; المجتمع التربوي (1164) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1164)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1164

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 29-أغسطس-1995

صناعة الأمل

بقلم: علاء حسنى المزين

محاضر في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا

الشعوب الإسلامية في حاجة إلى أمل.. أمل قوي في إمكانية استعادة المكانة لسليبة والحقوق المغتصبة.

أمل في إمكانية تجاوز هذه المرحلة البغيضة من تاريخها؛ حيث تعيش في ذيل الأمم ومؤخرة الركب مهينة هينة على الناس يتحكم في مقدراتها، ومسيرتها شذاذ الآفاق وحثالات البشر..

أمل في إمكانية الانتصار في معاركها الفاصلة ضد أمراضها الذاتية أولًا، فضلًا عن أعدائها الخارجيين المحدقين بها من كل جانب.

إن الأمل يفجر الطاقات وينعش الروح، يفتق الأذهان، ويحفز الهمم، ويشحذ العزائم. بينما اليأس يقتل ذلك كله، ويسلم إلى القعود تمامًا والهوان، فلا غرابة أن ينفي الله صفة اليأس عن المؤمنين، ويلصقها بالكافرين. ﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ (يوسف: 87).

النفس المؤمنة نفس متفائلة لا يعرف التشاؤم إليها سبيلًا، ولم لا يتفاعل المؤمن وهو ينظر بنور قلبه إلى نصر الله الذي ينتظره مهما طال الزمن وتضخم رصيد التضحيات؟ كيف لا يتفاعل ووعود الله بالنصر والتأييد تترى؟ وآياتها في الأرض لا تخطئها بصيرة من كان له قلب أو الفي السمع وهو شهيد؟ لقد تربى الصحابة الأوائل الذين غيروا مجرى تاريخ البشرية، وتركوا بصماتهم بارزةً عليه، تربوا على تعميق روح الأمل في بداياتهم الأولى، وكم كان رصيدهم من بشارات النبي الله المستقبلية رصيدًا زاخرًا لا ينفد، مما كان له أعظم الأثر في إنجازاتهم الهائلة فيما بعد.

يأتي خباب بن الأرت يشكو للنبي ﷺ - وهو متوسد ببردته في ظل الكعبة ما يلقونه من أذى قريش، فلا يلجأ النبي المربي، إلى تطييب خاطره ببعض كلمات، ولكنه يذكره بحقيقتين، الأولى أن الابتلاء سنة الدعوة الماضية منذ القدم؛ ليميز الله الصفوف، وينفي الخبث عن الصفوة المختارة التي تقوم على أمر الدعوة الربانية والشهادة باسم ربها على الناس؛ ليكونوا جديرين بفضله ونعمته تلك، والثانية أن الدعوة حتمًا ستنتصر مهما طال بها الزمن وكثرت التضحيات، وأن الأمل بل اليقين بذلك ينبغي أن يملأ جنبات نفس المؤمن، ويوقن خباب كما يوقن غيره، ومن أمثاله كانت الصفوة التي صنعت التاريخ.

إن بقاء الشعوب أو اندثارها في مسيرة الحياة أمر مرهون إلى حد كبير بمدى ما في قلوب أفرادها من أمل في مستقبل مشرق وغد أفضل مهما كان واقعها مريرًا مجهدًا. لقد ظلت الشيوعية تبث الآمال الكاذبة في نفوس الشعوب المقهورة التي رزحت ردحًا طويلًا تحت نيرها، فلما انهار الأمل وتمزق الحلم الجميل الذي صنعته الشيوعية من الأوهام لا الحقائق؛ انهار ذلك الصرح كله إلى غير رجعة، ولم تزل أمم الجبريات الحديثة كما أسماها نبينا في حديثه المشهور تتخذ من هذا الفن فن صناعة الأمل في نفوس تابعيها أو الخاضعين لتعزيزها أسلوبًا رهيبًا لإخضاع قطعان ضخمة من البشرية المعذبة.

والناس وراء الآمال، ومن يلوح بالآمال يدور من حيث دار ودرات. أما الشعوب الإسلامية فبرغم الآمال العريضة التي يطنطن بها من يتحكمون في مصائرها، ويقعدون مقاعد التوجيه والقيادة منها مدًّا لأعمارهم وسيطرتهم. فإن نوعًا من اليأس والتشاؤم يلفها، وبخاصة فيما يتعلق بمستقبل الإسلام ومستقبلها في إطار الإسلام.

إن الكثيرين ينصرفون عن دعاة الحق؛ لأن هذه المشاعر الفتاكة من يأس وتشاؤم وافتقاد للأمل، تملأ عليهم جنبات نفوسهم، وتجعل كلًّا منهم جزيرة لا علاقة لها بما حولها من الجزر، هاربًا في جلده، ذاهلًا عما حوله، فضلًا عما أمامه!!.

وإن الكثيرين يتسربون من قطار الحق بعد الالتحاق به نتيجة تسلل هذه المشاعر القاتلة إليها على حين غفلة في لحظات فتنة أو ضعف.

وما أكثر من يتآمر على الأمل في قلب المسلم، أحداث تدور وأحاديث لا تنقطع.. وفظائع قد تشيب لها المفارق، وانتكاسات في غير میدان ولكن صناع الأمل يعرفون دائمًا كيف يواجهون هذه الظروف المتآصرة والأيادي السوداء.

صناع الأمل يعرفون كيف يزرعون النفوس بآيات الكتاب وبشارات الرسول ﷺ واستقراء الواقع.. وتجلية البصائر...

صناع الأمل يعرفون كيف يغرسونه بحكمة بغير إفراط يفضي إلى التواكل والترهل أو تفريط يوقع رويدًا رويدًا في حبائل اليأس والقنوط.

إن صناعة الأمل واجب كل غيور مخلص لهذه الأمة، حريص على استعادتها لدورها الريادي والقيادي، فللأدباء نصيب، والمفكرين نصيب، وللدعاة، والمعلمين نصيب، ولغيرهم... وغيرهم أنصبة لا تنكر، فليت كلا يجتهد على ثغرته. والله من وراء العاملين المخلصين.

 

  • آلام وآمال: الحياة ودور المسلم فيها

بقلم: د.جاسم المهلهل الياسين

الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط رحالهم إلا في الجنة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبني على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة إنما ذلك بعد انتهاء السفر.

ولهذا نبذها رسول الله ﷺ وراء ظهره هو وأصحابه، وصرفوا عنها قلوبهم، وأطرحوها ولم يألفوها، وهجروها ولم يميلوا إليها، وعدوها سجنًا لا جنةً، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كل محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل.

وذلك كما قال النبي: «ما لي والدينا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» (صحيح الترمذي الزهد 7/48) وقوله: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع» (متفق عليه). وكما قال - عز وجل: ﴿ٱعْلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (الحديد:۲۰).

وقوله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بالحياة الدُّنْيَا وَمَا الحياة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (الرعد: ٢٦) وقد توعد سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرج لقاءه، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ (يونس: ۸-۷).

وسئل أبو صفوان الرعيني: «ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن والتي ينبغي للعاقل أن يتجنبها؟ فقال: كل ما أصبت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكل ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس منها.

وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور، ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكن متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.

فحب الدنيا هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا هو الذي عمر الجنة بأهلها، ويقول ابن مسعود - رضى الله عنه -: «ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية، فالضيف مرتحل والعارية مؤداة، وفي ذلك قيل:

وما المال والأهلون إلا ودائع

ولا بد يومًا أن ترد الودائع

فالدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا عليها، فلا ترضى بالدياثة

ميزت بين جمالها وفعالها

فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي

حلفت لنا أن لا تخـون عهـودنا

فكأنها حلفت لنا أن لا تفي

السير في طلبها سير في أرض مسبعة، والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح، المفروح به منها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها.

