العنوان علماء رحلوا في يوليو - القناعي ونوح والحسيني
الكاتب عبده دسوقي
تاريخ النشر الاثنين 01-يوليو-2019
مشاهدات 51
نشر في العدد 2133
نشر في الصفحة 51
الاثنين 01-يوليو-2019
القناعي:
حمل على عاتقه إصلاح التعليم وكان له دور محوري في ترسيخ دعائم مجلس شورى الكويت
اختاره الأمير لمنصب القضاء عام 1952م وشارك في تأسيس جمعية الإرشاد الإسلامي واختير رئيساً لها
نوح:
حفظ القرآن في سن 8 أعوام وكان الأول على محافظته والثالث على الجمهورية بالثانوية الأزهرية
عُرف عنه حب القرآن والتواضع والسعي في قضاء حوائج الناس وتميز بالفكر الدعوي والتربوي
الحسيني:
قالت عنه المنظمات اليهودية: يجب أن يموت حتى نجد من الفلسطينيين من يتفاوض معنا
قاد ثورة القدس الأولى عام 1920م وشكّل جماعات مسلحة ضد المحتلين ورفع راية الجهاد المقدس
رحل الكثير من العلماء والمصلحين بعدما سطروا بثباتهم وعملهم من أجل دينهم سطوراً من معاني الرجولة الحقيقية التي تفنى من أجل رفعة هذا الدين، وفي مثل هذا الشهر (يوليو) رحل عنا أمثال هؤلاء:
يوسف بن عيسى القناعي.. أحد رواد النهضة بالكويت
يوسف بن عيسى بن محمد بن حسين بن سلمان بن علي بن محمد بن سري القناعي من أسرة القناعات، حيث ينتهي نسب الأسرة إلى بطن الزقاعين من قبيلة «السهول».
ولد في مدينة الكويت عام 1296هـ/ 1876م، حيث بدأ حفظ القرآن الكريم في سن السابعة على يد الملا دخيل الجسار، وبعد الانتهاء من حفظ القرآن الكريم أخذ يستكمل مبادئ العلوم السائدة في مجتمعه، وبعدها بدأ في تعلم الفقه وغيره من العلوم، وفي عام 1321هـ/ 1903م رحل إلى الأحساء التي كانت إحدى حواضر العلم الشرعي، وقضى فيها عاماً استكمل بعض جوانبه العلمية، قبل أن ينتقل إلى البصرة عام 1323هـ/ 1904م، ثم إلى مكة المكرمة حيث نهل من معين علمائها في هذه الفترة.
عاد الشيخ من مكة عام 1325هـ/ 1907م، وكله أمل في إصلاح التعليم بالكويت، وبالفعل حمل على عاتقه هذا الجانب؛ فكانت البداية بالمدرسة المباركية ثم المدرسة الأحمدية، ولم تتوقف الجهود عند ذلك، بل سعى الشيخ جاهداً من أجل إرسال الشباب الكويتي لاستكمال دراسته في بعثات علمية خارج الكويت، وتحققت مساعيه بإيفاد أول بعثة تعليمية إلى العراق عام 1343هـ/ 1924م، وحينما تأسس مجلس المعارف برئاسة الشيخ عبدالله الجابر الصباح اختير الشيخ يوسف مديراً فخرياً للتعليم.
لم تتوقف مسيرة أعماله عند ذلك، بل أسس عام 1923م المكتبة الأهلية بالكويت التي ضمت الكثير من الكتب، كما كان له دور محوري في ترسيخ دعائم مجلس شورى الكويت عام 1922م الذي اختير فيه عضواً، هذا بالإضافة إلى المجالس المحلية التي سعى لنشأتها(1).
اختاره أمير البلاد الشيخ أحمد الجابر الصباح في منصب القضاء، لكنه قبله لفترة مؤقتة، ومع كل هذه الأعباء لم يهمل جانب التأليف العلمي والشعري.
وفي أول رمضان 1371هـ، الموافق 24 مايو 1952م، شارك في تأسيس جمعية الإرشاد الإسلامي بالكويت، قبل أن يختار رئيساً لها، واختير عبدالعزيز علي المطوع مراقباً عاماً، وذلك قبل تأسيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في بداية الستينيات.
وفي ظهر الخميس 5 جمادى الآخرة 1393هـ، الموافق السادس من يوليو 1973م، وعن عمر يناهز 96 عاماً، فجعت الكويت بوفاة الشيخ يوسف، بعد أن قدم الكثير من صحته ووقته وماله من أجل وطنه وأمته، وقد خرجت الكويت عن بكرة أبيها لتشييعه(2).
السيد نوح.. والتربية العملية
في عزبة السباعي الشهيرة بـ»عزبة غانم» التابعة لقرية الكوم الطويل في مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية، ولد الشيخ السيد محمد السيد نوح في 23 جمادى الأولى 1365هـ، الموافق 24 أبريل 1946م لأسرة ريفية فقيرة.
أتم حفظ القرآن الكريم في الثامنة من عمره، ثم انتقل إلى المعهد الأزهري الابتدائي بكفر الشيخ، ثم إلى معهد المحلة الأزهري الثانوي ليحقِّق في الثانوية الأزهرية الترتيب الأول على محافظته والثالث على الجمهورية، ثم تخرَّج في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة، وتدرج حتى حصل على العالمية (الدكتوراه) عام 1976م.
تأثر بفكر الإخوان المسلمين حتى أصبح أحد علمائهم الذين سعوا لنشر معاني الإسلام الوسطي بين الناس.
