العنوان عبد الله عزام الشهيد الذي ترجم المبادئ إلى أعمال
الكاتب حيدر مصطفى
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990
مشاهدات 70
نشر في العدد 950
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 16-يناير-1990
إنها إرادة الله تعالى، أن يظهر هذا
الرجل في هذا الزمان المليء بالمقاصد والتصورات المنحرفة والعقائد البالية، فمن
طبيعة الإنسان ألا تنبعث نفسه غير مبالية لحياة أو لموت إلا في أحوال قليلة، أنه
الدليل القوي على اتفاق الأيديولوجيات المعًاصرة ودليل على أن هذا الدين هو شعور
الإنسان بسمو ذاتيته.
وظهور الحقيقة الجهادية على يدي هذا
الرجل المجاهد هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها، لقد كان طيلة عمره طالبًا ومدرسا
ومجاهدًا، يحاول أن يوجد هذه الأمة التي غطاها الوهن وضربت على نفسها الذلة
والمسكنة، وأراد أن يوصل صوت هذه الأمة إلى العالم فعلًا ليبين لهذا العالم
المتكرر الذي تملأ كأسه الشقاوة..
إن المسلمين الذين ينبعثون من حدود
دينهم وفضائله لا من حدود أنفسهم وشهواتها، هم العقل الوحيد والجديد الذي سيضع في
العالم تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم أظهر من
السحابة في سمائها.
وإذا كان أبو الأعلى المودودي، وسيد
قطب رحمها الله تعالى من قبله قد أرسيا قواعد الجهاد نظريًّا في أذهان المسلمين
بما كتبا من مقالات وكتب لتكون نبراسًا تهتدي به الأجيال التالية، فإن الشيخ
عبدالله عزام قد هذا القول وطبقه على صعيد الواقع فباع ترجم نفسه وأهله ووظيفته
لله تعالى وأنفق في سبيل الله الشيء الكثير، فلله دره من رجل ولله در ذلك الوجه
المشرق كأن فيه لآلئ الذهب على الضوء اجتمعت فيه خصال الرجولة والآباء، وعزة
المسلم، حتى تكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرًا، مخلص شجاع كتبت شجاعته على جبهته
العريقة فكأن فيها معنى يأخذ من يراه، ولقد كنت معه مرة في بيشاور وفي مكتب
الخدمات أتفرس في وجهه، فكلما نظرت إليه، رأيت وجهه لا يفسره إلا تكرار النظر
إليه، إن فيه لتعابير تقول لمن ينظر إليه، كيف لا تفتح الأرض على قوم لا
يحاربون العدو إلا بمقدار ما عنده من الظلم والكفر والرذيلة، كيف لا تفتح الأرض
ومثل هؤلاء الرجال بيننا، وعندما يتكلم فإنه يظهر بطبيعة قوية كطبيعة الموج في
المد المرتفع، فليس في داخله إلا قلب غير هياب، ونفس مندفعة إلى الخارج عنها،
ويخرج من يراه أو يستمع إليه بعبرة وهي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلًا عاملًا
في تحقيق كلمة الله تعالى أما خط نفسه فهو في غير هذه الدنيا، لقد أراد للأمة
المسلمة أن تكون أكبر من غرائزها، وأكثر تحملًا لآلامها وأقوى صبرًا على أدائها،
أراد الملامة أن تنقلب معها الدنيا وحماقتها وشهواتها كالطفل بين يدي رجل فيهما
قوة ضبطه وتصريفه وتربيته، وليشعر هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الزمن، لا
أشعارهما بأن الزمن يتغير، لا بل إنه يستنكر عندما يرى الإنسان المسلم ينفر من
كلمات الضعف والضعة والاستعباد والمسكنة، ثم هو لا يبحث الإنسان لنفسه في الحياة
إلا عن معًانيها الأرضية، وأخف على نفسه الأشياء وكأن ليس لها وزن مهما صعبت وكأن
بعض هذه المعاني الأرضية انتزعت من المادة أمامه، ويتبدد سحر الحوف فلا يكون له
أثر في تلك النفس، إن قانونه هو الثبات والاستقرار والتوازن والقصد، يجتهد أن يحكم
على نفسه، ولا يعبأ بأحكام الدنيا، ويقينه أن اللذة ليست في الراحة والفراغ، وإنما
في مواصلة الجهاد، وإقامة دين الله على الأرض في التعب والكدح والمشقة.
