; على هامش الانتخابات التونسية | مجلة المجتمع

العنوان على هامش الانتخابات التونسية

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 552

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 15-ديسمبر-1981

سكتت المعارضة اليسارية على افتراس «الاتجاه الإسلامي» في تونس فخرجت من معركة الانتخابات المصطنعة بخفي حنين!!    

اللعبة الأمريكية في المنطقة العربية مكشوفة مفضوحة لكل ذي بصيرة.. أن يُفسح المجال أو يُترك لكل من يتحرك ضد الأنظمة القائمة طالما لا يشكل خطرًا على النظام.. وأن يُحاصر ويُضرب من يُشكل الخطر، أو يقترب من الغلبة والوصول إلى مراكز الحكم ومواقع المسؤولية؛ ليطبق برنامجه الذي يعارض بشكل أو بآخر السياسة الأمريكية في المنطقة المنكوبة بالنفوذ الأمريكي وعملائه الموالين له، المنتمين إليه..

ومثل هذه اللعبة الماكرة طبقت في بقاع شتى من ديار العربية والإسلام، وما زالت تمارس حتى اليوم. ولن يكون آخر فصول «الملهاة المأساة» ما وقع في تونس التي حظرت نشاط الحزب الشيوعي فيها مدة أحد عشر عامًا، في حين كانت حركة المد الإسلامي تتنامى في الشمال الأفريقي، وفي تونس بوجه خاص، فلما بلغت مبلغًا باتت فيه أملًا من آمال الأمة، وموضع طموحات الشعب التونسي المسلم، أُعطيت الإشارة من البيت الأبيض للعملاء أن يتحركوا، و«لنواطير» المصالح الأمريكية في المنطقة أن يفتحوا السجون، وأن يحملوا العصا.. وتحرك السجان الأول ليعطي أوامره لضرب حركة الاتجاه الإسلامي وسجن قياداتها وشبابها في الوقت الذي رفع فيه الحظر عن نشاط الحزب الشيوعي والاتجاهات اليسارية المتعددة، التي تلبس مسوح الوطنية، وأسبال المعارضة الشكلية التي تلتقي مع النظام على ضرب أصالة الشعب التونسي، ومحاربة عقيدته وفطرته، وإتاحة الفرصة للتغريب والعلمانية والإلحاد والماركسية أن تترعرع في غيبة الإسلام عن الساحة، وقهره بعيدًا عن ممارسة تبصير الناس به، وتوعيتهم على جوانب القوة والجمال والعطاء فيه، تمهيدًا للمطالبة بتطبيقه في مختلف نواحي الحياة..

وفرح اليساريون على اختلاف أسمائهم، وتعدد راياتهم، ممثلين في الحزب الشيوعي والاشتراكيين والديمقراطيين والشعبيين، وغير أولئك من حملة الشارات الجوفاء.. فرحوا أن يسمح لهم النظام التونسي المتخبط بخوض المعركة الانتخابية التي جرت في تونس، وراحوا يعدون عدتهم لخوض المعركة، وكسب مزيد من الأنصار، والشعب في تونس قسمان واضحان لا ثالث لهما.. وإن وجد القسم الثالث فهزيل لا يشكل جمهورًا ولا يستقطب قاعدة ذات وزن كيفي أو كمٍّ عددي.

أما القسم الأول فهو أعوان السلطة من «قطعان» المنتفعين والوصوليين الذين يرش لهم الحاكم العلف؛ فيتبعونه «للمسلخ» لمواجهة سكين الجزار إن عاجلًا أو  آجلا .. وهؤلاء ذوو نظرة سطحية، وهدف دنيوي رخيص في مكاسب مادية ومناصب زائلة، لا تلبث أن تتبخر من أيديهم عند أول استبدال يقوم به الحاكم المأمور..

وأما القسم الثاني فهم الموالون لله ورسوله، المنتمون للإسلام، المعتزون بدعوته، المطالبون بتطبيق حكمه، وهؤلاء مضطهدون، محكوم على قياداتهم بالسجن، وعلي قواعدهم وجماهيرهم بالقهر والحرمان والأذى والتشريد.!

وتدور معركة الانتخابات في تونس فيغيبة جناح هام من أجنحة الأمة، بل عقلها المفكر، وقلبها النابض بالحق والقوة، والصدق والتفاني.. وتكون النتيجة كما أعدت الدولة «المزورة»، وهيأت وفق قوائم خاصة وصناديق زائفة.. ويعلن النظام التونسي أن الاشتراكيين والديمقراطيين والوحدويين والشعبيين جميعًا قد انهزموا بصورة مذهلة، وقد فشلوا فشلًا ذريعًا، إذ تبين أنهم لم يحصلوا إلا على ما هو دون الخمسة بالمئة من مجموع أصوات المقترعين.. وأن الفائز الوحيد في الانتخابات هو حزب الدولة ومن في فلكه يسير!.

ويُطلق المعارضون الذين  أُذِن لهم أن يخوضوا معركة الانتخابات أصواتهم، ويعلنون للملأ أن ممارسات إرهابية قد وقعت.. وأن التزوير كان واضحًا، ويكون الرد الحكومي المعهود في مثل هذه المواقف: كذبتم.. لم يكن هناك تزوير.. ولكن هذه هي حصتكم من الشعب!.. 

ويعود «اليسار» المتآمر.. الساكت على «افتراس » حركة الاتجاه الإسلامي من معركة الانتخابات في تونس بخفي حنين.. أما حنين فقد مكن لنفسه ظاهريًّا في مقاعد الحكم ومراكز السلطة، منتظرًا أن يتغلب اليساريون عليه، وهو في موضع الكراهية من أبناء الأمة جميعًا.. ويومئذ لن يجد له أصبعًا يعضه ندمًا.. لأن أصابعه ستكون مأكولة.. وأسنانه ستكون متناثرة.. في «أتون» غضبة شعبية لا تبقي ولا تذر.. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله… ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبًا.

الرابط المختصر :