العنوان فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي للمجتمع: عدم الاعتراف بالعدو الصهيوني أصل شرعي وليس موقفًا سياسيًّا
الكاتب حسن علي دبا
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 52
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 34
الخميس 06-يونيو-1996
* أخطر ما يعد للمنطقة الآن هو التطبيع مع الصهاينة، ونحن ندعو الشعوب لمقاطعة التطبيع مع العدو الصهيوني.
* إسرائيل كيان قائم على الاغتصاب والعدوان، فرض نفسه بقوة السلاح على العرب والمسلمين، واغتصب الأرض وشرد الأهل.
في حوار خاص مع المجتمع تحدث فضيلة العلامة د/ يوسف القرضاوي عن دعوته لعرب فلسطين لمقاطعة الانتخابات الإسرائيلية كموقف ثابت لعدم اعترافه بشرعية الاحتلال الصهيوني لأرض النبوات، مؤكدًا أن هذا أصل شرعي إسلامي وليس مجرد رأي سياسي، وأن العدوان والاغتصاب لا يتغير بمضي الزمن واختلاف الليل والنهار، فلا نحل الحرام، ولا نجعل الحرام حلال، وما حدث ظلم يجب أن يزول، وأن عدم امتلاكنا للقوة الآن لا يعني اعترافنا أو إضفاء الشرعية على العدو الذي احتل الأرض منذ ١٩٤٨م حتى الآن، وليس أرض ما بعد ١٩٦٧م.
وبث فضيلته الأمل الذي يصنعه تحدي الواقع، هذا التحدي الذي يصنع المستقبل، حتى وإن تم ذلك في جيل غير منهزم نفسيًّا وعسكريًّا مثل الجيل الحاضر، فما زال فضيلته يرى الأمل كبيرًا في الصحوة الإسلامية، كما تحدث فضيلته عن دعوته وفتواه بمقاطعة الانتخابات الإسرائيلية، وأنها فرع من أصل يتعلق بعدم الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، وإلى نص الحوار:
ما هو الأساس الفقهي الذي استندت إليه في رفض دخول عرب فلسطين ومشاركتهم في الانتخابات الإسرائيلية في فلسطين؟
هذا فرع من أصل، والأصل أن إسرائيل كيان قائم على الاغتصاب والعدوان، دخيل علي المنطقة، ولم يكن له فيها شيء، فرض نفسه بقوة السلاح على العرب والمسلمين، واغتصب الأرض وشرد الأهل، وكل هذا تم بمنطقة القوة وليس بقوة المنطق، ليس له إلا السيف الذي أعمله في رقاب الناس، وأرهب الناس، ولذلك نقول إن أعظم إرهابي في التاريخ الحديث هو إسرائيل؛ لأنها أرهبت الفلسطينيين، وخرجوا من ديارهم مذعورين، وتركوا الديار، وشردوا في العالم، فهذا الكيان القائم على العدوان والاغتصاب لا ينبغي أن تعترف بشرعيته مطلقًا، وهذا هو الذي كانت عليه السياسة العربية إلى سنة ١٩٦٧م، فقد كانت تقول هذه السياسة إن إسرائيل قائمة على العدوان وعلى الاغتصاب، ويجب أن يزول هذا العدوان، وأن يعودوا من حيث أتوا إلى أن حدث عدوان يونيو «حزيران» ۱۹۹۷م، فتغيرت السياسية العربية، وأصبح همها الذي تلهث وراء هو إزالة آثار العدوان أي عدوان سنة ١٩٦٧م، وكان هذا العدوان الجديد في ١٩٦٧م أضفى الشرعية على العدوان القديم في ١٩٤٨م.
العدوان: عدوان واغتصاب:
ونحن نرى أن العدوان هو العدوان، والاغتصاب هو الاغتصاب، مضي الزمن واختلاف الليل والنهار وانقضاء السنين لا يحل الحرام، لا يجعل الحرام حلالًا والمنكر معروفًا، ولا يسلب السرقة والغصب الصفة الأولى، فالغصب والسرقة والنهب الذي حدث هو ظلم حدث لأرض النبوات هذه، ويجب أن يزول وكما قيل: ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ربما ليس عندنا القوة الكافية الآن لاسترداد ما اغتصب من (١٩٤٨م) فإسرائيل أصبحت تملك ترسانة من الأسلحة النووية، وما لا تملكه البلاد العربية المختلفة بواسطة المساندة الغربية والأمريكية غير المحدودة، والتمويل الذي يتم بالمليارات (عوضت ألمانيا إسرائيل خلال خمسة وثلاثين عامًا مليار دولار؛ أي ملياران كل عام) غير أمريكا والغربيين عامة، فلا نستطيع أن نقاوم هذا، فليكن نتربص وننتظر قال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60) ولم يقل وأعدوا لهم مثل ما أعدوا تمامًا، وإنما ما استطعتم، نجاهد ما استطعنا،0 وننتظر ونتربص يمكن أن نهادن نقبل الهدنة.
ألا تعد الهدنة اعترافًا بالعدو، حيث أضع يدي في يد عدوي؟
لا الهدنة ليست اعترافًا بالعدو، الهدنة كف مؤقت عن القتال، اتفاق مع العدو على كف اليد حسب ما ترى، فقد وقع صلاح الدين الأيوبي هدنة مع بعض الصليبيين لا بأس في ذلك، بالهدنة جائزة ومشروعة، إنما الاعتراف وإعطاء صك بشرعية الوجود المغتصب هذا هو الذي نرفضه، وعلى هذا الأساس نرفض ما يترتب على ذلك نرفض اتفاق أوسلو، ونرفض التطبيع، وندعو إلى المقاطعة، ونعبئ شعوبنا للمقاومة، ولذلك فإن أخطر ما يعد للمنطقة في الوقت الحاضر هو عملية التطبيع أن تصبح علاقات طبيعية وعادية بيننا وبين إسرائيل علاقات اقتصادية وعلاقات ثقافية وعلاقات اجتماعية وعلاقات سياسية، ويصبح الأمر كما يقولون «سمن على عسل» وتأتي وفودهم إلى هنا، وتذهب وفودنا إلى هناك، ويذهب السائحون إلى تل أبيب، ويأتي السائحون والسائحات إلى بلادنا العربية، فهذا أمر نرفضه، نحن نرفض تطبيع العلاقات، وندعو الشعب إلى أن يقاطع هذا، فما دعوتنا إلى مقاطعة الانتخابات للإخوة الذين يعيشون في الأرض المحتلة إلا امتداد لهذا التوجه وهذا الفقه.
لعنة الله على جميع اليهود:
لكن هذه المقاطعة التي دعوتم لها ربما لا يترتب عليها أثر كبير في مسار الانتخابات، هل هو تسجيل موقف بعدم الاعتراف بالعدو؟
لا يهمني في الحقيقة إن نجح الليكود أو العمل، فكما يقول الشاعر:
وليس فيهم من فتى مطيع *** فلعنة الله على الجميع
فهذا وذاك كلاهما شر والعياذ بالله، ولذلك فإن التركيز على نجاح أيهما، وأن لهذا دورًا في إنقاذ عملية السلام لا يجدي أي سلام هذا؟ هل الذي حدث في لبنان، سلام الاعتداء على القرى اللبنانية، وعلى قانا وقتل المدنيين والشيوخ والأطفال والنساء حتى الذين احتموا بعلم الأمم المتحدة قتلوا، وقد أثبت التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة أن هذا كان متعمدًا فأي سلام هذا؟
لا شرعية للاغتصاب:
هل هذا النهج من عدم الرضا باغتصاب الأرض هو أصل شرعي إسلامي، أم أنه رأي سياسي؟
لا، هذا أصل شرعي إن ما أخذ من أرض المسلمين ومن دار الإسلام لا يجوز أن يعترف به، ولا يعترف بشرعيته، يمكننا عمليًّا أن نسلم به لأننا عاجزون، ولكن هذا لا يعطيه حق الشرعية بفتوى.
تحدي الواقع:
مع أن هذا يبدو أمام بعضهم أنه تحد للواقع ورفض له؟
تحدى الواقع هذا هو أساس لصنع المستقبل، فلا يمكن أن تصنع المستقبل إلا إذا تحديث الواقع، فإذا كان واقعًا مغايرًا للحق فقد لا أستطيع أن أفعل شيئًا له، لكن التحدي له هو الشيء الذي ينبت فيه البذرة، بذرة المقاومة المستقبلية، والبذرة موجودة، وسوف تتحول إلى نبتة، والنبتة تورق وتزدهر وتثمر، وتنضج بإذن الله.
دولة زائلة:
هل أنتم مع هذه الرؤية الرافضة للواقع في الوقت الذي تقيم فيه، أو بدأت إسرائيل علاقات مع أغلب الدول العربية؟
نعم، وما زلت أرى أملًا كبيرًا في الصحوة الإسلامية، وعندنا بشائر كبيرة في هذا، وما فيه العدو اليوم هو استثناء قال -تعالى-: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ﴾ (سورة آل عمران: ١١٢ ) و(إلا) تعني الاستثناء، والاستثناء لا يبقى أبد الدهر، فهو فترة من الزمن ثم يعود الأصل كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ ﴾ (سورة الأعراف: 167) واليهود يعرفون ذلك، يعرفون أن هذا الأمر لن يدوم لهم، وأن دولتهم زائلة، وقد ناقش بعض العرب وبعض المسلمين «موشيه دايان» في هذا الأمر، وقالوا عندنا بشائر بأننا سننتصر عليكم، فقال: ونحن عندنا أيضًا أشياء بأن هذا لن يدوم لنا، ولكن ليس هذا الجيل منكم سينتصر علينا وهذا صحيح، فجيلنا جيل منهزم حينما يزول هذا الجيل المنهزم نفسيًا قبل انهزامه عسكريًّا، ويزول هؤلاء المهزومون، ويخلفهم جيل يضع يده في يد الله، وينظر للأمور نظرة أخرى، ويعد نفسه للجهاد في سبيل الله سيتغير الموقف قال -تعالى-: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الروم: 4:6).
* الليكود والعمل كلاهما شر ولعنة الله على جميع اليهود