كان عزام رحمه الله تعالى يرى
في الأرض بعض الأمكنة كأنها أمكنه للروح خاصة، تحلق فيها وترتفع عن أدران الدنيا
لتصنع السعادة، وعلى أرض أفغانستان تحقق حلمه فتلاقى الأبطال أحفاد سعد، وخالد،
وعليّ، وأبي عبيدة على حالة واحدة متشابهة، وعلى فكرة واحدة فتسوى الحياة السابقة
حياة اللهو، واستهزأوا بها، واستقبلوا الآخرة بنفوس واسعة رأت حقائق السرور تزيد
وتشع وحقائق الهموم والآلام تضيق وتصفر، وأدركوا أن الدنيا إن ضاقت ففي لقاء الله
فسحة الأمل المرتقب، وأن أولئك العالقين بالدنيا كالمتيبسين في قبورهم، غير أنهم
لم يموتوا، وأعطوا الحياة غير أنهم لم يحيوا، على مثل هذا ربَّي عزام إخوته هناك،
رباهم على حب الجهاد، وسماهم «الحور العين» «بمشاق» وعلمهم أن الدم الحر
الكريم يكون مضاعف القوة بطبيعته، وأن المجاهد نزاع إلى السبق بمقدار أمله العظيم
مترفعًا عن الضعف والهوان بهذا النزوع، متميزًا في عمله وجهاده ولم يألُ جهدًا في
أن يبذل كل ما يستطيع إلى غاية الطاقة ومبلغ القدرة مستمدًا من الله تعالى قوة بعد
قوة ويقينًا بعد يقين محققًا السحر القادر الذي في نفسه متلقيًا منه وسائل الإعجاز
في إقدامه.
كان كلامه ووجهه وتصرفاته كلها تنطق
بالحق وللحق وكأن معنى في ذهنه يقول: إن المسلم إذا لم يكن مقدامًا تنبهت فيه
غريزة الخوف من العدو وزادت وحشته وحشة وقلقًا واضطرابًا، وإذا هو أحرز نفسه من
عدوه فذلك قتل عدوه، فإن لم يقتله فقد أذله واستعلي عليه، وغاظه بالهزيمة، وذلك
عند الأبطال فن من فنون القتال، يجاهد مجاهدة كل شريف عظيم النفس، وهمه أن تكون
راية لا إله إلا الله عالية خفاقة يندرج تحتها كل لواء.
يرحمك الله يا عزام لقد استطعت
أن تصنع نفسك بنفسك وتصنع الرجال من حولك، وصنعت معنى السعادة الأبدية، وعرفت أن
الطريق شائك ووعر، فمضيت فيه غير مبال بما فيه من عقبات، وستظل تذكرك جبال
الهندكوش وروابي جلال آباد وقندوز وربوع باكستان، وغيرها من الأماكن.
لقد تمكن الإيمان في قلبك، فأيقنت أن
الاختراع الإنساني مهما عظم لا يُغني الإنسان من إيمانه ويقينه.
