; صفحات من دفتر الذكريات (۲۷).. تطوان والمغرب الشمالي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (۲۷).. تطوان والمغرب الشمالي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 73

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

  • عبد الرحمن عزام حاول الاستفادة من التناقض الموجود بين الدول الاستعمارية لصالح قضايا المغرب العربي

سر صديقنا عبد الخالق الطريس، عندما أخبرته بأنني حصلت على التأشيرة التي تمكنني من الذهاب إلى «سبته» عن طريق تطوان، وإنني سأذهب غدا في الصباح الباكر دون حاجة للدخول خلسة، وأعطاني رسائل لبعض إخوانه، وعنوان بعضهم وبعض الرسائل الشفوية، وودعت إخواني في طنجة وفي الصباح ركبت سيارة الأتوبيس العادية التي تسير من طنجة إلى تطوان.

 وعلى حدود المنطقة الإسبانية اطلعوا على جوازي وسمحوا لي بالدخول دون أي سؤال أو اعتراض، ووصلت إلى تطوان ونزلت في أحد الفنادق وذهبت بنفسي إلى أحد العنوانين التي أعطاها لي عبد الخالق الطريس، وكان عنوان مطبعة ومكتبة يديرها أحد المغاربة الذين تعلموا في الأزهر، وهناك التقيت به وتعرفت إليه وقلت له عن الرسائل التي أحملها من طنجة، فسر سرور عظيم، وذهب معي إلى بعض إخوانه ودعوني إلى أن التقى بهم في بيت أحدهم، وسهرنا سهرة كبيرة ضمت جميع المثقفين والأعيان من أهالي تطوان.

 و «تطوان» بلدة صغيرة تشبه دمياط في تقاليدها وفي التواصل والتواد بين أعيانها ومثقفيها، فهم يكونون مجموعة متجانسة ويميلون إلى الثقافة العربية أكثر من غيرهم نظرا لأن كثيرا منهم يرسلون أولادهم إلى مصر، بل إلى سوريا وفلسطين للدراسة هناك، وكلهم يعودون إلى بلادهم ويحبون المشرق ومصر خاصة، وكثير من سكان طنجة يقولون إنهم من أصل أندلسي، وكان آباؤهم وأجدادهم من المسلمين الذين فروا من الأندلس وهاجروا إلى المغرب ومنهم «الطريس» نفسه الذي علمت أنه يوجد في أسبانيا الآن من يحملون هذا الاسم من الكاثوليك، وكانت جلسة طيبة، وتبادلنا فيها الأحاديث عن أحوال العالم العربي، وقضايا شمال إفريقيا وفرنسا وأسبانيا، ومستقبل الحركات الوطنية وتحدثنا عن حزب الإصلاح الذي يرأسه عبد الخالق الطريس وحزب الاستقلال الذي يرأسه علال الفاسي والكفاح الوطني ومستقبله وما إلى ذلك من الأحاديث، و-بالطبع- أثيرت قضية الإخوان المسلمين وبعضهم سمع بما تلقاه الآن في مصر من اضطهاد واغتيال الشهيد حسن البنا، وقد تأثروا تأثرا بالغا بهذا الحادث، ومعرفتهم بالإخوان من خلال الرسائل والاتصالات مع أقاربهم الذين يذهبون إلى مصر للدراسة أو للحج أو كلاجئين سياسيين.

الاحتلال الأسباني لشمال المغرب

والحقيقة أن عبد الرحمن عزام استطاع أن يستفيد من التقارب بين البلاد العربية وأسبانيا بمناسبة المقاطعة المفروضة على نظام فرانكو فاقترح على الحكومة الأسبانية أن ترسل على نفقتها بعثة من الطلاب من المنطقة الشمالية للدراسة في مصر في مختلف المعاهد العليا. وخاصة الأزهر، وفي الكليات الجامعية، وهؤلاء يعودون إلى بلادهم في العطلة، ويحكون لهم أخبار المشرق، وأخبار مكتب المغرب العربي وكنت قد التقيت بكثير منهم في مصر عندما قضيت عطلتي هناك عام ١٩٤٧ م، كما التقيت «بعلال» و «الطريس» واذكر اسمه الآن، كان من الذين استشهدوا في حادث الطائرة الذي استشهد فيه الزعيم التونسي الدكتور «الحبيب تامر» وقد ألح التطوانيون على أن أقضي معهم يومين آخرين، ولذلك غادرت تطوان في يوم الجمعة التالي متجها إلى ««سبته»»، ومن «سبته» أخذت السفينة إلى الجزيرة الخضراء، وطبعا «سبته» هي مدينة مغربية ما زال يحتلها الأسبان حتى الآن بحجة أنهم احتلوها قبل احتلالهم للمنطقة الشمالية في المغرب وأصروا على أن يبقوا فيها بعد خروجهم من المنطقة الشمالية من المغرب، بل إنهم يعتبرونها جزءا من إقليمهم ولذلك بقيت مشكلة كبيرة بين المغرب وأسبانيا بشأن هذا الميناء، وميناء آخر هو «ميليلية» وهاتان المدينتان تصر أسبانيا على البقاء فيهما بحجة أنهما جزءان من أراضيها، واستطاعوا أن ينقلوا إليها أعدادا كبيرة من الأسبان، واستقروا فيها ويزاحمون العرب، ويعملون كل الوسائل لإخراجهم منها، حتى أصبح الأسبان هم الأغلبية كما فعلوا في أمريكا الجنوبية حيث احتلوها كلها، وملئوها بالأسبان الذين كونوا الدول الموجودة الآن في أمريكا الوسطى، وأمريكا الجنوبية التي تسمى لهذا السبب أمريكا اللاتينية، وكلها تتكلم اللغة الأسبانية ماعدا البرازيل التي تتكلم البرتغالية، و«سبته» ميناء صغيرا يزدحم بالسكان، ويشبه إلى حد كبير جبل طارق كلا ما هنالك أن جبل طارق صخرة مرتفعة مشرفة على البحر، وأما هذه فهي أرض سهلة سعيدة ولكنها مثلها تضيق بالسكان الذين يعملون بالتجارة والنقل، وتعتبر سوقا حرة يذهب إليها المغاربة، ويدخلونها ليشتروا مستلزماتهم كما يفعلون بالنسبة لطنجة كذلك، وكما يفعل الأسبان في جبل طارق.

المغاربة والجامعة العربية

وأنا على ظهر السفينة التي أقلتني من «سبته» إلى الجزيرة الخضراء. ثم القطار من الجزيرة الخضراء إلى مدريد، وهى مسافة طويلة كنت استرجع الأحاديث التي سمعتها من علال الفاسي وزملائه المغاربة في طنجة، ومن الأستاذ عبد الخالق الطريس ومن إخواننا التطوانيين الذين التقيت بهم مرارًا في اليومين اللذين قضيتهما في تطوان كانت الأحاديث كلها تدور حول آمالهم في الاستقلال وتصميمهم على متابعة الكفاح، وشكواهم من القمع الفرنسي والأسباني الذي كان يزداد يومًا بعد يوم في غفلة من العالم كله، وكذلك كانوا يشيرون إلى آمالهم في أن تساعدهم الدول العربية المستقلة والجامعة العربية.

كما ساعدت سوريا ولبنان، وكما تساعد الآن ليبيا للحصول على الاستقلال الوطني، وأسلوب الكفاح الوطني كان ما زال في نظرهم هو الأسلوب التقليدي في المظاهرات والمنشورات، والخطب، والصحف عندما يكون ذلك ممكنًا، والاجتماعات والدعوة بكل الرسائل بين جميع طبقات الشعب للنهوض في وجه الاحتلال الأجنبي.