وفي عام 1981م انتقل لدولة قطر كأستاذ زائر في كلية الشريعة، وذلك قبل أن ينتقل إلى دولة الإمارات عام 1982م، ومكث فيها حتى عام 1993م، ثم انتقل إلى كلية الشريعة بجامعة الكويت أستاذاً للحديث وعلومه إلى أن وافته المنية.
تمتع الشيخ بمجموعة من الصفات أجمع عليها كل من عرفه؛ كحب القرآن وأهله، والتواضع، وإنكار الذات، والسعي في قضاء حوائج الناس، كما تميز بالفكر الدعوي والتربوي وسط الناس.
ترك الشيخ العديد من المؤلفات التربوية والعلمية التي كان له أثر كبير في نفوس شباب الأمة، مثل: «آفات على الطريق»، «توجيهات نبوية على الطريق»، «الصحابة وجهودهم في خدمة الحديث النبوي»، «منهج أهل السُّنة والجماعة في قضية التغيير»(3).
توزعت جهود الشيخ الدعوية في مجالات عدة؛ فكان خطيباً متطوعاً في وزارة الأوقاف الكويتية منذ عام 1994م حتى وفاته بمسجد الوزان بمحافظة حولي، كما عمل بـ»لجنة زكاة العثمان» التي أسسها الشيخ حسن أيوب يرحمه الله، كما عمد الشيخ إلى كفالة كثير من الأيتام، وإطلاق سراح كثير من المسجونين المُعْسرين، وتوفير الأدوية لكثير من المرضى، وتوفير فرص عمل للعاطلين، وقضاء مصالح الناس وحوائجهم.
ابتلي الشيخ بمرض الكبد؛ مما استدعى إجراء عملية زرع كبد في الصين، وقد نصحه الأطباء بالراحة لكنه لحبه للدعوة والعمل الخيري لم يستمع لنصائحهم فكان دائم الحركة في سبيل العلم والدعوة، حتى وافته المنية فجر الإثنين 16 رجب 1428هـ، الموافق 30 يوليو 2007م؛ حيث شهدت جنازته أعداد كبيرة، ودفن بمقابر الصليبخات بالكويت.
أمين الحسيني.. والحركة الوطنية الفلسطينية
لم تمنعه مكانته كمفتٍ عام للقدس أن يحمل على عاتقه هَمَّ قضية بلاده التي كانت تحاك لها المؤامرات لتمكين اليهود منها، حتى جاب العديد من البلدان تنديداً بما يحدث لشعبه، حتى إن المنظمات اليهودية دعت إلى قتله قائلة: «يجب أن يموت؛ حتى نجد من الفلسطينيين من يتفاوض معنا».
إنه محمد أمين الحسيني الذي ولد بمدينة القدس عام 1315هـ/ 1897م، وتلقى تعليمه في القدس والقاهرة والأستانة، حيث التحق بالجيش العثماني في ولاية أزمير، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى عاد ليحمل على كاهله قضية بلاده.
أدرك الحسيني مكائد الإنجليز ومكرهم الخبيث، فعمل على إحباط ما ترسمه السياسة الإنجليزية التي تحابي اليهود دون خجل أو مواربة، فقاد ثورة القدس الأولى عام 1339هـ/ 1920م؛ وهو ما أفزع الإنجليز، فحاولوا القبض عليه، لكنه نجح في الإفلات منهم إلى دمشق، وقد اختير مفتياً عاماً بعد وفاة أخيه عام 1922م، وحينما رأى بعض الفلسطينيين يبيعون أراضيهم لليهود أصدر فتواه الشهيرة بتحريم بيع الأرض عام 1935م، كما قاوم عملية هجرة اليهود لفلسطين(4).
أدرك أن الأقوال لا قيمة لها ما لم تُقرن بالعمل، فقام باستنهاض همة شعبه للجهاد، وأوقد في أفئدته جذوة الكفاح وشعلة المقاومة، فشكّل جماعات مسلحة ضد المحتلين الغاصبين، ورفع راية الجهاد المقدس.
لم تترك بريطانيا الشيخ الحسيني، فظلت تتبعه من بلد لبلد، وهو يقاوم مخططاتها ويفضحها في جميع المحافل الدولية، وحينما قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين قاوم القرار وحض الفلسطينيين والمسلمين على التصدي للتقسيم، وسعى لحث الحكام على التصدي لمحاولات اليهود؛ فكانت حرب 1948م، وانتقل للعيش في القاهرة ثم بيروت.
وبعد نكسة عام 1967م أُصيب الحسيني بمرض قلبي جاء نتيجة لضغط نفسي متواتر، ورحل في يوم الخميس 14 جمادى الآخرة 1394هـ، الموافق 4 يوليو 1974م بعد حياة حافلة بالعطاء والجهاد والتضحية، ودُفن في مقبرة الشهداء ببيروت(5).
الهوامش
(1) بدر محمد ملك، لطيفة حسين الكندري: الفكر التربوي عند معلم الكويت الأول الشيخ القناعي، المجلة التربوية (الكويت) العدد 76، المجلد 19، شعبان 1426هـ- سبتمبر 2005م.
(2) أضخم موكب شهدته الكويت لتشييع جثمان الشيخ يوسف القناعي: مجلة الرسالة، العدد 647، بتاريخ 8/ 7/ 1973م.
(3) الشيخ السيد نوح: موقع إخوان ويكي، http://cutt.us/mJghd
(4) حسني أدهم جرار: الحاج أمين الحسيني (رائد جهاد وبطل قضية)، دار الضياء للطبع والنشر والتوزيع, الكويت، 1987م، ص 15.
(5) راغب السرجاني: فلسطين وواجبات الأمة، طـ1، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2010م، ص 23.