وأنها للحظات وساعات طيبة من أعمارنا
عندما التقينا بك، لقد أحسسنا بشعر الجمال يغور في الدم وأذكر كلماتك عن شهيد
القضية الأفغانية ضياء الحق رحمه الله فقد كنت متلهفًا إلى شيء يقال فيه، وندبتني إلى قصيدتي التي أقول فيها:
ودعتنا ولحقت في ركب الفدا
وقلت لي: لا تنأَ عنا يا حيدر
فأجبتك وعيوني مثبتة في نرجس عيونك:
اعذرونا إن نأينا
وعن العين اختفينا
نحن إن غبنا.. فإنا
عن هواكم ما انتحينا
وقبل أن أغادر أسرعت إليَّ أنا
الصغير أمامك، وقلت آثم یا حیدر إن لم تأت إلينا، وأنا الآن أتحسس ذراعي التي
أمسكت بها، وأطياف منك أمام ناظري أمليتها في ليلي ونهاري، يرحمك الله تعالى
لقد فهمتنا معنى الحياة الحقة في حال حياتك، وزادنا غيابك عنَّا جسدًا قربًا من
الله تعالى، وعملًا لديننا وإسلامنا، لقد أجدت وأحسنت وعملت فلله أنت من عامل،
تالله لقد أصبت الغاية الخافية عن كثير من الناس أصبتها فيما قلة وفعلت، لقد أعطيت
للجهاد فنًّا جديدًا، وصنعت ما لا يصنع أكبر العمالقة، وأخيرًا عرفنا، عرفنا بعدما
فاتنا القطار أنه لا سبيل إلا ما حكيت وقلت ووصفت، نعم عرفنا أن السعادة أن تجعل
الأحسن أحسن ما يكون ونمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو عليه، وأن أساس القوة يكمن
في طبيعة الإنسان ومدى توكله على الله تعالي وكنا إلى عهد قريب نظن أن أهل الجنة
هم أولئك الذين يهذبون لحاهم ويتعاملون فيما يقولون ويفعلون، فأدركنا أن أهل الجنة
هم الذين يبيعون أموالهم وأنفسهم وأهليهم لله وعرفنا سر قول ابن المبارك للقاضي
عياض حينما كان متفرغًا لعبادة الله في الحرم المكي
یا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بعطوره
فنحورنا بدمائنا تتخضب
لقد كنا نلعب عندما كنت أنت تقوم
بالمهمة الصعبة.
يرحمك الله: لقد علَّمتنا أن
الذي يعيش مترقبًا النهاية الدنيوية يعيش معدًا لها، فإن كان إعداده سليمًا
وصالحًا عاش راضيًا ومات مرضيًّا عنه، وكان في حال حياته وغيابه في حاضر مستمر،
علمتنا كيف نكون رجالًا مسلمين مؤمنين، علمتنا كيف نصبر على الشر يوم الشر وكيف
نصبر للخير يوم الخير لنكون دائمًا في خير وأن أساس الدين والكرامة الماء يكون
بالصدق والتضحية وفي السمو على أهواء النفس، ولا يتسامى امرؤ على نفسه
وأهوائها إلا بإنزالها حيث يريد الله جل وعلا، فمن هنا يتسامى ومن هناك يبدو
علوه فيما يبلغ إليه.
يرحمك الله إذ علمتنا كيف نعيش
الدنيا في تاريخ قلوبنا لا في تاريخ الدنيا، وكيف نترجم القرآن لغة حية على الأرض
يعمل بها لا أن يحفظه في العقول فبدا لنا الإنسان بهيئة قلبه وظله الذي يظن به،
وبدت لنا الأخلاق الفاضلة قد وجدت تمام معانيها في حالات القلوب.
لقد قهرت اللذات والشهوات وجعلت
الكبرياء الإنسانية كبرياء على الدنايا والخسائس لا على الحقوق والفضائل، فاستقرت
السكينة في نفوسنا وزالت الفوضى وإذا بقلوبنا تحيا حياة المعاني السامية وتنبض
بنبضات الإيمان الحق يرحمك الله لقد أخذت نفسك من قلبك، وطرت بجناحي محبة متحفزين
لعمل دائم، ولم تحط علي مكان وإلا وعندك قدرة الارتفاع مرة أخرى، وحذرت
مما به بأس على حد قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد أن يكون
من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مما به بأس» (وأخرجه الترمذي،
والطبراني) وذلك ضرب، لا يوجد إلا عند أهل القلوب المؤمنة.
إن فراقك لَجرح أعمق من صبر ومن جلد،
وخرق في سفينة الحق سيبقى ما الزمان بقي. فإلي لقاء يا أخي في جنات الخلود،
إلى لقاء في دار السعادة، ودمعي عليك أسأل الله تعالى أن يكون بعض جهادك في سبيله،
وزفيري لهفة عليك أقدام على طريق الشهادة، وداعًا من أخ في قلبه مصائب أمته وفي
روحه أمانة دينه.. وعهدًا على المضي في الطريق الذي رسمته بريشة قلبك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل