العنوان طريق الدعاة
الكاتب محمد عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1976
مشاهدات 99
نشر في العدد 299
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 11-مايو-1976
أين نحن من هؤلاء؟
إن طريق الدعوة إلى الله يحتاج إلى زاد وفير من الصبر واحتمال المشقة ودوام العزم على مواصلة العمل حتى يأتي نصر الله ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾
والداعية الصادق هو الذي يتخير لدعوته أحسن الوسائل لكي تصل إلى القلوب، وفي تاريخ أسلافنا الذين حملوا هذه الدعوة وصاغهم الله جندًا لها من المثل الحية والقدوة الحسنة ما يعين العاملين اليوم على المضي في الطريق ويفتح لهم من الآفاق المضيئة ما يدعوهم إلى المسارعة لحمل قارورة الدواء والتقدم إلى البشرية المريضة لإسعادها وعلاجها.
وقد اختار لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- من تاريخ السابقين ما يكشف لنا عن جانب من هذا الموكب الكريم الضارب في شعاب الزمن الممتد مع البشرية منذ القدم. روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
١- كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال. للملك قد كبرت سني فابعث إلى غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا يعلمه. فكان في طريقه راهب فقعد إليه وسمع كلامه. فأعجبه. فكان إذا أتى بالساحر مر بالراهب وقعد إليه. فإذا أتى الساحر ضربه فشكا ذلك إلى الراهب. فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.
حسن التصرف:
وهذا الفقه من الراهب الذي أوصى به الغلام من الحيلة على أهله وعلى الساحر تصرف جميل -يحرص عليه الداعية- حيث لم يجد وسيلة ينجو بها الغلام سوى ذلك، لكي يتم بها بلوغ الدعوة للغلام وإعداده ليكون جنديًا للحق لعل الله أن ينفع به وقد كان.. رغم أن المقاييس المادية تقول وماذا يفعل غلام بمفرده في أمة تسير في اتجاه آخر ولكن الداعية الحق هو الذي يحرص على وضع البذرة ثم يترك الباقي لتدبير الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾
ب- «فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس. فقال اليوم أعلم: الساحر أفضل أم الراهب؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر. فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها ومضى الناس»
وهذه وسيلة سلكها الغلام بعيدة عن التعقيد قريبة من فطرته أراد بها أن يطمئن على دينه وعقيدته- واستجاب الله له برحمته ولطفه فاطمأن قلبه واستقر ومضى في الطريق.
جـ- «فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب أي بني. أنت اليوم أفضل مني. قد بلغ من أمرك ما أرى. وإنك ستبتلى. فإن ابتليت فلا تدلى علي».
أفق الداعية:
موقف الراهب المعلم والمربي والأكبر سنًا مع تلميذه واعترافه له بالفضل دليل التجرد والصدق يجب أن يتحلى بهما الدعاة إلى الله دائما، ثم مصارحة المربي لتلاميذه بتكاليف هذه الدعوة وطبيعة الإيمان ومتاعب الطريق وما فيها من عقبات وأشواك ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
د- «وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة. فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني
فقال: لا أشفي أحدًا. إنما يشفي الله. فإن أنت آمنت بالله. دعوت الله فشفاك. فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. فقال له الملك. من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: ولك رب غيري. قال ربي وربك الله.
فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيء بالغلام. فقال له الملك أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟ قال إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجيء بالراهب فقيل له أرجع عن دينك فأبى- فدعا بالمنشار. فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء بجليس الملك. فقيل له ارجع عن دينك فأبى. فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبي. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل فإذ كذا وكذا فاصعدوا به الجبل بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به. فصعدوا الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ قال. كفانيهم الله. فدفعة إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور. فتوسطوا البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به. فقال اللهم اكفينهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله.
- يمثل الغلام بسلوكه وعمله الداعية الحق. لم يستغل شهرته ولا سمعته في شفاء المرضى، وإنما رد الأمر إلى الله وليس إلى نفسه ولم ينتهز الفرصة ليضع يد من يقبل عليه على حقيقة الأمر وهو الإيمان بالله إذا أراد أن تقضى حاجته.
- أن الداعية لا يطلب من أحد أجرًا ولا يبغي مغنما. ولكنه يتحمل كل العناء لأنه يلبي أمر التكليف من الله -عز وجل- وأجره هناك عند الله؟
- أن الدعاة والمؤمنين قد تعرضون للعذاب والأذى وقد أكرهون وقد تضعف أجسادهم عن تحمل الأذى فيدل جليس الملك على الغلام ويدل الغلام وهو المؤمن على مكان الراهب تحت وطأة العذاب وهم جميعًا على خير حال وإيمانهم ملأ أقطار نفوسهم.
«أن قوى الشر والضلال تعمل، في هذه الأرض. والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ خلق الله الإنسان والشر جامح والباطل مسلح وهو يبطش غير متحرج ويضرب غير متورع. ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه وعن الحق إن تفتحت له قلوبهم» «۱»
وها هو الغلام -بعد استشهاد معلمه ومن آمن على يديه- يعاني البلاء ولا حول له ولا طول ولكن الله -عز وجل- يحفظه ويدافع عنه ويظهر على يديه من الكرامات ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
حياة الدعوة في استشهاد الدعاة:
لقد ألهم الله الشاب طريقة من خلالها يبلغ دعوته للناس جميعًا ويتحولون بسببها عن شركهم إلى الإيمان بالله. فانظر ماذا قال للملك
هـ- «أنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال. وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد. وتصلبني على جذع. ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس- ثم قل باسم الله رب الغلام. فإنك أن فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته. ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال. باسم الله رب الغلام. ثم رماه. فوقع السهم في صدغه. فوضع يده على صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذره؟ قد وأنه نزل بك حذرك، قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك فحفرت. وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. أو قيل له اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعست فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق.»
«كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلب بالروعة. روعة الإيمان المستعلي على الفتنة- والعقيدة المنتصرة على الحياة. والانطلاق المتجرد من إرهاق الجسم. وجاذبية الأرض. فقد كان في مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم. ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة..؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كمْ كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير. معنى. زهادة الحياة بلا عقيدة.. وبشاعتها بلا حرية. وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد؟ إنه معنى كريم جدًا ومعنى كبير جدًا هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض ربحوه وهم يجدون مس النار فتحترق أجسادهم وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب ولأعدائهم الطاغين حساب» الظلال سورة البروج
أيها الدعاة:
«قد قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- «قم» فقام وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا. لم يسترح ولم يسكن. ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ. ولا ينوء به عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض. عبء البشرية كلها وعبء العقيدة كله وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى.. «ولقد عرف -صلى الله عليه وسلم- حقيقة الأمر وقدره فقال لخديجة رضي الله عنها وهي تدعوه أن يطمئن وينام «مضى عهد النوم.. يا خديجة»»
هذا وبالله التوفيق
من كتاب «طريق الدعوة»
في ظلال القرآن
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل