العنوان عبقرية خالد لعباس محمود العقاد
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1972
مشاهدات 88
نشر في العدد 94
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-أبريل-1972
عبقرية خالد
لعباس محمود العقاد
نحن الآن أمام القائد وجهًا لوجه بعد أن قطعنا البوادي واجتزنا بطون قريش وبعد وقفة تأمل بين ديار مخزوم نقرع الأبواب على الأعمام والأخوال في طريقنا إلى دار الوليد بن المغيرة الوالد المربي...
كان الوليد الرأس من المرءوس والزعيم بين الزعماء، والحديث عن غناه وثروته يطول .. كذا سَعَةُ أُفقِه وفهمه لمعاني الكلام وحفظه الشعر والخطب وهو الذي نزل فيه ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (سورة المدثر : آية 11) وسُمِّيَ بريحانة قريش، وكان يصطحب معه أبناءه دائمًا ليفخر بهم ويثبت أنهم من عِلية القوم وليسوا بحاجة إلى عمل يكسبون منه القوت ولهذا سموا بالشهود.
لقد كانت للرجل في بعض نواحي خلقه وعقله لمحات تجلت بعد ذلك في عبقرية ولده القائد ..
كان الوليد زعيما مرموقًا وكريمًا إلى حد الكبرياء فلا يقبل أن توقد نار غير ناره لإطعام الحجيج في منى .. ويأنف لنفسه في الجاهلية أن يُرى سكران على إباحة الخمر وشيوعها .. وقيل إنه قطع يد السارق محاربًا لهذا الداء قبل ظهور الإسلام ... على أن ضربة من ضرباته في موقف اللبس والتردد ترينا فيه أبا خالد قبل أن يعرف العالم ضربات ولده وذاك يوم تداعت الكعبة وأوجس المشركون أن يهدموها ليعيدوا بناءها فلما رأى وسواسهم وفزعهم تناول المِعوَلَ وضرب وهو يقول «اللهم لم تُرَعْ .. اللهم لا نريد إلا خيرًا»
من هذا يتبين أنه كان من أصحاب الحيلة والحول والإقدام ... ودليلنا على سعة أفقه وفهمه لمعانى الكلام ما قاله لقومه بعد سماعه القرآن الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول «والله لقد سمعت من محمد آنفا كلامًا ما هو كلام الإنس ولا من كلام الجن والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإنه أسفله لمُغدق وإنه يعلو وما يُعلى» فتفزع قريش لمكانته منهم وتقول: صبأ الوليد ولتَصبَأَنَّ قريش كلهم .. ثم قوله في تفسير بلاغة القرآن الكريم ما هو إلا سحر وفي هذا نزل السياق أنه عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا الا سحر يؤثر.
واختلف المفسرون في تفسير المعنى المقصود بالعُتُلِّ الزنيم، رأى بعضهم أن الزنيم هو الدَّعِيُّ وأن الوليد بن المغيرة يوصف بذلك لأن أباه ادعاه بعد ثماني عشرة من مولده، وحقيقة الأمر أن المغيرة بن شعبة لم يكن بحاجة إلى استلحاق ولد غريب لكثرة أولاده ونجابتهم بين فتيان قريش عامة ومخزوم خاصة، والدليل على هذا شَبَهُ الوليد ببني المغيرة ظاهر حتى في بعض الفروع البعيدة، فقد كانت أم عمر بن الخطاب قريبة خالد بن الوليد وكان خالد قريب الشبه من عمر جدًّا كما يتفق في هذه الأيام كثيرًا بين أبناء العمات والأخوال .. ثم إن غير الوليد أولى بذلك الوصف لما عرفناه من اعتزاز قريش بنسبه منهم، فهو الريحانة والوحيد.
ويرى البعض الآخر من المفسرين أن الزنيم وصفٌ من الزّنَمة، وهي قطعة لحم كانت مدلاة في عنق الوليد ! ويخالفهم آخرون فيقولون إن الرجل الذي كان يعرف بهذه الزنمة هو الأخنس بن شريق وكان أصله من ثقيف، لم يكن خالد كريم الحسب والنسب من جهة أبيه فحسب بل كان كذلك من جهة أمه .. فهى لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين زوج النبي عليه السلام .. وهي أخت لبابة بنت الحارث الكبرى زوج العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام .. ثم هي أخت اسماء بنت عميس التي تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق ثم على بن أبي طالب .. ولها أخوات أخريات بنى بهن رجال من ذوي الأخطار ومقاديم العشائر النابهين .. والقول إنه نَدَر في بيوت العرب النبيلة بيت لم يكن له صلة بخالد وذويه بالنسب والمصاهرة من جانب أمه أو جانب أبيه .... الأقوال في سن خالد وتاريخ مولده لا تنتهي إلى قول يمتنع.
و إذا تحدثنا عن ظروف نشأته وتربيته العسكرية نجده تعلم في حياته كل ما يتعلمه الفتى المرشح للحرب والفروسية ورئاسة قومه. وغيرُ بعيد أنه تعود عيشة الشظف والخشونة عمدًا في البادية منذ الصغر ..
فيه الخلاف، نحن المؤرخين من قال إن خالدًا قد مات وله من العمر ستون سنة، فإن كان قد مات في السنة الحادية والعشرين هجرية أو الثانية والعشرين هجرية إذن قد ولد في السنة الثامنة والثلاثين أو التاسعة والثلاثين قبل الهجرة .. وهذا قول يحول دون تصديقه والأخذ به أن خالدًا كان صغير السن عام الفتح -فتح مكة- وقد لقبه أبو سفيان بالغلام ولا ينعت بهذا الاسم إذا كان فوق الأربعين، إذن فمن المرجح أن يكون مولده بين سنتي ثمان وعشرين وثلاثين قبل الهجرة.
على أن قصة المصارعة بينه وبين عمر ذات صلة بهذا التقدير حيث يتصارع الندان أو المتقاربان، وعمر على تقدير مشهور قد ولد قبل الهجرة بأربعين سنة أو قرابة هذا التاريخ ... والتوفيق بين هذه الأقوال إنما يستقيم بتأخير مولد عمر قليلًا عن سنة أربعين وتقديم مولد خالد قليلًا عن سنة ثلاثين فيرجح أن يكون مولد خالد في نحو أربع وثلاثين قبل الهجرة ولا مانع من أن يغلب عمر في المصارعة فقد كان مولودًا للدُّرْبة على الفروسية، وقد ورث قيادة الأعِنَّة من باكر صباه ولم يكن أكبر أبناء الوليد سنًّا ولكنه أحد سبعة أبناء .. ولقد رأيناه على قيادة فرسان قريش في وقعة أحد التي أحاط فيها برماة المسلمين بعد انتصاره ، ثم رأيناه وقد تولى أمر الأعنة والقبة -قبة الحرب- وهي الوظيفة الموكولة إلى قبيلته مخزوم.
لعل في قصة المشابهة بينه وبين عمر بن الخطاب ما يعيننا على تصور ملامحه وسماته لقلة أوصافه المحفوظة، والمشابهة بينه وبين عمر شديدة حتى كان أناس من ضعاف النظر يخلطون بينهما من قريب ولا يميزون بينهما بالرؤية ولا بسماع الصوت الخفيض.
وروي أن علقمة بن عُلاثة لقي عمر بن الخطاب سرًّا فقال له .. مرحبًا أبا سليمان .. ثم دنا منه فلم يميزه مع دنوه وسماع صوته برد السلام عليه فقال علقمة عزلك ابن الخطاب؟ فأجاب عمر: نعم، فمضى علقمة يقول ما شبع ولا أشبع الله بطنه، من هنا نفهم أن خالدًا كان طويلًا بائن الطول وأنه كان عظيم الجسم والهامة، مهيب الطلعة يميل إلى البياض ...
ونحن إذا تحدثنا عن ظروف نشأته وتربيته العسكرية نجده قد تعلم في حياته كل ما يتعلمه الفتى المرشح للحرب والفروسية ورئاسة قومه، غيرُ بعيد أنه تعود عيشة الشظف والخشونة عمدًا في البادية منذ الصغر ليكتسب منذ الصغر الصبر على الحرب وشدائد الجوع والظمأ، فقد أكل الضَّبَّ وهو أغنى إنسان في مكة أن يستسيغ هذه الأكلة الأعرابية مع يساره وامتنان أهله في الأطعمة الحضرية .. مثل هذه التربية لقائد من قواد الحرب نموذج يحتذى في كل مدرسة من مدارس الفنون العسكرية الحديثة إذ إنه مضمون العواقب، فإحساس القائد بوطأة المعركة ومعايشته إياها -حسًّا وروحًا- من دعائم النصر القوية .. ومن هنا نفهم ما كتبه نابليون في تقديره وهو طالب في المدرسة الحربية حيث يعيب على النظام يومئذ أنه يسمح لأبناء الأعيان في المدرسة بعيشة الترف.
على أن خالدًا قد جاب الجزيرة العربية وعرف مسالكها ودروبها وشعابها من الطرق إلى الحجاز ومن الحجاز إلى اليمن ومن نجد إلى الشام وبعضها كان يعتسفه على عجل بغير أولاد، وكان اشتغاله بالتجارة لا لجمع المال وانما هي الدربة والتمرس على المصاعب.
مجمل القول أن خالدًا نشأ في الحاضرة والبادية مستعدًّا لحياة الخشونة مستطيعًا حياة الأعراب مهيئًا نفسه لأوعر المسالك والقفار وأعنف المعارك وقد تفرد بضربة سيف لا تخطئ، يدافع من حماسة نفسه وشهامة قلبه قبل أن تدفعه إليها قوة أعضائه وعضلاته.
وأخيرًا إن العبقرية ضريبة لا مناص من أدائها، ولم يُعفَ خالد من هذه الضريبة الجبرية، وآية ذلك أنه مات على فراشه في نحو الخامسة والخمسين وليست هي بالسن الغالبة فيمن يموتون بداء الشيخوخة من غير علة أخرى .. وإذا تجاوزنا هذه المَظِنَّةَ ألفينا في تراجم الأسرة كلها ما يُنبئ عن العوارض التي تهيئها الأقدار لإنجاب العباقرة في شتى المواهب والمزايا أما مظاهر عبقرية أسرة الوليد بن المغيرة فتتجلى في اختلافهم عن جملة الناس في تركيب الأعصاب، فقد تجمعت عللها من فرد أو أفراد كانوا ضحايا الأسرة في سبيل إنجاب العبقرية فيها وكان خالد وإخوته يحملون تلك العوارض فقد كان أخوه الوليد بن الوليد يروع في منامه ولما أسر في بدر ظل طيلة الأسر على الشرك ولما تم فداؤه بكل مال أبيه ذهب إلى أهله وأعلن إسلامه بينهم ..
وكان خالد نفسه يفزع من نوم وقد شكا ذلك إلى النبي فقال له إن عفريتًا من الجن يكيدك .. وكان أخوه عمارة بن الوليد مولعًا بالخمر والنساء لدرجة أنه وهو رفيق لعمرو بن العاص إلى ملك الحبشة لاسترجاع المسلمين نظر إلى امرأة عمرو نظرة مريبة مما دعا عمرًا لأن يكيد له عند النجاشي فيرسله النجاشي في العراء مخبولًا حتى مات ضحية شذوذه.
ومع أن خالدًا لم تفتنه المرأة كما فتنت أخاه ولم يمنعه جمالها من القيام بأعباء البطولة والقيادة فقد حدث منه ما كان سببًا في مؤاخذته من قبل ابن الخطاب ومن أبي بكر فقد تعجل في سبي امرأة مالك بن نويرة وتزوج في حرب اليمامة وهو بميدان القتال وسبى ابنة الجودي في دومة الجندل.
تلك في جملتها شواهد العوارض التي يقرر النفسانيون المحدثون أنها سمات العبقرية في منابتها .. ومنابتها هي الأُسَر التي تنجبها وتبذل أثمانها قبل أن تنعم بمجدها وفخارها .. وهي نفحات تأبى إلا أن تُحَيِّرَ الناس وأن ترد عليهم من مورد التفاوت والإغراب والمخالفة للمألوف.
عبد الرحمن إبراهيم