العنوان صراع حول مستقبل اليمن في مجلس النواب
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992
مشاهدات 90
نشر في العدد 1008
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 21-يوليو-1992
شهدت قاعة مجلس النواب في الجمهورية
اليمنية صراعًا حادًا حول مشروع قانون التربية والتعليم، والذي جاءت مناقشته قبل
بضعة شهور من انتهاء الفترة الانتقالية في 30 نوفمبر القادم.
ويشكل المجال التعليمي أبرز مجالات النشاط
الحزبي واستقطاب الأعضاء للانخراط في الأحزاب منذ ظهورها في الستينيات، وتعاظم
نفوذها في السبعينيات، وحتى الاعتراف الرسمي بها بعد قيام الوحدة اليمنية في مايو 1990م.
وقد استطاع اليسار القومي والماركسي أن
يكتسب نفوذًا عظيمًا في أوساط الطلاب في فترة الستينيات والسبعينيات، يساعده في
ذلك المد القومي، ثم اليساري المنتعش –آنذاك– في المنطقة العربية، إلا أن منتصف
السبعينيات شهد ظهور نمط تعليمي جديد يركز على تدريس العلوم الإسلامية والعربية،
إضافة للمنهج الدراسي العام للدولة.
ومع بداية الثمانينيات كان هذا النمط
الجديد قد انتشر بقوة ليشكل ما يعرف الآن بالمعاهد العلمية التي تطورت حيث بلغ
عددها عام ١٩٩٢م حوالي الـ(٦٠٠) معهد تضم كل مراحل التعليم العامة ومعاهد المعلمين
والمعاهد الشرعية، إضافة إلى ما يقارب (۷۰۰) مدرسة
لتحفيظ القرآن الكريم منتشرة في مساجد المدن اليمنية.
|
* قوى اليسار اليمني
ترى أن تجربة المعاهد العلمية تشكل خطرًا كبيرًا على نفوذها. |
المعارضة اليسارية الشرسة
وليس سرًّا أن قوى اليسار اليمني المختلفة
كانت ترى في تجربة المعاهد العلمية خطرًا كبيرًا على نفوذها، الأمر الذي دفعها
لمقاومتها منذ البداية بلا هوادة؛ حيث شهد عام ١٩٨٠م أول محاولة جديدة لتصفية
المعاهد، لكن الظروف السياسية التي كانت البلاد تمر بها ساعدت على بلورة شكل أكثر
تنظيمًا، حيث تم تنظيم المعاهد في الهيئة العامة للمعاهد العلمية بقرار صادر من
مجلس الشعب التأسيسي آنذاك.
ومنذ ذلك الحين انتشرت المعاهد وتوسعت
وتنوعت؛ حتى وصلت ميزانيتها في العام الأخير إلى مبلغ مليار و٢٥٠ مليون ريال ضمن
الميزانية العامة للدولة.
ورغم فشل المعادين للمعاهد العلمية في
محاولة تصفيتها، إلا أن إصرارهم لم يهدأ أبدًا؛ حيث ظلوا ينتهزون المتغيرات
السياسية لتنفيذ هدفهم دون كلل أو ملل كما حدث في أعوام ١٩٨٤م و١٩٨٨م حتى ساعة
كتابة هذه السطور.
ولأن اليسار الماركسي كان أشد خصوم
المعاهد العلمية عداوة، فقد وجد في تحقيق الوحدة اليمنية فرصته الذهبية لتصفيتها
طالما أنه صار مشاركًا في السلطة بنصيب الأسد، بل إن كثيرين لا يستبعدون أن تكون
تصفية المعاهد العلمية أحد شروط تنفيذ الوحدة.
وطوال السنتين الماضيتين لم تهدأ الصحافة
الماركسية في تبني الدعوة لتصفية المعاهد العلمية، وتصويرها بأنها أوكار
للمتطرفين، ومخازن للأسلحة، وساحات للتدريب العسكري، على أنه من الإنصاف القول بأن
القوى الأخرى في الدولة لا تألو جهدًا في تحقيق الهدف ذاته، ولكن بأسلوب أقل
إثارة؛ لأن الجميع يتفقون بأن هذه المعاهد هي في الأخير رصيد متجدد للتيار
الإسلامي.
القانون الشاذ
ظل قانون التعليم يشهد حوارات في كواليس
الدولة ومجلس النواب شهورا طويلة دون اتفاق على الحد الأدنى منه، ولاسيما في
اللجنة المختصة بالتربية والتعليم في المجلس.
وفي أول دورة بعد إجازة عيد الأضحى
الماضية فوجئ النواب الحاضرون بإقرار إنزال قانون التعليم ضمن القوانين المقرر
مناقشتها رغم عدم توفر النصاب اللازم لهذا الإقرار.
