; صفحات من دفتر الذكريات (34) بين الحكم «الوطني» العصري.. والتيار الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (34) بين الحكم «الوطني» العصري.. والتيار الإسلامي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 70

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 31-يناير-1995

وطن الإسلاميين هو «دار الإسلام» التي تضم جميع شعوب العالم الإسلامي، لذلك نعتبر الكفاح من أجل هذه القضايا جميعها كفاحًا إسلاميًا وطنيًا في نفس الوقت، وأذكر أن من أوائل القضايا التي دافع عنها الإخوان المسلمون عقب الحرب العالمية الثانية بواسطة «قسم الاتصال بالعالم الإسلامي» الذي كنت أعمل في إطاره عقب تخريجي في الجامعة كانت قضية استقلال إندونيسيا، وكان يعمل معنا مجموعة من خيرة الطلاب الإندونيسيين الذين درسوا في مصر أثناء الحرب، وكان أبرزهم الشهيد إسماعيل بندا الإندونيسي، ولم يكن هناك أية شبهة في أننا نعتبر قضية هذه البلاد النائية مكملة لقضية الجلاء البريطاني عن مصر ووحدتها مع السودان، وكذلك قضايا فلسطين وشمال إفريقيا والصومال وغيرها.
هذا هو الأفق الواسع الذي نعمل في إطاره كحركة إسلامية عالمية، هدفها وحدة العالم الإسلامي وحرية شعوبه كلها الكاملة.
إن عقيدتنا وتراثنا الفكري كان يفرض علينا أن نرفض شعارات الوطنية العصرية القطرية، لأنها يمكن أن تصبح خطرًا على شعوبنا بأن تدفعها إلى قبول التجزئة التي فرضها الاستعمار، وتدفع بعض حكامها وقادتها للسير بها نحو التنكر للوحدة الشاملة التي يفرضها الإسلام، إلا أن الظروف الدولية عقب الحرب العالمية الثانية فرضت علينا أن نؤيد حركات الكفاح الوطني، ونساهم في نضالها مساهمة جدية كان لها الفضل الأكبر في نجاح الأحزاب الوطنية في الحصول على «الاستقلال الوطني».
الاستعمار يزرع التناقض بين الوطنيين والإسلاميين
وكان أساس مساهمتنا أن العمل الوطني هو جزء من الجهاد الإسلامي، وهو مرحلة من مراحله، لأن الاستقلال يفتح لنا الطريق أمام تحقيق آمال شعوبنا في الوحدة والعدل الاجتماعي والنهوض الاقتصادي، والآن يكتشف بعض الوطنيين الصادقين هذه الحقيقة ذاتها التي سبقهم إليها الإسلاميون بعد أن حاولت الدعايات الاستعمارية أن توهمهم بأن هناك تناقضًا بين الإسلام والوطنية، كما أن ما كان يسعى إليه الاشتراكيون من عدالة اجتماعية وتكافل وتضامن بين الأفراد والمجتمعات والطوائف والطبقات كان دائمًا عند الإسلاميين أحد المبادئ الإسلامية الأصيلة، والآن يكتشف كثير ممن دعوا للاشتراكية أن المنهج الصحيح لتحقيق هذه الأهداف في نظر شعوبنا هو الإسلام، وليس الماركسية التي تؤدي إلى التبعية للاتحاد السوفيتي.
بذلك استرد التيار الإسلامي شموله في ميدان العمل، بعد أن كافحت الحركات الإسلامية سنين طويلة للدفاع عن مبدأ شمول الإسلام وقدرته على تحقيق مطامح أمتنا في جميع نواحي حياتها الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية، ابتداءٍ من الاستقلال الوطني إلى العدل الاجتماعي والنمو الاقتصادي والتقدم العلمي.
