العنوان عشرون عامًا مرت على الشهادة
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 791
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-نوفمبر-1986
● سيد يقول: أنا لا أستطيع أن أعيش بنصف قلب نصفه لله ونصفه للدنيا.
● مضى سيد إلى ربه بعد أن ترك فكره ومنهاجه راسخين في أذهان شباب الصحوة الإسلامية.
● امتاز سید قطب -رحمه الله- بنفاذ البصيرة وعمق النظرة وسعة الأفق.
● لدخول سيد قطب في الحركة الإسلامية حادثتان وقعتا له في أمريكا.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد،
ففي ليلة الخامس من ذي الحجة وفي تلك الخيمة المتواضعة على ضفاف نهر سرخاب من ولاية لوكر حيث الماء كاللجين وعلى شطي الوادي بساتين التوت والمشمش تحيل المكان إلى قطعة ساحرة من الجمال الأخاذ والروعة الباهرة التي تأخذ بالألباب.
في هذه الليلة وبعد يوم حافل بقصف الطائرات الذي استمر من بعد صلاة الفجر حتى المساء جرى ذِكر الأستاذ سيد قطب فتنبهت أننا في شهر أغسطس، الشهر الذي استشهد فيه وأنه قد مضى عشرون عامًا على شهادته فكان لا بد من الكتابة عنه ولو شذرات وأسطرًا وذلك رمزًا للوفاء وعنوانًا للمودة والإخاء.
لقد بدأت أقارن بين تلك الأيام التي كان يكتب فيها سيد من وراء القضبان للجيل، حيث كتب الله لي أن أعيش تلك الأيام التي أرخى الليل فيها سدوله على المنطقة وادلهم ظلامها وضاقت الأرض بما رحبت على الدعاة. وخلا الجو للشيطان الرجيم يذرع الأرض شرقًا وغربًا.
أذكر تلك الأيام -لا أعادها الله علينا- ولا أذكر أني رأيت فيها فتاة واحدة من المتعلمات محجبة في بلدي وعندما كنا نرى فتاة تلبس جوارب تحت لباس المدرسة الذي يكاد يصل ركبتيها نُعجب بأخلاقها ونتحدث بآدابها.
كان في جامعة القاهرة التي تُعد فيها الفتيات حوالي خمسين ألفًا فتاة واحدة ملتزمة اللباس الشرعي وهي ابنة شقيقة سيد قطب.
أذكر أن مظاهرة خرجت في عام 1967 قبل الاحتلال بثلاثة أشهر في المدينة التي أنا منها جنين / فلسطين - تُعبِر عن سخطها على اليهود وتندد بالظالمين وتهتف بحب عبد الناصر فلم تجد تعبيرًا صادقًا عن سخطها أوضح ولا أقوى من أن تدخل دار الدعوة الإسلامية وتمزق المصاحف والتفاسير وتلقيها في شوارع المدينة وما زال منظر أوراق المصاحف يهز الأوصال بتذكرها. ولم يفسح الأجل للأستاذ سيد أن يرى الثمار المباركة التي أثمرها الله عز وجل من غراس قلمه المبارك.. لم ير الصحوة الإسلامية ولا رجوع الجيل إلى الله ولكنها الكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وددت يوم سمعت الحكم عليه بالإعدام أن أفتديه بنفسي وأمي وأبي، وأذكر أني كتبت برقية لعبد الناصر أقول فيها: «الدعوة لن تموت والشهداء خالدون والتاريخ لا يرحم».
كنت أظن أن شهادته ستُحدث فراغًا في المنطقة ولكن ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216). ما كنت أظن أنه سيحصل هذا الدوي الهائل لشهادته وأن أفكاره ستعم المنطقة بل العالم الإسلامي كله فتحيا بها الأجيال.
1- ميزات سید قطب وكتابته:
إن أهم ما تميزت به ممیزات سید قطب ممیزات كثيرة أفردتها من بين الكتابات المعاصرة وجعلتها فذة مشرقة وعلى رأس هذه المميزات التي ميزته وميزت كتابته: 1- نفاذ البصيرة وعمق النظرة: وذلك راجع أولًا وقبل كل شيء إلى الإخلاص الذي تلمحه من خلال عباراته -كما نحسب ولا نزكي على الله أحدًا- والإخلاص يورث الفراسة «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» رواه الترمذي.
وأما عمق النظر فهذا يدركه كل من قرأ «المستقبل لهذا الدين» الذي صدر في الوقت الذي خيّم فيه الظلام على المنطقة ولم تعد ترى فيها بصيصًا من نور في هذا الليل البهيم وكثيرًا ما كان يردد: «ستهب في المرحلة القادمة على المنطقة رياح من الإسلام الأمريكي» وقد كان.
ولقد رأيت هذه الملامح على تفكير أخيه الأستاذ محمد قطب فكثيرًا ما كان يحدث بأمور يتوقعها كنت أحسبها أيامها ضربًا من الخيال أو إغراقًا في الأوهام، ثم رأيتها واضحة جلية في واقع الأرض.
2- سعة الأفق، وهذا راجع إلى عاملين:
1- أولهما: الاطلاع على المخطط العالمي لضرب الإسلام.
2- ثانيهما: سعة ثقافته واطلاعه على الثقافة الإنسانية.
أما اطلاعه على المخطط العالمي لضرب الإسلام ممثلًا بالحركة الإسلامية فقد حدثني أحد أرحامه أن سبب دخول الأستاذ سيد الحركة الإسلامية حادثتان وقعتا له في أمريكا.
فلقد كان مبعوثًا لوزارة المعارف المصرية إلى أمريكا في الوقت الذي لم يكن يعرف فيه حقيقة الإسلام بعد، ولم يلتزم بعد بتعاليمه فيقول عن نفسه وهو في طريقه إلى أمريكا: «كنت أحد ستة نفر من المنتسبين للإسلام في باخرة تشق عباب الأطلسي ميممة شطر أمريكا» وفي أمريكا جرت حادثتان:
1- أولاهما: كما يحدث هو:كنت في 13 شباط 1949 مستلقيًا على أحد أسرّة مستشفى في أمریکا فرأيت رقصًا صاحبًا وموسيقى وأنوارًا ورأيت الابتسامات تعلو الوجوه والفرح يغمر المستشفى. فقلت: أي عيد هذا الذي تحتفلون به. قالوا: اليوم قُتِل عدو النصرانية في الشرق اليوم قُتِل حسن البنا.
قال فهزتني هذه الكلمة من أعماقي.
2- ثانيهما: أن السفارات العالمية كانت تتسابق على اصطياد الشباب المسلم، وسيد كصحفي معروف كان أحد هؤلاء الذين تدور حولهم العيون ليكون صيدًا سهلً المسلم، وسيد كصحفي معروف كان اا وفريسة مستساغة لصائده فدعاه مدير الاستخبارات في السفارة البريطانية في
واشنطن إلى بيته.
قال سيد: فعندما دخلت بيته كم أذهلني مفاجأة أني رأيت عنده كتاب «العدالة الاجتماعية» ولم يكن قد وصل أمريكا إلا نسخة واحدة أرسلها لي أخي محمد، إذ إنه قد أشرف على طباعة الكتاب في غيابي، وبدأ الحديث عن الشرق ومصر وتوقعات المراقبين. بأن الوريث للحُكم الملكي القائم هو أحد اثنين: إما الشيوعيون وإما الإخوان المسلمون والمُرجح أنهم الإخوان ثم بدأ يفتح لي ملفًا خاصًّا بالإخوان فيه من التفصيلات والجزئيات مما يدق على أبناء مصر أنفسهم حتى المختصين. ثم قال: إذا وصلت جماعة الإخوان إلى الحُكم فإنها ستحرم مصر من ثمار الحضارة الغربية. ثم قال أخيرًا:
نحن نُهيب بأمثالك، من المثقفين أن يحولوا بين الإخوان وبين الوصول إلى الحُكم لأن وصولهم هي نهاية مصر المؤسفة الأليمة. قال سيد: وفي بيت مدير الاستخبارات البريطاني في واشنطن قررت أن أدخل جماعة الإخوان فور عودتي. لأنه لا يمكن لجماعة أن تكيد لها الدوائر العالمية هذا الكيد، أو تخطط ضدها هذا التخطيط إلا أن تكون الجماعة على الحق.