الأحزاب المغربية

لم يكن علال الفاسي قد عاد بعد إلى بلاده رغم أنه بقى في الاعتقال تسع سنوات وأفرج عنه، ولكن لم يسمح له بالعودة إلى المغرب، وقد جاء إلى طنجة ليرى أسرته التي ابتعد عنها هذه السنوات الطويلة، وكانت علاقاته مع إخوانه في المغرب تتم عن طريق المراسلات والرسل الذين كانوا يتوافدون على طنجة بوسيلة أو بأخرى وأذكر أننى عندما عدت إلى المغرب بعد استقلاله وكنت أذهب إلى طنجة، وكانت ما زالت منطقة دولية منفصلة عن المغرب كان بعض المغاربة من أعضاء الحزب، والذين ساهموا في الحركة الوطنية الذين يرافقونني في السيارة يشيرون إلى الطرق التي كانوا يسلكونها للذهاب خلسة إلى المنطقة الدولية في طنجة لبعض الأهداف المتعلقة بالحركة الوطنية، وخصوصًا الاتصال بعلال الفاسي عندما كان هناك، أو تسريب بعض الرسائل إلى العالم الخارجي، أو مقابلة بعض الناس الذين لا يستطيعون دخول المغرب.

 أما عبد الخالق الطريس، فكان حزبه في المنطقة الشمالية، وكانت تسمى بالمنطقة «الخليفية» لأن الذي كان يحكمها نظريًا هو أحد أفراد الأسرة المالكة المغربية بصفته خليفة أو نائباً لسلطان المغرب، وكان الخليفة رجلًا طيبًا، ويثقون فيه ولكن كان محرومًا من كل سلطة فعلية، لا يملك من الأمر شيئًا، ويملى عليه الأسبان كل ما يريدون كما يفعل الفرنسيون مع السلطان في بقية مناطق المغرب التي يحتلونها، وكان الاضطهاد الأسباني أكثر شراسة من الاضطهاد الفرنسي وخصوصًا بعد ثورة الأمير عبد الكريم، إلا أنه في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها ابتدأت قبضة الأسبان تخف نظرًا لأن فرانكو كان في حرب أهلية ضد حكومة اسبانيا، وقد جعل المنطقة الشمالية في المغرب هي قاعدة جيشه، وكان جيشه فيه نسبة كبيرة من المغاربة الذين جندهم بالسلطة وبالقانون، وبعد الحرب عندما بدأت الدول الغربية المنتصرة تتحرش به و تقاطعه وتدعو المحاصرته، ابتدأ يخفف قبضته على المغرب الشمالي ليكون منفذًا له إلى قلوب العرب في المشرق الذين قامت جامعتهم العربية بالانفتاح عليه ورفضت تنفيذ المقاطعة، وذلك مقابل أن يخفف أو يعدل من سياسته إزاء المنطقة في المغرب التي زرتها، وكان يعد بالخروج منها إذا خرجت فرنسا من المغرب كله، وطبعًا كان واثقًا أنها ستبقى، وأنه لذلك من حق أسبانيا أن تبقى في شمال المغرب طالما بقيت فرنسا في المغرب.

 وفي هذه المنطقة كان الحزب الوطني يرأسه عبد الخالق الطريس، وكان يسمى حزب الإصلاح إذ أنه كان لا يطالب بالاستقلال، لأن الاستقلال معناه الانفصال عن المغرب الذي يحتله الفرنسيون وهم لا يرون الانفصال عنه، وكل ما كان يريده الوطنيون هو استقلال المغرب كله موحدًا لتكون المنطقة الشمالية جزءًا فيه، فهو كان يدعم حزب الاستقلال في المغرب ويتعاون معه وقد بقى هذا التعاون إلى أقصى حد ممكن حتى بعد الاستقلال، لذلك كان حديثه دائمًا عن التعاون مع حزب الاستقلال، ومع الحركات الوطنية، وكان يترك لحزب الاستقلال كل ما يتعلق بالاتصال بالعالم العربي والعالم الخارجي، وإن كان له ممثلون في القاهرة من الطلاب الذين كانوا يدرسون هناك من أبناء هذه المنطقة، وكان هناك حزب آخر في المنطقة الشمالية أنشأه الشيخ المكي الناصرى، وكان اسمه حزب الوحدة ولذلك لما استقل المغرب وتوحد، أعلن تصفية حزبه، لأن غرضه الذي أنشئ من أجله قد تحقق. والذى لا أنساء أيضًا هو الأتوبيس الذي نقلني من طنجة إلى تطوان، وكان سيارة من سيارات الأتوبيس العادية تعمل بين المدينتين وكانت تشبه إلى حد كبير الأتوبيسات التي تنتقل بين المدن والأرياف في مصر من حيث الزحام ومن حيث عدم توافر أسباب النظافة، وما إلى ذلك من العيوب التي تشوه صورة المجتمع العربي في كل مكان سواء فى مصر أو غيرها، حيث أن الجمهور يغلب عليه الجهل والفوضى وعدم النظام، ولم أشاهد أي أثر للحركة الوطنية بالمنطقة التي زرتها في المغرب سوى هذه اللقاءات بين النخبة المثقفة التي اجتمعت بها، وفي الحقيقة سواء في فرنسا أو في المغرب بل وفي تونس كانت الدائرة التي اتصلت بها دائمًا هي دائرة المثقفين والنخبة الذين يعملون في إطار الحركة الوطنية، فيما عدا الاجتماعات الجماهيرية التي كنا نعقدها في باريس، ويحضرها العمال الجزائريون للسماع والهتاف، وما إليه وينصرفون بعد الاجتماع، وكانت كل صلتنا بهم عبارة عن الخطب والإجابة عن الأسئلة، ولم تتح لي الفرصة أن أعيش معهم حتى فى تونس إذ إن الرحلة التي قمت بها بقيت في دائرة مجموعة السواح التي كنت منضما إليها وإذا كنت خرجت عن نطاق هذه الرحلة خلسة، لكي أتصل ببعض التونسيين، فإنهم كانوا من الطلبة أو من النخبة المثقفة أو المسئولين عن الحزب الوطني أو من الهيئات الإسلامية وكان ذلك ضروريًا حتى لا أثير لنفسي مشاكل أكثر من اللازم.

تجربة فريدة

تعتبر تجربة الركوب في السيارة من طنجة إلى تطوان تجربة فريدة في ذاتها، لم تتح لي حتى في فرنسا نفسها، إذ أننى لم تتح لي فرصة ركوب سيارات الأرياف لأن تنقلاتنا دائما كانت في القطار والمسافات طويلة بين المدن الكبرى؛ فاتصالي بالجمهور المغربي في هذا الأتوبيس قد أطلعني على المدى الطويل الذي يفصل بيننا وبين الحياة الحرة الكريمة التي نريدها لشعوبنا التي نريد أن نبنيها بعد الاستقلال، لذلك فإن فكرتي دائما كانت أن مفتاح كل إصلاح يجب أن يبدأ بالتحرر من السيطرة الأجنبية والحصول على الاستقلال، وكنت أعتقد أنه بالاستقلال سنصبح نحن المسئولين ونتحمل مسئولية العمل للإصلاح والنهوض بهذه الجماهير، وليس هذا هو الوقت لكي أتكلم عن خيبة أملنا فيما تحقق الشعرينا في ظل الاستقلال، فقد أشرت مرارًا إلى ذلك.

وفي عودتي إلى أسبانيا توقفت في مدريد يومًا واحدًا لزيارة أخينا الدكتور حافظ إبراهيم ولأقص عليه مشاهداتي ومغامراتي في طنجة والمغرب الشمالي بالرغم من أنه كان قد عارض بشدة ذهابي إلى هناك خوفًا علي من نتائج هذه المغامرة، إلا أنه كان سعيدًا جدًا في أنني استطعت أن أعود بعد هذه الجولة التي وفقني الله فيها لكي أرى أرض المغرب الأقصى، ولو في الجزء الشمالي منه حتى لا أعود لبلادي بعد أن قضيت في باريس أربع سنوات دون أن أرى وطننا الإسلامي في بلاد شمال إفريقيا المكافحة المناضلة، ولكنى صرحت له إنني سأعود إلى مصر، وفى نفسي ألم كبير لأنني لم استطع رؤية الجزائر، أو زيارتها.

من مدريد عدت إلى باريس، وأنا عازم على أن أتفرغ تمامًا لدراستي، وأن أعود لمصر بالدكتوراه مهما تكن الظروف ومهما تكن النتائج، وقلت لنفسي لن تكون المغامرة فى مصر أكثر من المغامرات التي قمت بها في تونس وفي المغرب الشمالي، لكنى لما وصلت إلى باريس بكل أسف كان تعب الرحلة قد أنهك صحتي، وفوجئت في إحدى الليالي بمغص كلوى شديد جدًا، بعد أن كنت أظن أننى تحررت منه نهائيًا بعد العملية الجراحية التي استخرجت بها الحصوة، لكن المغص في هذه للمرة كان في الجانب الأيمن، أما في المرة الأولى فكان في الجانب الأيسر الذي أجريت به العملية لاستخراج الحصوة، واضطررت أن أذهب إلى الطبيب الذي عالجني للمرة الأولى، وبعد عمل الأشعة اكتشفت أن هناك حصوة أخرى في الجانب الأيمن، وقال إنها على كل حال أصغر من الحصوة السابقة، ويمكن معالجتها بالأدوية حتى تخرج إن شاء الله، ووصف لى الأدوية اللازمة وقال إذا أردت أن تعجل بالشفاء؛ فمن الأفضل أن تذهب إلى إحدى المدن للاستشفاء لتستجم هناك، وتتناول المياه المعدنية المناسبة، وقال لى أن أختار بين مياه افیان ومياه فيتيل، وقد اخترت أفيان لما وصف أنها قريبة من سويسرا، وأنها تطل على بحيرة جنيف، وأنها أقرب إلى البحر الأبيض المتوسط وجوها أقرب إلى جو بلادنا، وقررت أن أذهب إلى هناك لتجربة المياه المعدنية لاستخراج هذه الحصوة وقضيت في أفيان مدة طويلة انتظر أخبارًا من مصر عن تغيير الأحوال أو تحسنها، ولم تأت الأخبار بما يسر، فأثرت بعد نهاية الصيف العودة إلى باريس، وذهبت للطبيب فقرر إجراء عملية ثانية في الجانب الأيمن، وأثناء ذلك جاءت أنباء من مصر بتغيير الحكومة، فاتصلت بالأستاذ «هوجنيه» واتفقت معه على أن يحدد لي موعداً للمناقشة ومن حسن الحظ أنه في هذه الأثناء تأكدت الأنباء عن أن الحكومة الجديدة ستكون حكومة الوفد، وأنها وعدت بالإفراج عن المعتقلين، وتغيير السياسة تجاه الإخوان المسلمين، لذلك فإنني بعد أن تمت مناقشة رسالتي في «شهر ديسمبر ١٩٤٩م» قررت أن أعود فوراً إلى مصر، وقد أتممت مهمتي التي اعتبرتها مهمة علمية من جميع النواحي، لأن العلم في نظري كما هو عند الإخوان المسلمين - ليس في الكتب فقط، وإنما هو في ميادين العمل والكفاح.