كنا نجد في كل قطر من هذه الأقطار أحزابًا وهيئات وجماعات «وطنية» كانوا يتعاونون معنا ويطلبون مشاركتنا ومساعدتنا طالما كانوا في حاجة إلينا، ولكن هدفهم كان يقتصر على قضية بلادهم، وعندما يظنون أنهم حققوا هذا «الهدف الوطني» يتحولون إلى حكام يستسلمون للمطامع الحزبية والشخصية، ويعتبرون أن كفاحهم قد انتهى، ولم يعد أمامهم إلا التنافس على المناصب والمكاسب، ويتخلون عن المستقبل الذي لا يمكن أن يحققه «الاستقلال السياسي الوطني» الذي نعتقد نحن أنه لا يحقق لشعوبنا حرية حقيقية ولا سياسة استقلالية، ولا اقتصادًا ذاتيًا متكاملًا، ولا وحدة شاملة فرضها الإسلام على أمتنا لكي تقوم بدورها الحضاري في التاريخ الإنساني.
منذ اللحظة التي ينشغل فيها الوطنيون بالاستقلال الوطني، يبدأ الانفصال بينهم وبين الإسلاميين جميعًا، ويعتقدون خطأ أن صفة العصرية تنحيهم عن الإسلام بل ظن بعضهم أنها تتعارض معه، ويبدأ كثير منهم سياسة المهادنة والتعاون مع القوى الأجنبية التي تواصل خططها لفرض سيطرتها واستعمارها الجديد على شعوبنا، وتعتبر أن وجود الحركات الإسلامية ونموها يحول دون نجاح سياستها التوسعية، ومما يؤسف له أن كثيرين من هؤلاء الحكام «الوطنيين» يتولون مقاومة الحركات الإسلامية، ويعملون للقضاء عليها بأساليب دنيئة وحقيرة كان الاستعمار نفسه عاجزًا عن القيام بها مباشرة بنفسه.
إن من لم يعش هذه الأحداث كما عشتها لا يستطيع أن يدرك إلى أي مدى تصل عملية الغش «الوطني» عندما تلتزم الحكومة «الوطنية» العصرية بالاعتدال مع العدو الأجنبي وتتراجع في موقفها من القوى الاستعمارية - ولإخفاء تنازلاتها وضعفها وجبنها وخيانتها لشعبها -التي لا يقرها الإسلاميون- تلجأ إلى تلفيق اتهامات توجهها إلى الحركة الإسلامية زاعمة بأنها تخل بالأمن أو تدبر المؤامرات، وتصور الخلاف بينها وبين الحركة الإسلامية على أنه صراع على مقاعد السلطة والحكم لتستر الخلاف الحقيقي حول إصرار الإسلاميين على مواصلة الجهاد، ورغبة الحاكمين في الخضوع للمطالب الأجنبية، وتنفيذ خططها لإبقاء شعوبنا متفرقة ممزقة عاجزة عن أن يكون لها اقتصاد مستقل قوي وكيان سياسي له وزن في السياسة الدولية.
هذه هي الصورة الحقيقية لما حدث في مصر في فترة غيابي في فرنسا، عندما أوعزت الحكومة السعدية إلى وكيل وزارة الداخلية ليؤلف مذكرة تؤكد أن الإخوان المسلمين يخلّون بالأمن في «مصر»، ولا بد من القضاء عليهم لتأمين الشعب المصري من خطرهم في حين أن الهدف هو تأمين «إسرائيل» في فلسطين وعقد الهدنة معها، وتصفية الجهاد في فلسطين لإرضاء حلفائها الاستعماريين في أوروبا وأمريكا.
مسرحية المنشية
وقد تكررت المسرحية في عهد الحكم العسكري الناصري بعد عودتي لمصر بإصدار قرار جديد بحل الإخوان عام 1954 م، بحجة وقوع مصادمات بين الطلبة في الجامعة ولما وجدوا أن هذا الاتهام لا يقنع الرأي العام، لجئوا إلى مستشاريهم الأجانب بعد ذلك، فدبروا لهم الأمر بصورة أكثر دقة وتكنولوجية نازية استفادت من عملية حريق «الريشستاغ» التي دبرها هتلر للقضاء على خصومه، وكانت حادثة المنشية الملفقة المدبرة كافية لاعتقال جميع الإخوان والحكم على زعمائهم بالإعدام في عام 1954م، وكنت من أوائل من سجنوا وعذبوا، ليس فقط بسبب قضية الإخوان، بل لقد اكتشفت وأنا في السجن أن اعتقالي كان له علاقة بعملي من أجل قضايا إفريقيا الشمالية.