لقد دخل سيد جماعة الإخوان وقد عرف بنفسه الكيد الهائل ضد الإسلام والكراهية العميقة التي لا يمكن للغرب أن يخفيها.
وأما سعة ثقافته: فيقول عن نفسه في معالم في الطريق ص 143 «إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية. ما هو تخصصه وما هو من هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره.. فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلًا ضئيلًا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم
-وما كان عليه أن يكون إلا كذلك- وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره. فإنما عرب الجاهلية على حقيقتها وعلى انحرافها وعلى ضآلتها وعلى قزامتها.. وعلى جعجعتها.. وانتفاشها وعلم غروها وادعائها وعَلِم عِلم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي.
3- الجدية: لقد كان سيد جادًّا في جاهليته وإسلامه فلم يكن يهادن ولا يداهن، لقد كان واضحًا كالشمس في رابعة النهار مستقيمًا كحد السيف. ومن هنا أخرج مجلة كان صاحب الامتياز فيها الميناوي فخرج منها ثلاثة أعداد كلها صودرت ثم أُغلقت. ولقد أرسل الملك من يغتاله ولكن الله نجاه من اليد الأثيمة.
لقد كان دائمًا يردد «أنا لا أستطيع أن أعيش بنصف قلب نصفه لله ونصفه للدنيا».
وكان يقول: إن إصبع السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لترفض أن تكتب حرفًا واحدًا تقر به حُكم طاغية. حدثت شقيقته حميدة إثر خروجها من السجن -وأنا أسمع- قالت: جاءني مدير السجن الحربي حمزة البسيوني يوم 28 أغسطس 1966 وأطلعني على قرار الإعدام الموقع من عبد الناصر بإعدام سيد قطب ثم قال: إن إعدام الأستاذ سيد خسارة للعالم الإسلامي والعالم أجمع وأمامنا فرصة أخيرة لإنقاذ الأستاذ من حبل المشنقة. وهي أن يعتذر على التلفاز فيخفف عنه حكم الإعدام ثم يخرج بعد ستة أشهر من السجن بعفو صحي. هيا فاذهبي إليه لعلنا ننقذه.
قالت حميدة: فتوجهت إليه لأبلغه الخبر فقلت له: «إنهم يقولون إن اعتذرت فسيعفون عنك».. فربت سيد على كتفي قائلًا: عن أي شيء أعتذر يا حميدة؟ عن العمل مع الله؟ والله لو عملت مع أية جهة غير إله لاعتذرت، ولكني لن أعتذر عن
العمل مع الله.
ثم قال:
اطمئني يا حميدة إن كان العمر قد انتهى فسينفذ حكم الإعدام، وإن لم يكن العمر قد انتهى فلن ينفذ حكم الإعدام. ولن يغني الاعتذار شيئًا في تقديم الأجل أو تأخيره.
أي طمأنينة، وأي ثقة هذه التي يتمتع بها هذا القلب الكبير. أي راحة وأي سكينة هذه التي يسكبها الله على الفؤاد وعلى النفس المؤمنة.
إن حبل المشنقة يلوح أمام ناظريه وهو يطمئن شقيقته، إن ابتسامته العريضة أمام المحكمة التي أصدرت عليه حُكم الإعدام لتدل على تفاهة الدنيا وحقارتها في نظر المؤمن.
با شهیدًا رفع الله به***جبهة الدهر على طول المدى
ما نسينا أنت قد علمتنا ***بسمة المؤمن في وجه الردى
ومن علامة جديته: أنه استقال من وزارة المعارف في اللحظة التي قرر فيها دخول الحركة الإسلامية.
4- الاحتياط والورع والهيبة أمام النصوص القرآنية، ويبدو هذا من خلال تفسيره وكتابته فيقول عند آية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (البقرة: 238).
فيقول في ظلال القرآن «أشهد أني وقفت أمام هذه الآية ستة أشهر لا أنتقل إلى ما بعدها، كيف جاءت آية الصلاة بين آيات الطلاق. وكنت آمل أن يفتح الله عليّ في هذه الفترة ولكن لم يفتح الله عليّ. فإن فتح الله على أحد من القراء فليتفضل إليّ مشكورًا».
ويقول في مقدمة سورة الرعد 4/2038 «كثيرًا ما أقف أمام النصوص القرآنية وقفة المُتهيب أن أمسها بأسلوبي البشري القاصر المتحرج أن أشرحها بأسلوبي البشري الفاني. ولكن ماذا أصنع ونحن في جيل لا بد أن يُقدم له القرآن مع الكثير من الإيضاح ومع هذا كله يصيبني رهبة ورعشة لما تصديت للترجمة عن هذا القرآن».
5- التركيز على العقيدة وشرح لا إله إلا الله:
لقد هال الأستاذ سيد قطب وقوف الجموع الهائلة من المسلمين واجمة إزاء تصفية الحركة الإسلامية جسديًّا سنة 1954 لقد كانت هذه الجموع تسد الطرقات على أبواب دار الإخوان في الحلمية تنتظر خطاب الأستاذ البنا مساء كل ثلاثاء وتنتظره حتى الثانية عشرة ليلًا وهي تُكبِر وتهتف فما بالها الآن بكماء عمياء وصماء؟ بل إن قسمًا ليس بالقليل من هؤلاء تبرع بإيذاء الإخوان في داخل السجون بالتجسس عليهم ونقل أخبارهم.
لقد وقفت طويلًا أمام هذه الظاهرة وأخيرًا وضع إصبعه على موطن الداء أن هذه الجموع لم تفهم لا إله إلا الله.
فعاد يركز على التوحيد في تفسيره كله؛ ولذا فإن الطبعة الثانية من ظلال القرآن تكاد تكون مخالفة تمامًا للطبعة الأولى وكتب مقدمة سورة الأنعام التي سمّاها «طبيعة المنهج القرآني» وكان يوصي بتفهمها ووعيها ويرى أن الدعوة إلى الله يجب أن تبدأ من هذه النقطة، وكل منهاج لأية حركة إسلامية يجب أن ينطلق من هذه القاعدة. وإلا فإنه استنبات البذور في الهواء وحركة في فراغ وكتب «لا إله إلا الله منهج حياة» فصلًا ضمنه المعالم.
حدثني أحد الإخوة قال: إن مراسم الإعدام تقتضي أن يكون أحد العلماء حاضرًا لتنفيذ الإعدام ليلقن المحكوم عليه الشهادتين فعندما كان سيد يمشي خُطاه الأخيرة نحو حبل المشنقة اقترب منه الشيخ قائلا: «قل لا إله إلا الله» فقال سيد: حتى أنت جئت تكمل المسرحية، نحن يا أخي نُعدم بسبب لا إله إلا الله، وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله.
وبعد هذا كله «بنو أسد تعزرني على الإسلام» كلمة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قالها عندما جاء وفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكون سعدًا حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة.
يروي البخاري كما جاء في «فتح الباري 7/83» عن قيس قال سمعت سعدًا رضي الله عنه يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام لقد خبت إذًا وضل عملي.
وما أشبه اليوم بالبارحة أن بعض الناس بدأوا يشككون في عقيدة سيد قطب حتى إنه ترامى إلى مسامعي أن شابًّا حدثًا يؤلف كتابًا سماه: «تنقية الظلال من الضلال» ولقد بالغ بعض القوم حتى قالوا إن سيدًا يقول: «بوحدة الوجود» وكأنهم لم يقرأوا مئات المرات في الظلال التفريق بين الخالق والمخلوق.
يقول في تفسير آية ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (البقرة: 116-117).
يقول في تفسيرها: «والنظرية الإسلامية: إن الخلق غير الخالق، وإن الخالق ليس كمثله شيء... ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة: وحدة الوجود -على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح- أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة - أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى آخر: وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به-».
في ظلال القرآن جـ / 106 ط. دار الشروق.
الحكم الشرعي لمن قُتِل مظلومًا: ورد في إعلاء السنن 8/316 وفي التلخيص الحبير لابن حجر 1/171 وجاء في المبسوط للإمام محمد 1/405 قلت: أرأيت من قُتِل في المصر بسلاح هل يُغسَّل. قال: إذا قُتِل مظلومًا فهو بمنزلة الشهيد ولا يُغسَّل، وقد روى أحمد بسند جيد عن إبراهيم بن عبدالله بن فروخ عن أبيه قال «شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه دُفن في ثيابه ولم يُغسَّل»، وقال ابن حجر: اتفقت الروايات على هذا. 7/159 الفتح الرباني.
الأثر العميق في تفكير الجيل:
والذين يتابعون تغير المجتمعات وطبيعة التفكير لدى الجيل المسلم يدركون أكثر من غيرهم البصمات الواضحة التي تركتها كتابة سيد قطب وقلمه المبارك في تفكيرهم فلو قلت إنه ما من عودة إلى الله في قوم من الأقوام في العقدين الأخيرين إلا ولسيد قطب -بفضل الله- عليهم أثر وله في أعناقهم منّة.
والحق أنني ما تأثرت بكاتب كتب في الفكر الإسلامي أكثر مما تأثرت بسيد قطب، وأني لأشعر بفضل الله العظيم عليّ إذ شرح صدري وفتح قلبي لدراسة كُتب سيد قطب، فقد وجهني سيد قطب فكريًّا وابن تيمية عقديًّا وابن القيم روحيًّا والنووي فقهيًّا. فهؤلاء أكثر أربعة أثروا في حياتي أثرًا عميقًا.
ولقد كان لاستشهاد سيد قطب أثر في إيقاظ العالم الإسلامي أكثر من سباته. ففي السنة التي استشهد فيها طُبع الظلال سبع طبعات بينما لم تتم الطبعة الثانية أثناء حياته. ولقد صدق عندما قال «إن كلماتنا ستبقى عرائس من الشموع حتى إذا متنا من أجلها انتفضت حية وعاشت بين الأحياء».
ولقد مضى سيد قطب إلى ربه رافع الرأس ناصع الجبين عالي الهامة وترك التراث الضخم من الفكر الإسلامي الذي تحيا به الأجيال. بعد أن وضح معاني غابت عن الأذهان طويلًا، وضح معاني ومصطلحات الطاغوت، الجاهلية، الحاكمية، العبودية، الألوهية. ووضح بوقفته المشرفة معاني البراء والولاء.. والتوحيد والتوكل على الله والخشية منه والالتجاء إليه.
والذين دخلوا أفغانستان يدركون الأثر العميق لأفكار سيد في الجهاد الإسلامي وفي الجيل كله فوق الأرض كلها. إن بعضهم لا يطلب منك لباسًا وإن كان عاريًا ولا طعامًا وإن كان جائعًا ولا سلاحًا وإن كان أعزلًا ولكنه يطلب منك كُتب سيد قطب.
حدثتني مجموعة من الشباب العرب دخلوا أفغانستان فقابلتهم كتيبة من المجاهدين فأنكروهم وتوجسوا منهم خيفة فقالوا لهم: ما الذي جاء بكم، قالوا نحن عرب مسلمون جئنا لمساعدتكم. فقالوا لم نر العرب من قبل، لعل أمريكا أرسلتكم؟ قال لي الإخوة: ووقعنا في حرج شديد وخفنا على أنفسنا الدوائر، وأخيرًا قلنا لهم: نحن من تلاميذ سيد قطب وجماعته ففرحوا فرحًا شديدًا وجمعوا لنا الآلاف ليعرفوهم بنا ولنلقي عليهم محاضرات وبقينا فترة طويلة في كنفهم معززين مكرمين.
وكم هزني: أن أسمع أن هنالك قواعد جهادية في أفغانستان وعمليات حربية يُطلق عليها اسم سید قطب.
ومن جميل الموافقات العجيبة أن أستاذنا الكبير في الجهاد في فلسطين صلاح حسن كان يعد لعملية في فلسطين يسميها عملية «سيد قطب» ولشد ما كانت الدهشة أن صلاح حسن قد استشهد في ليلة 29 أغسطس نفس الليلة التي أُعدم فيها سيد قطب.
رحم الله سيد قطب، ونرجو الله أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى.
وسبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.