًا، ولا نزكي أنفسنا، إلا أننا نحاول- ما استطعنا- أن نتأسى بالأتقياء الورعين، والصلحاء المصلحين، الذين أحبوا الله ورسوله من كل قلوبهم، وقدموا حب الله ورسوله على حب أنفسهم وأهليهم وأموالهم مصداق قول رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» (متفق عليه)

وقوله ﷺ لعمر حين قال له: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من إلي من نفسه، قال عمر فلأنت الآن والله أحب إلي من نفسي، فقال رسول الله ﷺ «الآن يا عمره» (مسند الإمام أحمد) 

ومثل هذه القلوب- التي تعمق فيها هذا الحب وتأصل- هي التي ترسل إشعاعاتها نحو الآخرين فيتلقفونها بقلوبهم، فتتواصل المشاعر والأواصر لتحيي من النفوس ما همد، وتوقظ منها ما غفل لينطلق الجميع في الحياة لا لغرض دنيوي، ولا لكسب مادي، ولكن لإظهار دين الله على الدين كله كره ذلك من كره، وأحب ذلك من أحب.

أليس يرضى الله للمؤمنين أن يعملوا جادين على نشر الدين، وأن يدفعوا عنه انتحال المضلين وافتراء المبطلين، وتجاوز الغالين؟

إن الله يرضى لنا أن نعمل على هذه الغاية، التي لا تتحقق في كثير من الأحوال إلا بالجهاد بالمال أو النفس: ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ﴾ (التوبة: ۱۱۱)، وهما وسيلتان ترخصان عند الصادقين من المؤمنين في سبيل سلعة الله الغالية «الجنة».

ومن واجبنا أن نحقق مرضاة الله وأن تعمل ما تستطيع من أجل تمكين دين الله في قلوب الناس، قبل أن تمكن له على الأرض. 

ومفاتيح القلوب تتجمع في دائرة الحب التي تجمع المحبين في الله، وإن بعدت الديار وتناءت الأبدان، وحين ترسل قلوب المحبين في الله أشعتها تتجمع حزمة من الضوء، تزيل الظلام والقتام، وتنير الطريق أمام الأبصار بعدما استنارت البصائر.

ونحن- إن شاء الله- سوف نرسل إلى قلوب الصادقين المحبوبين المحبين في كل أسبوع شعاعًا من القلب، يحمل قبسًا، وينير دربًا، لعلنا بذلك نشارك في إزالة الران عن بعض القلوب وتجذب إلى ضوء الإسلام الحائرين في الدروب.

ونعيد إلى مسيرة العمل الإسلامي الرواء والبهاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

147

الثلاثاء 14-أبريل-1970

حلاوة الإيمان

نشر في العدد 244

169

الثلاثاء 08-أبريل-1975

ولنَا مع الدعَاة وقفَة

نشر في العدد 254

74

الثلاثاء 17-يونيو-1975

في المحراب..   الله جل جلاله