كنا نظن أنهم يستعينون فقط بالمستشارين الأمريكيين، ولم يخطر ببالنا أن الفرنسيين يمكن أن يكون لهم صلة بالحملة الجديدة على الإخوان، ونسينا أن الحملة الأولى عام 1948م كانت بناء على طلب سفراء الدول الاستعمارية الثلاث ومن بينها فرنسا، بخطاب نشره الإخوان وقدموه للقضاء للتدليل على أن قرار الحل جاء خضوعًا لضغوط أجنبية لمصلحة الاستعمار و «إسرائيل»، وستبقى مسألة التواطؤ بين الفرنسيين وحكام مصر العسكريين ضد الإخوان المسلمين موضوع بحث طويل، قد يفيد فيه أن أذكر ما سمعته من صديقنا السيد «بوزوزو».
الحكومات القطرية المدعومة من المستعمر تحارب الإسلاميين
اذكر هنا قصة «بوزوزو» التي ذكرها لي في أحد لقاءاتي معه في جنيف، حيث يقيم ويعمل أستاذًا للغة العربية بجامعتها، وقال لي إنه كان على صلة ببعض الإخوان الذين يعملون مع الدكتور سعيد رمضان في المركز الإسلامي بجنيف، وكانوا يرسلون له بعض كتب الإخوان ومنشوراتهم على عنوانه في الجزائر، وأنه فوجئ في صيف عام 1954 م، بأنه اعتقل دون أن يعرف سببًا لهذا الاعتقال، وبقي في السجن فترة بعد أن استجوب عن علاقته بالإخوان المسلمين، وأنه في أوائل عام 1955 م، استدعاه الضابط الفرنسي الذي حقق معه، وقدم له عددًا من مجلة فرنسية مصورة هي «باري ماتش» وفيها صورة الشهيد عبد القادر عودة وبعض زعماء الإخوان الذين شنقوا في مصر.
وبعد أن اطلع عليها سأل الضابط، وما شأني بهذا، قال له أردت أن أعرفك أننا نعاملكم أفضل بكثير مما يعامل به إخوانكم في مصر.
وخرج «بوزوزو» من الجزائر إلى أوروبا، لأنه اقتنع بأن حكومات دولها أفضل بكثير من بعض الحكومات الوطنية في العالم العربي، على الأقل بالنسبة للإسلاميين الهاربين من اضطهاد الحكومات الوطنية، ولم يكن هذا شعور «بوزوزو» وحده، بل هناك مئات من شباب الإخوان الذين اضطروا للخروج من بلادهم إلى أوروبا وأمريكا هروبًا من ظلم الحكم «الوطني» رغم أنهم كانوا واثقين أن كل ما كان يفعله  الحكام الوطنيون هو بتحريض الدول الأجنبية وتشجيعها ولصالحها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد كان «بوزوزو» يمثل جيلًا من رواد العمل الإسلامي في شمال أفريقيا، الذين اتصلوا بالإخوان في مصر، وجندوا أنفسهم للعمل الإسلامي الذي لا يعرف الحدود الوطنية وكان منهم كثيرون من أبناء أفريقيا الشمالية، الذين درسوا في مصر أو في المشرق العربي وقاموا بدورهم في نشر الدعوة في بلادهم، وكانوا نواة للصحوة الإسلامية هناك، وفي فترة الكفاح الوطني كانوا يلتزمون بالخط الذي رسمه الإخوان لحركتهم، وهو تدعيم الكفاح الوطني إلى أن تحصل تلك الشعوب على استقلالها، لكن الفرنسيين كانوا يعرفون أن خطرهم على نفوذهم بعد الاستقلال لا بد من مواجهته في وقت مبكر، فكان أول ما فعلوه عندما بدأت ثورة الجزائر أن اعتقلوا كل من له صلة بفكر الإخوان أو دعوتهم.