ورغم تنبيه الأعضاء لرئاسة المجلس لهذه
الثغرة الدستورية أكثر من مرة، إلا أن إصرار رئيس المجلس «عضو المكتب السياسي
للحزب الاشتراكي» على فرض مناقشة القانون دفعه إلى عدم الالتفات لصيحات النواب
واحتجاجاتهم، بل رفض مجرد الالتفات إلى وثيقة قدمها سبعون نائبًا- من بينهم مقرر
لجنة التربية والتعليم- تدعو إلى تأجيل مناقشة القانون طالما أن الخلاف حوله يبدو
أنه سيهدد وحدة المجلس، ويؤدي إلى عواقب مجهولة!
ومن المآخذ القانونية على هذا القانون أنه
يمثل وجهة نظر حزب واحد؛ حيث كانت رئاسة المجلس قد قامت بإعادة مشروع القانون
المقدم من الحكومة، والذي تم إعداده والمصادقة عليه من قبل لجان تربوية متخصصة
أثناء إعداد القوانين الوحدوية قبل قيام الوحدة، ولعل هذا يفسر غياب وزير التربية
والتعليم اليمني عن حضور مناقشات مشروع القانون المعروض باعتباره قانونًا لا تعرف
الوزارة عنه شيئًا، ولا يمثل وجهة نظرها ولا رأي أجهزتها المتخصصة!
النواب الإسلاميون من جهتهم قدموا مشروعًا
ثالثًا أعدته لجنة من التربويين المتخصصين، إلا أنه لاقى مصير مشروع اللجان
الوحدوية المتخصصة، الأمر الذي كشف بوضوح أن رأس المعاهد العلمية مطلوب بأي ثمن
هذه المرة؛ لأن القانون المعروض حاليًا للمناقشة هو الوحيد الذي يلغي المعاهد
العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم صراحة.
ولأول مرة منذ بداية نقل جلسات مجلس
النواب عبر التلفاز، يشاهد المواطنون نقاشات ساخنة، وأنواعا من المهاترات والتبادل
العنيف للكلمات بين المؤيدين والمعارضين للقانون، ولأول مرة ترتفع صيحات بعض
النواب تطالب رئيس المجلس بأن يعطي المعارضة حقها من الاحترام عبر التجاوب مع
نداءاتها، وتسيير النقاش بطريقة تحترم الرأي الآخر؛ حتى لقد وصل الأمر ببعض النواب
باتهام المجلس بالديكتاتورية.
وفي الأسبوع الماضي أعلن عدد من أبرز
أعضاء الكتلة الإسلامية في البرلمان انسحابهم من مناقشة قانون التعليم، داعين في
رسالة وجهوها لرئاسة الدولة إلى التدخل لوقف الانتهاكات الدستورية، وإنزال المشروع
الأصلي للمناقشة، أو تأجيلها إلى ما بعد الفترة الانتقالية.
ويمكن تلخيص أبرز مآخذ التيار الإسلامي
على مشروع قانون التعليم كالآتي:
1- الغموض في تحديد الأسس الإسلامية المطلوبة
في قانون التعليم الخاص بتنشئة الأجيال القادمة.
2- إلغاء المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ
القرآن الكريم دون مبرر، وعدم الاستفادة من إيجابياتها.
3- تبني مشروع القانون لوجهة النظر اليسارية
في المناهج وعدم اتباع الأصول الدستورية في مناقشته وإقراره (يعد هذا القانون هو
الوحيد- من ضمن ٤٥ قانونًا أعدت قبل الوحدة- الذي تم تغييره واستبداله بقانون آخر
مجهول المصدر).
بالإضافة إلى ذلك هناك أيضًا المآخذ
الدستورية التي أشرنا إليها سابقًا.
المعارضة الشعبية
من المتوقع أن يشهد الشارع اليمني حركة
احتجاجية ضد إلغاء المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، لما لهذه الأخيرة
من تأييد شعبي واسع، ولاسيما في المحافظات الشمالية.
وعلى الصعيد نفسه التقى وفد من علماء
اليمن بالرئيس علي عبدالله صالح، وسلموه رسالة أوضحوا فيها موقفهم مما يجري في
مجلس النواب، وطالبوه بأن يعمل بحزم على الحفاظ على المعاهد ومدارس تحفيظ القرآن
الكريم، داعين إلى اعتماد مشروع القانون الذي أعدته لجان الوحدة المتخصصة.
وحتى ساعة كتابة هذه الرسالة لا يبدو في الأفق بادرة لحل الأزمة، باستثناء تعليق الرئيس على رسالة العلماء الموجهة إلى رئيس مجلس النواب بأخذها في الاعتبار، والالتزام باتفاقية الوحدة التي تنص على تعميم التجارب الناجحة في شطر على محافظات الشطر الآخر!