مأرب كانت في الشباب لأهلها

عذابًا فصارت في المشـــيـب عـــذابا

أما عن دور المسلم في الحياة.. إن للمسلم دورًا كبيرًا وهامًا في هذه الحياة يسمو فوق المتع الجسدية والشهوانية التي تشترك في طلبها كل دابة في الأرض، بل إن الإنسان قد كرمه الله ورزقه وفضله على كثير ممن خلق، قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ۷۰)، وجاءت نعمة الإسلام من الله للمسلم يُكرمه بها ويرفع من مكانته وقدره، وكان قبل الإسلام في حالة لا يحسد عليها من الجهل والانحطاط والتخلف والهمجية ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: 1-2) كان الإنسان قبل الإسلام له وضع، وبعد الإسلام له وضع آخر مغاير، وكان الإسلام يعني التحول إلى الوضع الصحيح والسليم والأمثل، وما أحسن ما وصف به جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه، حاله وحال قومه قبل وبعد الإسلام، وهو يتقدم وفد المهاجرين إلى النجاشي ملك الحبشة ويجيب على أسئلته، فيقول في عزة المؤمن الواثق بربه: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من الحجارة والأوثان، أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء... إلخ الحوار، الذي دار بين النجاشي ووفد المهاجرين . ابن هشام (1/359).

لقد جاء الإسلام لينقلهم من الضعة والتشتت والفرقة إلى العزة والتآلف والاتحاد والقوة، فيصبحوا إخوانًا مطبقين قول الحق جل شأنه ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾ (آل عمران: 102- 105).

وماذا كان من أمرهم لما أصبحوا بنعمة الله إخوانًا، كان العجب العجاب نشروا دين الله في أرجاء الأرض، ورفرفت راية التوحيد في كل مكان وطئته أقدام الفاتحين المسلمين، تعلن كلمة الحق صريحة أمام قوى الكفر والطاغوت والضلال، وهكذا كانت تفعل جحافل المجاهدين في سبيل الله، حينما أدركت معنى الحياة التي تنطلق من لا إله إلا الله، يقف المجاهد المسلم بهيئته المتواضعة أمام ملوك الفرس والروم غير ابه بهيمانهم وصولاتهم، يطأ بحوافر فرسه، ويخرق برأس رمحه فرشهم، ويحدثهم حديث الند للند، ملقيًا على مسامعهم ما أرسل به إليهم من دعوتهم إلى دين الله الحنيف، إننا مطالبون أيها الإخوة المسلمون أن نعي دورنا في هذه الحياة كما وعاه أسلافنا الصالحون، وألا يقتصر دورنا على تحقيق رغبات هذا الجسد الفاني والتسابق والتنافس على ملذات الحياة وشهوات النفس وطلب الدنيا إلى الحد الذي ينسينا الآخرة، ولا يكون لدينا تمييز بين حلال وحرام، وطيب وخبيث.

يجب علينا معشر المسلمين أن نعلي كلمة الله في الأرض، وهذا لن يتأتى إلا إذا بدأنا بأنفسنا، وعالجنا أوضاعنا، وأصلحنا أخطانا، وصححنا سيرتنا، وعرضنا واقعنا على كتاب ربنا وسنة نبينا، فما وافقهما أخذنا به، وما خالفهما نبذناه، وبذلك نكون صادقين في إسلامنا.

أيها الإخوة المسلمون: أما آن لنا أن نراجع أنفسنا ونفكر بجدية في واقعنا، ونتذكر تاريخنا الإسلامي الزاهر، ونلقي نظرة على المراحل التي عاشها المسلمون بين مد وجزر، وتقدم وتأخر، ونهوض وتخلف، ونفهم أسباب التقدم والتأخر، وأن التقدم مرهون بالتزام الإسلام عقيدة ومنهج حياة، وأن التأخر سببه البعد عن الإسلام.

 

الرجولة الكاملة ودورها في نهضة الأمة

بقلم: حجازي إبراهيم

من علماء الأزهر

القائد الحق هو من يحسن توظيف طاقات الأمة لتستفيد من قواها المعطلة وخاماتها المبعثرة

عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة...» (۱) كلمات معدودة من جوامع الكلم النبوي الشريف، تحمل في طياتها من المعاني والحكم البالغة، ما يدهش العلماء، ويحار معه البلغاء، وسوف نلفت إلى بعض منها مع بيان موجز لمعنى الحديث.