القبض على مجاهدي الإخوان في فلسطين تنفيذًا لأمر القوى الأجنبية
وفي مصر والشرق العربي كانت الحكومات العربية تعلن تأييدها الحماسي لكفاح الشعب الفلسطيني، وتزايد كل منها على غيرها في أسباب هذا التأييد ومظاهره، ومنها ذهاب متطوعين من أفراد الشعب لمشاركة الفلسطينيين في نضالهم، وكان الإخوان المسلمون وبعض الحركات الإسلامية هي التي تقدمت الصفوف لتدريب المتطوعين وتسليحهم، وإرسالهم إلى ميادين القتال ضد العصابات الصهيونية في فلسطين، وكانوا يعلمونهم أن الجهاد الإسلامي هدفه إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
ولما ضغطت القوى الاستعمارية على الحكومة المصرية والحكومات العربية الأخرى، لكي تعقد هدنة مع العصابات الصهيونية في «رودس» لم تجرؤ الحكومة المصرية أن تعلن للناس أن من بين الشروط التي فرضها الاستعمار لعقد هذه الهدنة هو أن تتولى الجيوش «الوطنية» نزع سلاح المتطوعين المصريين، وغيرهم وإخراجهم من فلسطين وترك الفلسطينيين وحدهم، لكي يتولى الإسرائيليون إخراجهم أو إبادتهم، وأنهم يعتبرون أن الهدنة معناها وقف القتال وإلغاء فريضة الجهاد، ولكنهم وجدوا أنهم لا يستطيعون إلزام الفدائيين الإسلاميين بوقف القتال ولا أن يصرفوهم عن القيام بفريضة الجهاد، لأنهم ذهبوا هناك لكي يحصلوا على «النصر أو الشهادة» لا على الهدنة، إن هدنة الحكومات الوطنية مع العدو الإسرائيلي كانت تحرمهم من الحسنيين التي يتمناهما كل مجاهد، إن الحكومات التي قررت أن تكتفي بالهدنة وألزمت نفسها بتصفية المجاهدين، لكي تبقى في مناصب الحكم لكنهم لا يجرؤون على أن يعلنوا لشعوبهم أنه في دولتهم «المستقلة» لا تستطيع حكومة «وطنية» أن تستمر في السلطة إذا لم ترضخ لمطالب الدول الأجنبية الكبرى، إنهم لا يجرؤون على الاعتراف أمام شعوبهم أن الاستقلال الذي جاء بهم إلى مناصب الوزارة والرئاسة مزيف لأنه لا يضمن لشعوبنا الحرية، ولاحقها في أن يكون لها حكومة لا ترضى عنها الدول الاستعمارية.
نتيجة لذلك فإن «إسرائيل» قد استقر لها الأمر، وعادت الجيوش الوطنية من فلسطين، لأنها لم تستطع أن تدافع عن الشعب الفلسطيني، ولا عن حكومة عموم فلسطين التي أنشأها الفلسطينيون، بل إنهم لوحوا للأردن بأن تكتفي بضم الضفة الغربية إلى إقليمها فضمت الضفة الغربية وتخلت عن القضية، ومصر بقيت في غزة مقابل أنها أخرجت الفدائيين من الإخوان، وجميع الفدائيين الذين أرسلهم الإخوان للدفاع عن الشعب الفلسطيني، صدر الأمر باعتقالهم، وأرسلوهم مقيدين إلى معتقلات جبل الطور، بعد ذلك قررت حكومة الوفد الإفراج عنهم تحت ضغط الرأي العام، إلا أنها لم تعد الحركة الإسلامية إلى الوضع القانوني السابق، واضطررنا أن نرفع قضية استمرت سنوات حتى صدر حكم لصالحنا من مجلس الدولة، ومع ذلك فالحكومات تراوغ وتماطل، وما زالت تخشى وجود الإخوان، وكلما استعادوا نشاطهم عادت الحكومات لاضطهادهم بتحريض من القوى الأجنبية، لأن الإخوان كحركة إسلامية تعكر الجو على الحكام الوطنيين، وتجلب عليهم التهديدات من الدول الأجنبية التي يسعى الوطنيون ويتبارون في إرضائها، ونتيجة لذلك فإن الذين يكسبون هم الأكثر اعتدالًا، أي الأكثر ضعفًا أو خيانة لشعوبهم.

الرابط المختصر :