البروفسير هوجنيه

ولابد أن أذكر شيئًا عن أستاذي البروفسير «هوجنيه» الذي كان أكبر أساتذة القانون الجنائي في باريس في ذلك الوقت، وكان سنة فوق السبعين وقد تعلمت منه كثيرا، فهو يتميز بالانقطاع للعلم والبحث، لا يعرف غير العلم والكتب، وأذكر أنني زرته في منزله فوجدته يسكن في شقة صغيرة تكاد تكون عادية في إحدى العمارات العالية التي تعتبر مساكن شعبية، أو اقتصادية على مشارف الطريق الدائري لمدينة باريس، وكان يسكن وحده وقال لي وهو في غاية التأثر: «إن زوجته قد ماتت منذ سنوات وكان له ابن طيار، توفى في حادث طائرة، وقال إن هذا الابن قد مر في مصر في إحدى رحلاته وأرسل له بطاقة رأى فيها جمال مصر ومزاياها، ومنذ ذلك الوقت يحب مصر والمصريين» وأخرج البطاقة وأراني إياها بخط ابنه المتوفي، وأضاف أن له طلبة من المصريين الأوفياء، وقد ذكر لي اسم أحد طلابه من أبناء الصعيد الذي كان يدرس في باريس في عام ۱۹۲٥ م، وقال إنه يشتغل في المحاماة ويكتب إليه من حين لآخر، وفي إحدى المرات قال لي إن هذا المحامي المصري يصر على أن يرسل له هدية من السكر والأشياء التموينية التي لا توجد في فرنسا بعدما علم عن الأزمة التي نقاسيها بسبب الحرب، وطلب منه أن يعطيه عنوان أحد المصريين في فرنسا ليرسل الأشياء باسمه، لأن هذا يسهل له شحن مثل هذه الأشياء، واستأذنني في أن يعطى له عنواني وفعلا وصل الطرد وسلمته له.

وقد فوجئت عندما سألته عن رقم تليفونه لأتصل به فأجاب إنه لا يستعمل التليفون، ولم يكن لديه تليفون في يوم من الأيام، ولا يريده في منزله، لأنه يعطله عن العمل، كما قال لي إنه اختار هذا المسكن، لأنه قريب من محطة المترو، وأنه يركب المترو دائما إلى الكلية، وإنه سعيد لأن الخط مباشر من المنزل للكلية، ولا يحتاج إلى تغيير القطار، وصحبته يوم من الكلية إلى محطة المترو، وهناك وقف وقال لي إنني أحب هذه المحطة، لأنه يعقد فيها كل أسبوع سوقا متنقلا للخضر والفاكهة والمواد الغذائية وأنه تعود طول مدة الحرب أن يشترى ما يلزم له منه، ويحمله إلى منزله وأنه لم يملك سيارة طول حياته، ولا يريد ذلك لأن المترو يغنيه عن كل ذلك، وبدأت أذكر حالة المعيدين وشباب المدرسين عندنا في مصر  وفي البلاد العربية الذين لا يستريحون بعد تعيينهم إلا إذا كان لديهم تليفون وسيارة هذا هو أستاذي العظيم «هو جيه»، وقد كان سعيدا إذ كتب إلي بعد عودتي إلى القاهرة يعنتني لأن رسالتي قد حازت جائزة أحسن رسائل ذلك العام من جامعة باريس على تزكيته، ولما قررت كلية الحقوق بالقاهرة طبع على نفقتها بعثت إليه أطلب منه أن يكتب لي مقدمة لها نشرت في النص الفرنسي لرسالتي، ويكفي قراءتها المعرفة عمق العلاقة بيني وبينه، أما ترجمة رسالتي للغة العربية ونشرها، فلم يتم للآن، ولذلك أسباب عديدة ليست كلها راجعة إلى تقصيري.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1778

72

السبت 24-نوفمبر-2007

أيام في تطوان (2)

نشر في العدد 1779

86

السبت 01-ديسمبر-2007

أيام في تِطوان (٣)

نشر في العدد 1777

89

السبت 17-نوفمبر-2007

أيام في تطوان