ومعنى الحديث: أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها، والرغبة في الآخرة قليل جدًّا، كقلة الراحلة في الإبل. وقيل: معناه المرضي الأحوال من الناس، الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأسفار (۲)

وقال ابن حجر: لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب؛ لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطينًا، سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه.

وقال الخطابي: تأولوا هذا الحديث على وجهين أحدهما: أن الناس في أحكام الدين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا الرفيع على وضيع، كالإبل مائة التي لا يكون فيها راحلة.

والثاني أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدًا، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ﴾ (الأعراف: 187) وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة (۳).

بناء النفوس على أخلاق الرجولة

ويقول الأستاذ حسن البنا: المراد أن الناس على كثرتهم لا تتوفر فيهم شروط الرجولة الكاملة، كما أن مائة من الإبل قد لا تجد فيها مطية تتوفر فيها شروط الارتحال، والوصول إلى المقصود عليها، وأنت خبير بمصباح ديوجين.

وديوجين هذا فيلسوف يوناني.. دعا إلى التقشف، وهزئ بالعادات المتوارثة، وهاجم المؤسسات القائمة بما فيها الأسرة، وعاش عيش الشحاذين المتشردين، وفي بعض الأقوال أنه عاش في برميل، وأنه خرج يومًا في رائعة النهار حاملًا مصباحًا، ليبحث عن إنسان فاضل.

وما أحكم قول شوقي:

حل بالمشرقين خطب جليل

رجل مات والرجال قليل

وإنما تقاس الأمم بمقدار نمو خلق الرجولة فيها.

فالحديث تقرير لحالة سنن الاجتماع واستنهاض للأمة الإسلامية أن تتربى على أخلاق الرجولة.

قال: وبعد أن أشار إلى ما يبني من مدارس ومساجد ومصانع قال أيضا.. ولكن الأمم المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة، وتجتاز دور انتقال خطير، وتريد أن تبني حياتها المستقبلية على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهة والهناءة، وتطالب بحق مسلوب، وعز مغصوب في حاجة إلى بناء آخر غير هذه الأبنية، إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق، وطبع أبنائها على خلق الرجولة حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات، ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب، إن الرجل سر حياة الأمم، ومصدر نهضاتها، وإن تاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ ما ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات، وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة، وإني أعتقد والتاريخ يؤيدني أن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته، وفي وسعه أن يهدمها كذلك، إذا توجهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء ...».

عملة نادرة

وللأستاذ أبو الحسن الندوي بهذا الصدد تحت عنوان «بحث عن إنسان»:

قال مولانا جلال الدين الرومي في بعض مقطوعاته: «رأيت البارحة شيخًا يدور حول المدينة، وقد حمل مشعلًا كأنه يبحث عن شيء. قلت له: يا سيدي تبحث عن ماذا؟ قال: قد مللت معاشرة السباع والدواب وضقت بها ذرعًا، وخرجت أبحث عن إنسان في هذا العالم، لقد ضاق صدري من هؤلاء الكسالى والأقزام الذي أجدهم حولي، فخرجت أبحث عن عملاق من الرجال، وبطل من الأبطال يملأ عيني برجولته وشخصيته، ويروح نفسي، قلت له: لقد غرتك نفسك يا هذا، فخرجت تقتنص العنقاء، بالله لا تتعب نفسك وارجع أدراجك، فقد أجهدت نفسي وأنضيت ركابي، ونقبت في البلاد، فلم أر لهذا الكائن عينًا، ولا أثرًا، قال الشيخ: إليك عني أيها الرجل، فأحب شيء إلى نفسي أعزه وجودًا.. وأبعده منالًا ...».

إن هذا الصنف من الرجال هم الأحرار الذين بهم تنهض الأمم وترتقي، وهم العملة النادرة التي قلما أن تقع عليها العين، وفيهم يقول الشاعر:

ما أكثر الناس بل ما أقلهم

والله يعلم أني لم أقل فندا

إني لأغلق عيني ثم أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحدا

ويقول آخر:

أتمنى على الزمان محالا

أن ترى مقلتاي طلعة حر

ويقول آخر:

ما بقي في الإنس حر

لا ولا في الجن حر

قد مضي حي الفريقين

فحلو العـيش مر

رجل بألف

هذا الحر الكريم إن وجد في أمة أحياها من موات وبعثها من رقاد، وبلغة الأرقام يعدل الألف أو يزيد، وكان أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- يقول: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، ولما أبطأ فتح مصر على عمرو بن العاص كتب إلى عمر يستمده بثمانين آلاف رجل، فأمده بأربعة آلاف، وكتب إليه إني أمددتك بأربعة آلاف، رجل على كل ألف رجل رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، واعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولا تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة.

 ويروى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه، أنه خرج في جنازة خالد بن الوليد- رضي الله عنه، بالمدينة، وإذا بأمه تنديه، وتقول:

أنت خير من ألف ألف من القوم، هم إذا ما كبت وجوه الرجال، فقال عمر: صدقت إنه كان كذلك.

 حسن توظيف طاقات الأمة

 وليست قصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج عنا ببعيد، فلقد وصل في ترحاله وتجواله حتى وصل إلى أناس كما يحكي القرآن الكريم ولا يكادون يفقهون قولا، ﴿قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ﴾ (الكهف: 94)، أمة خائفة من يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، فما إن رأت ذا القرنين حتى ناشدته أن يقيم لهم سدًّا يؤمنهم المخاوف، وسيقدمون المقابل المادي المجزي، فماذا كان دور ذي القرنين؟ إنه لم يفعل شيئًا بيده، وإنما استفاد من الطاقات المعطلة، والخامات المبعثرة، وذلك بأن طلب من هؤلاء الذين لا يفقهون أن يعينوه بقوة، وأرشدهم إلى طريق العمل، وحدد لهم المهام المطلوبة، وطلب منهم أن يجمعوا الحديد المبعثر حتى إذا ساوى بين الجبلين، أمرهم أن يؤججوا النيران حتى إذا ما صهر الحديد؛ صب عليه القطر، فإذا بهم يُشيدون سدًّا منيعًا.. وكان يمكن أن يظلوا في رعب دائم مستمر، ما لم يبعث الله لهم ذلك القائد الذي دفعهم إلى العمل، وأرشدهم إلى طريق الخلاص والأمان، وصدق من قال: رجل ذو همة يُحيي الله به آمة، فالرجل الحر يوزن بعدد الذين يستطيع أن يبعث فيهم الحياة والحركة، ويدفعهم إلى العمل؛ سواء كان جهادًا أم عمارة للكون.

وما أجمل قول من قال:

إذا كان في ألف من القوم فارس

مطاع فإن القوم في ألف فارس

وقيل لرجل من بني عبس: ما أكثر صوابكم؟ فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد ونحن نطيعه، فكأنا ألف حازم.

وقال بعض الحكماء: ألف ثعلب يقودها أسد، خير من ألف أسد يقودها ثعلب، إن الرجل الذي ينشده الإسلام إنما هو الرجل الحر الذي يحمل عقيدته في حنايا قلبه وفؤاده، ويجوب بها في الآفاق داعيًا إليها عاملًا على رفع رايتها، وإبلاغها للعالمين مضحيًا في سبيل ذلك بماله ونفسه، موفيًا ببيعته مع الله ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ (التوبة: 111) وإذا كان الرجل من هؤلاء الأحرار، إن وجد في أمة أحياها من موات وبعثها من رقاد، فبفقده تموت أمم ويهلك خلق كثير، وهذا ما يؤكده هذا الشاعر:

لعمرك ما الرزية فقد مال

ولا شاة تموت ولا بعـير

ولكن الرزية فقد حر

يموت بموته بشر كثير

ويقول آخر:

فما كان قيس هلكه هلك واحد

ولكنه بنيان قوم تهدما

وأخيرا ًنهتف مع الشيخ سيد الشنقيطي:

فهل في المسلمين اليوم حر

يفك الأسير ويحمي الذمار

ولن يقدر على الاضطلاع بهذا الدور إلا الرجال الأطهار الذين تطهرت أبدانهم ونفوسهم وقلوبهم، وسمت أخلاقهم وأرواحهم بالاتصال بخالقهم، وعمارتهم لبيوت الله ﴿لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ﴾ (التوبة: 108) هؤلاء الرجال وضعوا نصب أعينهم غايةً عليا، وهدفًا أسمى ألا وهو نيل رضوان الله والفوز بنعيم الآخرة والنجاة من عذابها، وعن هذه الغاية لا تلهيهم أعراض الدنيا الزائلة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ﴾ (النور: 36-38).

الهوامش

1 - فتح الباري 11/333/6498، مسلم 16/101/2547.

2- النووي على مسلم ج١٦ ص ١٠١.

3- فتح الباري جـ ١١ ص ٣٣٥.

النافذة التربوية

خير الزاد التقوى، لقد ذكر الله سبحانه لفظ التقوى بمشتقاته المتعددة في القرآن أكثر من (٢٥٠) مرةً، والمعلوم أن الشيء إذا تكرر ذكره عظم شأنه وقوي تأثيره، وهذه هي حال التقوى، فهي الرحى الذى يدور حوله أغلب العبادات في الإسلام، وهي اللباس الذي امتدحه الله- عز وجل- بقوله: ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ﴾ (الأعراف: 26)، ورحم الله القائل:

إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى

تجرد عريانا وإن كان كاسيا

وخير ثياب المرء طاعة ربه

ولا خير فيمن كان لله عاصيا

فهي الواقي من المعاصي والانخراط فيها، وهي الحاجز والمانع بين الإنسان وشهوات نفسه ونزغات شيطانه، وبها يحقق العبد منا مراتب الإيمان والإحسان.

الوقاية خير من العلاج: عبارة دائمًا ما نسمعها أو نقرؤها في المستشفيات وعلى جدران المستوصفات، ومفادها أن الابتعاد عن أسباب ومواطن المرض أفضل وأسهل من إزالته بعد حصوله، وكذلك التقوى توقظ في الإنسان الشعور الإيماني، فيرى بنور الله الخير والشر، والصواب والخطأ، فيميز بينهما فيرى الحق حقًّا ويُرزق اتباعه، ويرى الباطل باطلًا ويرزق اجتنابه، والإنسان منا إن رزق التغلب على خطرات شيطانه بفضل هذه التقوى فلن يقع في الحرام؛ حيث سيكون واعظًا لنفسه، يقظًا متحفزًا حساسًا يصل أحيانًا إلى مرتبة الورع، فيبتعد عن بعض الحلال خشية أن يقع في المكروه فضلًا عن الحرام.

ولقد جعل الله للتقوى فوائد ونتائج كثيرة جمة، فهي المخرج من الأزمات والنكباب، ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)، ومن لازم التقوى فجزاؤه الجنة خالدًا فيها أبدًا ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ﴾ (النبأ: 31-32)، وهي طريق العلم واتقوا الله ويعلمكم الله، وبها كذلك يتفاضل الناس عند ربهم ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ (الحجرات: 13)، ولقد وصى بها النبي الأكرم ﷺ بقوله: «اتق الله حيثما كنت ...» إذن فهي مصاحبة للإنسان أينما حل وارتحل، وهي سبيل الوصول لجنات الخلود، ذلك الطريق الذي حف بالمكاره.

عبد اللطيف محمد الصريخ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 12

114

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك

نشر في العدد 199

77

الثلاثاء 07-مايو-1974

صور من الحياة

نشر في العدد 1238

71

الثلاثاء 11-فبراير-1997

استراحة المجتمع    العدد 1238